لأعلم أني “كنت” فيقولون “كانت” منذ الأزل

ننشر هنا نصين من العدد الجديد من مجلة عشتار النسوية

لأعلم أني “كنت” فيقولون “كانت” منذ الأزل

| مجلة عشتار |

(1)

“أن نكون أو لا نكون هذا هو السؤال”

لكن من يحدّد كيف يجب أن نكون” هو موضوع مختلف تمامًا.

على مدى أجيال ، خاض الناس صراعات لإثبات وجودهم، للدفاع عن معتقداتهم، ولخلق بيئة حرّة بجميع أشكالها: التعبير، الأفكار، الشكل …..

في حين توصّل “الآخرون” في أنحاء العالم المختلفة إلى درجة من الاحترام، الحرية والحضارة، انظر حولي إلى مجتمعاتنا العربيّة والمنظمات والجماعات وأهزّ رأسي بأسى. أرانا ندّعي العمل والمكافحة من أجل حقوق الإنسان الشّاملة في حين نفشل فيما بيننا بتطبيق الأساسي: حرية المعتقد الشخصيّ.

القاعدة المتبعة لدينا اليوم: إن كنت تختلف عنا فأنت لا تنتمي لنا.

ظاهرة جديدة تتزايد في كلّ مكان: يجب التصرّف، التحدّث، اللبس والتفكير وفقًا لمعايير محدّدة مسبقًا للانتماء  لمجموعة ما. البجعة السوداء غير مقبولة. يسمح فقطلسرب الطيور المتطابق كليًّا “أن يحلّق سويّة”.

الاختلاف، ولو كان بسيطًا مرفوض رفضًا قاطعًا. للانتساب، يُرجى من كافة أعضاء المجموعة اعتماد كافة المعايير المعتمدة والتخلي عن جميع الأفكار المُغايرة حرصًا “على بقاء المجموعة متراصّة الصفوف”.

الغريب هو أنّ هذه الظاهرة تبدأ من المدرسة والجامعة وتمتدّ إلى سائر تكوينات المجتمع. فنجد الشباب في الجامعات والمدارس يكوّنون تكتلات، يعتنقون الأفكار ذاتها، يرتدون الأزياء ذاتها، يمتلكون الأغراض ذاتها، وفي النهاية يتخذون المواقف المتطرّفة ذاتها… حتى مصطلحات الكلام باتت ذاتها. فأنت كطالب تقيّم بحسب نوع هاتفك النقال، وبحسب نمط ثيابك، مدى إتقانك للغة الأجنبية، من تساند من الأحزاب السياسيّة، وكم تكره الطوائف الأخرى.

وكلّما كبر المرء، زادت حاجته إلى الانتماء، فيتخذ من جمعيّة ما أو رابطة معيّنة، أخوية دينية أو تنظيم سياسيّ/اجتماعيّ، ملجأ له. وعوضًا عن التميّيز وإضافة خبرات وأفكار جديدة داخل المجموعة، تبدأ عمليّة الانصهار: يعتنق المنتسب الحديث كلّ الأفكار المتوارثة والأسلوب المتبع الذي وُضِع ليتناسب مع أفكار مؤسّسي المنظّمات ويتعدّل وفقًا لحاجاتهم. فقد تنضمّ، مثلا، إلى منظمة للعمل على قضيّة معيّنة، وبعد فترة وجيزة، ولكي تصبح محبوبًا/مقبولا وفردًا “فعّالا” في هذا التنظيم، تجد نفسك قابعًا أمام سفارة بلد آخر تتظاهر لقضيّة ليست لك، أو تقاطع منتجات/أماكن مُعيّنة لأنها تمسّ بقضيّة أخرى. ومن موقف إلى آخر، تجد نفسك تعتنق كلّ قضايا العالم العربي، وتتبنى أفكارًا لم تمثلك يومًا. وإن كنت جريئًا وأبديت أيّ اعتراَض أو حاولت إقناعهم بسلّم أولويّات مختلف فإنّك تتهم بالخيانة العظمى وبالانحياز لقوى الشرّ في العالم.

هذه الصّور النمطيّة تتعدّى الجمعيات الناشطة لتشمل كلّ أنواع التكتلات الإنسانية في تجمّعاتهم العمليّة والشخصيّة ضمن النقابات، أماكن العمل، التجمّعات الطلابية، الأحزاب وغيرها. حتى ضمن الصّداقات الشخصيّة، يُرفض الشخص لاختلاف مبنيّ على أساس طائفيّ، سياسيّ، طبقيّ، جندريّ، جنسيّ أو حتى عاهة جسديّة حتى لو كان قد استوفى جميع الشروط الأخرى.

تختلف الأسباب والنتيجة واحدة.

بالطبع، إن كنت “جاهلا/متغطرسا” بما يكفي لتكون لديك معتقدات/أفكار/نمط/آراء خاصة (معقول؟)، فتوقع أن تُنفى، تُرفض، وتُقاطع كأبرص أو كمجرم خطير. ولا تُفاجأ إن اضطهدْت حتى تتوب وتعود إلى الصراط المستقيم.

العصور المظلمة عادت لتظهر من جديد، فكلّ “مختلف” هو غاليليو آخر ينبغي إرساله إلى الموت.

نعم، صحيح، العصور المظلمة لم تنتهِ بعد: عدة قرون ولّت ونحن لا نزال نمارس الجهل نفسه وضيق الأفق نفسه، ولا نزال بعيدين كلّ البُعد عن التوافق.

حتى يومنا هذا، خلافاتنا لا تزال تقسِمُنا، وحتى الآن لم نتعلّم كيفيّة تحويلها في مجموعتنا إلى نقاط قوة.

متى سننضج بما يكفي لاحتضان هذا الاختلاف وإسقاط كل هذه الصور النمطية الناتجة عن مخاوفنا وتعطشنا للسلطة والسيطرة.

إلى كل من يعتمد أسلوب الصور النمطية أقول: من الاختلاف ينبع التغيير، والتغيير قادم لا محالة. فحاولوا القبول والتكيّف، لأنه إذا جاء الوقت ليحكم “المختلفون” فقد تتحوّلون انتم إلى بجعة سوداء.


(2)

لأعلم أني “كنت” فيقولون “كانت” منذ الأزل

لطالما اعتقدت أنني أحبّ الكتابة وأتقنها. لن أعتمد يومًا على أنني أحترف الكتابة، ولكني آمنت وما أزال أومن بأنّ المرء إذا أراد شيئًا ما فلا شكّ في أنه سيحظى به مع المزيد من المثابرة والقليل من القدرة. سيصل إلى مرحلة إتقانه أو حتى احترافه.

اليوم، في الحادية والعشرين من عمري، أدرك القليل عن نفسي وأتساءل: “هل يزعجني أو يقلقني ذلك إلى حدّ ما؟”

الإجابة بلا تردّد هي: “لا”.

أشعر أحيانًا بحنين عندما تحلق في مخيّلتي صورٌ من أيّام المدرسة. أعلم تمامًا أنها لم تكن أسعد أيام حياتي، لكن لسببٍ ما أجهله أتوق إليها! وأتخيّلها كأنها فصل قصير من فصول قصّة حياتي خُتم وما من أملٍ في استرجاعه. حاولتُ أن أبحث عن السبب وبسخرية اعتقدت لربّما هو حقيقة كونها فترة ذهبت ولن تعود. أو ربّما هي رغبتي في أن أكون مثل باقي البشر الذين يصفون تلك الفترة بأنّها أسعد أيّام حياتهم.

وعندما أعود أدراجي إلى اليوم والآن أجد “نفسي” تشمئزّ من كونها “مثل باقي البشر” وتكره ذلك. أجدُها هاربة من حضاراتنا الضّائعة وأراضينا الهائجة، نافرة من شعوبنا الصامتة، تقاليدها الكسولة وأحلامها العطشى إلى البطولة.  فتجد نفسها شاذة، لا تتواصل مع “القضية” ولا تتبع أيّ ديناميكيّات “طبيعية”. نفسي تدعو إلى الثورات للتخلّص من الرجعية، الطبقية والديكتاتورية وللمطالبة بالتعدّدية. نفسي شاذة تسعى إلى التحرّر من قيود مجتمعاتنا الشرقيّة الأزليّة العاجزة عن احتواء أبعاد كلمة حريّة.

أذكرهم يصفقون لي المرّة تلوَ الأخرى بعد قراءة موضوع الإنشاء. أذكرهم يندهشون من إتقاني المتألق للغة الزّعماء.

أذكرها تهنئني: “يا عزيزتي تقرئين العبريّة بلهجة الأكثريّة!”.

اليوم يدّعون أني أتبع لمجموعة الأقليّة. اليوم تُفرض عليّ هُويّتي “الفلسطينيّة”.

اليوم أشعر بأنني مُهمّشة ومُضطهدة من قبل الطرفين.

ومع ذلك، إنّ شيئًا ما في داخلي بدأ يبحث عن ثورته الشخصيّة! أرفض اليوم مداعبة أحرف العبريّة. أتوق إلى إحياء لغتي العربيّة، لربّما تُعجب بي أحرف الأبجديّة وتحتضنني كأنني الابنة الضّالة العائدة من رحلة في البرّيّة.

لن أمتنع عن الكتابة لكوني أقرأ القليل، ولن أمتنع عن التعبير في السياسة لكوني أجهل التفاصيل.

في سيرورتي التي لا تزال في مهدها أبحث عن النقاط في بحور من الكلمات. أثور، أتمرّد وأعلن:

لستُ بـ إسرائيليّة، لست بـ فلسطينية! لست بـ إنسانة تحمل ما تفرضه عليها “القضيّة”.

لست إلا شابة لا تأسف على ما مضى وتشتاق.  تشتاق إلى تلك الأيّام…

 إلى تلك الأيّام الآتية التي تحمل لي معالم جديدة لهوية ضائعة منذ أيّام بعيدة.

 وأكتب لأكون- كنت فكانت.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>