كارول آن دوفي: المثليّة التي أصبحت شاعرة البلاط البريطاني كارول آن دوفي: المثليّة التي أصبحت شاعرة البلاط البريطاني : Qadita.net
يونيو 14, 2011 | الكاتب: فيء ناصر | مقال تابع لفئات: كويريات | أكتب تعليق

كارول آن دوفي: المثليّة التي أصبحت شاعرة البلاط البريطاني

أشكال الاغتراب المختلفة، الاضطهاد وعدم المساواة الاجتماعية، التمييز الجنسي، التفرد الشخصي وبناء الذات في زمن ثقافة القطيع المعاصرة- هي ثيمات الشاعرة الأساسية

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال

|ترجمة وإعداد: فيء ناصر|

كارول آن دوفي

أنهت كارول آن دوفي سيطرة الشعراء الرجال على منصب شاعر البلاط الملكي في بريطانيا والتي استمرت نحو 400 سنة، منذ شاعر البلاط الملكي الاول (جون ديرن) عام 1668، في عهد الملك جارلس الثاني، ولآخر شاعر يحمل اللقب (أندرو موشن) 2009، بعد أن انتخبت كأول أنثى تشغل منصب شاعر البلاط الملكي، وهو الشاعر المكلف من ملكة بريطانيا بتوثيق مناسبات البلاط الملكي شعرياً وتوجيه انتباه الجمهور إلى المواضيع والمناسبات الوطنية .

الشاعرة أول إسكتلندية تحمل اللقب، أول أم، وأول مثلية صريحة. وقد صرّح رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون، معقبا على منحها اللقب، بأنها شاعرة باهرة وبارعة في اقتناص اللحظات العاطفية والخبرات البشرية وتحويلها إلى قصائد. وستشغل الشاعرة هذا المنصب لمدة عشر سنوات فقط مع مبلغ سنوي مقداره 6,000 جنيه استرليني تقريبًا، ستتبرّع به لصالح مجمع الشعر لاستحداث جائزة سنوية جديدة للشعر. ولقرون خلت كان يطلب من شعراء البلاط الملكي تأليف القصائد الغنائية لتمجيد الملوك وحين تقلد وورد ورث هذا المنصب عن عمر 73 عامًا، اشترط لقبوله عدم إرغامه على إنتاج قصائد تمدح العائلة المالكة وقد قبل رئيس الوزراء بشرطه آنذاك. وصرّحت الشاعرة لراديو بي بي سي: “لو دعيت إلى حفل زواج ملكي وألهمتني المناسبة لكتابة قصيدة جديدة، فسأكون ممتنة، وإذا لم تلهمني هذه الدعوة أيّ شيء فلن أكتب أية قصيدة”.

كارول آن دوفي كاتبة مسرحية أيضًا، من مواليد ديسمبر 1955 في مدينة كلاسكو في إسكتلندا. درست الفلسفة في جامعة ليفربول وهي محرّرة سابقة في مجلة الشعر ومقدمة برامج إذاعية وتلفزيونية. اِنتقلت من لندن إلى مانشستر حيث تحاضر عن الشعر في جامعة مانشستر .

أشكال الاغتراب المختلفة، الاضطهاد وعدم المساواة الاجتماعية، التمييز الجنسي، التفرد الشخصي وبناء الذات في زمن ثقافة القطيع المعاصرة- هي ثيمات الشاعرة الأساسية، وهي تعبّر عن ثيماتها هذه بلغة بسيطة تقترب من لغة المحادثة اليومية وتخلق من قصائدها نصوصًا غير ملتبسة القصد. أسلوبها الشعريّ جادّ وساخر في نفس الوقت، سهل القراءة ويمكن لأيّ إنسان أن يستمتع بقراءة قصائدها حتى أولئك الذين لا يقرءون الشعر عادة؛ إنه شعر ممتع وغير مُستَغلق، كلاسيكي لكن بتكنيك حادّ كالشفرة. نصوصها أيضاً عابثة ومؤذية، ممتزجة بروح الدعابة والتهتك، يتزاوج فيها ما بعد الحداثويّ وما بعد البنيوية، مع السونيتة الشعرية التقليدية، تبدع في خلق توتر ممتع ومحسوس بين الأسلوب والموضوع، فهي تلعب بالكلمات ودروبها الخفية لاكتشاف معنى مغاير خلفها ومدى انسجامها مع مستجدّات الواقع المعبَّر عنه لغوياً، وربما تبدو الشاعرة من دعاة ما بعد الحداثة الشعرية أيدلوجيًا وليس جماليًا.

غالباً ما تعتمد كارول آن دوفي أسلوب المونولوجات الدرامية لاستكشاف الأصوات والهويات المختلفة في مواقف مختلفة. وهي تمتلك مهارة عالية في تشخيص وتوقيت منولوجاتها الشعرية و حساسية مدهشة في مشاطرة الاخرين مشاعرهم، حين تضع نفسها في عقلية كل شخصية من شخوص قصائدها. مونولوجاتها تتميز أيضا، بحدود أُنثوية قوية وحادة، وهذا يتجلى واضحاً في أُولى مجموعاتها الشعرية “وقوف الأنثى عارية”، الفائزة بجائزة المجلس الفني الاسكتلندي، والتي تمثل استجابات وردّات فعل الموديل/ المرأة التي تقف عارية، لأوامر الرسام/ الرجل الذي يرسمها.

فالشاعرة تمزج حسّ الفكاهة مع التبصرات الجادة للقضايا الاجتماعية كما في المقطع التالي من قصيدة “وقوف الأنثى عارية”:


ساعات ست كهذه مقابل فرنكات معدودة

بطن، حلمة ومؤخرة في ضوء النافذة.

يُفَرّغُ اللون مني.

إلى اليمين أكثر يا سيدتي.

حاولي أن تكوني ساكنة.

سيصوّرني بشكل تحليلي

وأعلق في متاحف كبيرة.

وسيمتدح البرجوازيون صورة العاهرة النهرية هذه.

ويدعونه فن.


قصيدة “رجم النجوم” من ديوانها الأول “وقوف الأنثى عارية”، مفجعة ومؤثرة بشكل حادّ وتَرجُ قارئها بتوقيتاتها الجارحة. هذه القصيدة تتحدّث بصوت امرأة تموت في معسكرات الاعتقال النازية:


“كنت على قيد الحياة، مرة.

أرخى حزامه.

اِنفلقت أمعائي مثل جُبّ خوف يفغر فاه.

ما بين أفواه الجثث ألمحُ طفلا.

ضحك الجنود.

صوبوا طلقة إلى عينها. “


عام 1987 أصدرت كارول آن دوفي مجموعتها الثانية “بيع مانهاتن”، التي فازت بجائزة سومرست موم. تتحدث كارول آن دوفي في هذه المجموعة بأصوات البشر المُمتعضين، وتنجح في الولوج إلى عوالم هؤلاء المهزوزين والمهزومين من مجتمع لم يغفر لهم أخطاءهم.

في قصيدة “التعليم من أجل المتعة”، نقرأ المقطع التالي:


اليوم سأقتل شيئاً.

أيّ شيء.

لقد عانيت الاحتقار طويلاً. “


في مجموعتيها اللاحقتين “الوطن الآخر” (1990) و”وقت شحيح” (1993)، تعيد الشاعرة استنطاق آفاق الذكريات والحنين. وتنبع قصائد هاتين المجموعتين من الهمّ العاطفيّ للشاعرة، لكنها في ذات الوقت، لم تغفل الجوانب السياسية والاجتماعية والقضايا الفلسفية. تبدع بكتابتها لقصائد الحبّ المؤثرة والشّجيّة والظريفة، المنبعثة من البحث عن الآخر، الفقد، الغربة والحنين. وتبحر بعيداً في استكشاف الطبيعة المعقدة لهذا الشعور الإنساني من ألم ومن نعيم في تزاوج جميل بين الذاتي والفلسفي.

قصيدة “فالنتاين” خير مثال على استقصاء الشاعرة للدرب الذي يبنى به معنىً مغاير من خلال لغة بسيطة وعميقة في ذات الوقت. الأنا/ المتكلم في هذه القصيدة يحاول زعزعة الافكار الثابتة عن مناسبات الحب المألوفة لدى المحبين وايجاد طرق أصيلة ومبتكرة في التعبير عن هذه العاطفة.


“ليست وردة حمراء ولا قلبًا من الساتان.

أُهديك بصلة،

قمراً ملفوفاً بورق بنيّ.

يَعدُ بالضوء،

مثل التعري المجرد للحبّ.


ورغم وعيها بميولها الجنسية المثلية المبكر، لكن أصداراتها الاولى لم تكن تشير إلى ذلك صراحةً، بل إن جنسانية الموضوع “الآخر” في قصائدها ظلت مبهمة تماماً، حتى “وقت شحيح” التي فازت بجائزة الفورورد الشعرية البريطانية المرموقة والتي أشرت بدايتها في كتابة قصائد صريحة عن الحب المثلي. ثم أعقبتها بمجموعة “إنجيل الانثى” (2002) وكما هو واضح من العنوان، فإنّ هذه المجموعة تخطف القارئ من حواسّه جميعاً ليحتفل مع الأنثى بخبراتها وفهمها لعناوين الحياة من ولادة، موت، أمومة، حيض، وسنّ اليأس. كما استلهمت الشاعرة حكايات الجنيات التقليدية في مجموعتها هذه بجانبيها المشرق والمظلم /الخيّر والشرير.

نقرأ هذا المقطع من قصيدة “الحبل السري”:


“لقد قطعوا حبلها السري الذي ولدت معه

ودفنوه تحت شجرة ما

في قلب الغابة الشاسعة.


وفي المقطع التالي من قصيدتها الجميلة والعميقة “جامع النور” والتي تقترب من سوريالية ساحرة لخبرة انجاب طفل:


تهوين من نجمة

إلى حضني،

الضوء الخفيف في جانب السرير يتمرأى فيك

أنت تضيئين مثل فتاة الثلج،


في حين المقطع التالي من قصيدة “الموت والقمر” يبتكر احتفالية تفجع لكلّ الذين رحلوا عن عالمنا:


“لا أعرف أين أنتِ.

لا صلاة تصل إليكِ

حتى لو إنّ القصائد صلوات.

غير مرئية

في الفضاء.

حتى لو أنّ الأرواح نجوم. “


وأخيرًا، مجموعتها المتميزة “نشوة” (2005) والفائزة بجائزة ت .س إليوت، والتي يهيمن فيها صوت الأنثى الخالص، عبر قصائد عاطفية شخصية مشحونة بنبرة رثاء، ومختلفة بشكل ملحوظ عن مجاميع الشاعرة السابقة.

هذه المجموعة جميلة وغنية في استكشافاتها العميقة لفجوات المشاعر الإنسانية، متسلسة ومستلهمة من تجربة الشاعرة الشخصية بعلاقتها بالشاعرة جاكي كي، من اللحظة الأولى للوقوع في الحبّ والتي تصفها بـ “الوقوع في الحب/ هو الجحيم الفاتن”، إلى لحظة النهاية الشعرية /العاطفية:


“ما الذي أستطيعه [....]

كي اساعدني، بلا تعويذة أو صلاة،

كي أحتمل هذه الساعة، التي بلا نهاية، عديمة الرحمة،

ساعة موت الحب الخفية؟”


للشاعرة أيضا مجموعة شعرية للأطفال بعنوان “القبعة” (2007). ولها عدة مسرحيات منها: “خذ زوجي” (1982)؛ “مغارة الأحلام” (1984)؛ “نساء صغيرات، رجال كبار” (1986).


مختارات


فالنتاين

ليست وردة حمراء ولا قلب من السّاتان.

أُهديك بصلة،

قمراً ملفوفاً بورق بنيّ.

يَغريك بالضوء،

مثل التعري المجرد للحب.


هنا…

سوف تعميك من الدموع

كالحبيب.

ستجعلك تعكس

الصورة المتأججة للأسى.

أحاول أن أكون صادقة.

ليست بطاقة جميلة ولا هدية مضحكة

مثل مفاجآت أعياد الميلاد.

ها أنا أمنحك بصلة.


قبلتها العنيفة ستظل عالقة على شفتيك،

تهيمن عليك وحدك

مثلنا،

ولأبعد مدى مثلنا.

خذها.


ستتقلص حلقاتها البلاتينية الى خاتم زواج،

لو تريد.

مهلك،

سوف يعلق بأصابعك.

رائحتها،

تعلق بسكينتك.

مهما يكن

سآخذ كفك، اليسرى،

وأرجو أن تكون بها بقية حياة،

كي تمسك كفي، اليمنى،

حين أمشي وحيدة حيث مَشينا،

أو أضطجع طوال الليل على جنبي،

أو أتوقف عن الكلام كله بإصبعٍ

محشورٍ بين شفتيّ.


سآخذ شفتيك

وأرجو، حين أُغمض عينيّ، مثلما

في صلاة، أن تنضجا في الهواء

وتكونا، مرة أُخرى هناك، على شفتيّ،

أو تناديا اسمي، أو تبتسما، أو تقبّلا النعاس

في عينيّ. سأخذ عينيك،


لا روعة تحت الشمس، مثلهما،

وأرجو إنهما صاحيتان كي ترياني، تمعنان النظر

بي، أو حتى تبكيان طويلا، كي أشعر بدموعهما

على وجهك، مطراً دافئاً يهطل على وردة.

وجهك النائم الذي سآخذ، أرجو أن أحفظه،

عن ظهر قلب، اِنثناءة أنفك، أو وجهك الصاحي الذي أرجو

أن أمسّ بلساني، البراعم الرقيقة في شحمات أذنيك


وسآخذهما، أيضاً،

أرجو أن تشعرا بلهيب أنفاسي

في كلمات حيّة، وهما تسمعانها .

وسآخذ أنفاسك

وأرجو أن تدخل وتخرج، تدخل وتخرج، للأبد،

مثل حمرة خدودك، التي سأستوطنها.

مهما يكن

(القصيدة من مجموعة الشاعرة نشوة“)


إحماء لآلئها: إلى جوديث ريدستون

لآلئها، تمس جلدي.عشيقتي

أمرتني أن أرتديها لأسخنها، حتى المساء

حينما سأُمشط شعرها. وفي السادسة، سأضع اللآلئ

حول عنقها الأبيض الفاتر.

طوال اليوم،

أفكر بها،


تضطجع في الغرفة الصفراء، تتأمل الحرير أو المخمل،

الذي ستتلفع به الليلة؟ تعجب بنفسها…!

بينما أعمل انا عن طيب خاطر،

حرارتي الخفيفة تتسلل إلى كل لؤلؤة.

حبلها، يلف عنقي.

جميلة هي. أحلم بها

في غرفتي العلوية:

صوّرتها وهي تراقص

رجالاً طويلي القامة،

مرتبكة من امتعاضي،

بإلحاح… يضوع شذاها

خلف عطرها الفرنسيّ،

وأحجارها اللبنية.


أربّت على كتفيها بكفِ أرنب:

يراقب توردها الناعم يَنزّ من جلدها

مثل تنهيدة متراخية. في مرآتها

شفتاي الحمراوان ترومان الحديث.

قمر مكتمل، عربتها تعيدها إلى منزلها.


في رأسي

أراها كل لحظة …عارية،

تنزع مجوهراتها،

يدها النحيلة تعيدها إلى الصندوق،

تنزلق عارية إلى مخدعها،

كما معتادة… وأستلقي هنا بلا نوم،

أعلم أنّ لآلئها تبرد الآن

في غرفة حيث تنام عشيقتي.

وطوال الليل

أشعر

بالفقدان وأحترق.

(القصيدة من مجموعة وقت شحيح“)

(عن جهة الشعر)


شارك

تعليق

ملاحظه: تود إدارة الموقع أن تشير إلى عدم نشرها لتعقيبات تحوي مضامين مسيئة بحق الكاتب/ة ليست لها علاقة بفحوى المادة المنشورة. تحفظ الإدارة لنفسها حق تقصير وتحرير الردود، بما يتناسب مع حرية النشر من جهة ومنع التشهير والقذف والإساءة الشخصية، من جهة أخرى.

مقالات ذات صله

 

المزيد من كويريات