مات فنانان: أحدهما يشبه فلسطين والآخر يحبها/ زياد خدّاش

. |زياد خدّاش| مات طه محمد علي، الشاعر والقاصّ الفلسطين […]

مات فنانان: أحدهما يشبه فلسطين والآخر يحبها/ زياد خدّاش

طه محمد علي وفرنسوا أبو سالم

.

|زياد خدّاش|

زياد خدّاش

مات طه محمد علي، الشاعر والقاصّ الفلسطيني الذي كان يشبه بلاده أيّما شبه؛ هرماً مات. مات في ذات اليوم الفنان فرانسوا أبو سالم، أحد أهم مؤسسي المسرح الفلسطيني؛ فرانسوا الفرنسي الذي أحبّ فلسطين فمنحها وقته وموهبته وقلبه وبقايا شهقات جسده- انتحاراً مات.

رأيت طه مرتين في ندوتين أدبيتين، لم أكلمه، لم أحاول ذلك؛ هيبةً من شبهه الكبير بفلسطين (إذ بأي لغة سأكلّم فلسطين؟) ومن يديه الخشنتين القاسيتين الطويلتين اللتين تشبهان عرق زيتون من حقول بلادي، تخيلته مرةً عرقَ زيتون حوّل نفسه بعد اعتقال صفورية إلى كاتب قصة ليروي أغرب حكاية عن أغرب احتلال، ويحكي عن الأرض المخنوقة والناس المنفيين وليشهد على مجزرة الأرض ودم المنفى، ولا عدالة الحياة… هو فلسطين نفسها بكل رموزها وخزينها من شعر وحقول وبحر وشهداء وأعراس وقرى… هذا التسعيني طويل القامة، ابن صفورية المهدّمة، كان يتكلّم باللهجة الريفية، قصصه تغصّ بموضوعات الأرض حنيناً ونداءات وثورةً ووجعاً وأساطير شعبية، تجاعيد وجهه العميقة كانت تأخذنا في نزهات وديّة إلى أجمل الأزمان. كان يكفي أن أراه من بعيد في زاوية بعيدة من قاعة مؤتمر أو مهرجان أدبيّ حتى أشمّ رائحة خبز طابون جدتي، وحتى أسمع أغاني الحصّادين الفلسطينيين في مساءات البلاد البعيدة.

فرانسوا غاسبار، الفنان الفرنسي الذي أحبّ بلادنا، وغيّر اسم العائلة إلى “أبو سالم”، امتناناً وانحيازاً وانتماءً لها، هذا الرجل سمح لجسده بالسقوط من سطح عمارة قيد الإنشاء في حي الطيرة برام الله، روحه في بلادنا لم تكن قيد الإنشاء، كما العمارة التي اختارها هاويةً لسقوطه في قلوبنا، كانت خالصةً وجاهزةً ومصفّاةً ومرهونةً لفلسطين حركةً مسرحيةً وقضية شعب، وأصدقاء. هذا الرجل كان بإمكانه أن يعيش في فرنسا ويصبح أحد مسرحييها المشهورين، وأن يستمتع بالحياة الفرنسية السهلة بعيداً عن جحيم الاحتلال، لكنه اختار فلسطين-بلادناً مكانا للإبداع والحبّ والحياة، وخصّها بموته أيضاً. هذا الرجل يستحقّ حبنا وذاكرتنا، لم يكن ضيفنا، كان منا، يشبهنا تماماً، يضحك مثلنا ويتألم مثلنا.

رجلان، فنانان، جميلان ماتا في يوم واحد، أحدهما يشبه فلسطين والآخر يحبها.

طه وفرانسوا يجلسان الآن معاً في سرير ما، أو سفينة ما، أو درب ما، ينامان على سطح فكرة زرقاء: جميل وحزين ومخيف وبطوليّ أن نشبه هذه البلاد ونحبها.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

2 تعقيبات

  1. طوبى للاول
    وللثاني وبما انه يعشق فلسطيننا لما رحل
    وباي طريقة رحل
    هل هي ثورة ندم لحاله بيننا

  2. أسيادنا ( أشباه الآلهة ) النخبة ما بيصدقو على عزا يشبعو فيه لطم.
    وكروم أصح من حقول (إذا بيطلعلنا نصحح)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>