في مديح التأمل/ رياض مصاروة

15 أبريل 2013
مشهد من "العاجزون" بصيغتها السورية

مشهد من “العاجزون” بصيغتها السورية

.

|رياض مصاروة|

رياض مصاروة- تصوير: قديتا

رياض مصاروة- تصوير: قديتا

هل أضعنا بوصلة التقييم وفقدنا الحسّوالإحساس تجاه ما يجري من حولنا هنا في فلسطين وهناك في سوريا الحضارية؟ الشام الذي حلمنا بأن نستنشق هواءها ونقترب -فقط نقترب- من جمال أنوثتها وأنثويتها؟

أفقت من نومي الهادئ في تلك الليلة مُبكرًا وإذ أجد على شاشة جوالي ستّ رسائل من المخرج السّوري مضر رمضان، الذي أخرج مسرحيّتي “العاجزون” في شهر أيار الماضي في خضمّ الحرب على سوريته، مع الممثلة الجميلة الرائعة ماريانا معلولي. وفي إحدى رسائله يسألني عن حالي وإذا كنت أنا بخير، لأنني منذ فترة لم أتواصل معه بواسطة الفيسبوك الذي كرهته بسبب تفاهة 99% من المعقّبين الذين لاهمّ لهم إلا أخبارهم التافهة ونرجسيتهم المتعالية على كل ما يحدث. إنتابني القرف وبدأت أتقيأ يوميًا وأصبت بفيروس الكراهية العمياء للتفاهة والتافهين.

مضر القابع تحت نيران الكراهية لكلّ ما هو حضاريّ وإنسانيّ؛ مضر بن حلب،شردت عائلته بعد أن دمّرها متأسلمو النصرة،يسألني عن حالي، أنا الرابض تحت رفاهية العنصرية والفاشية اليمينية في إسرائيل، الذي ينام هادئًا بعد أن لعب مع أحفاده الذين أضحكوه وقبلوه وركبوا على ظهره ظنًا منهم أنه حصان يستطيع أن يوصلهم إلى القمر والى الشمس دون أن تحرقهم.

كتبت لمضر: سامحني أيها الصديق، لقد أصابني اكتئاب الرفاهية في الفترة الأخيرة. اكتئاب المثقفين المخنثين الباحثين عن أخبارهم في الصحف وعن حجم حروف أسمائهم في العناوين، أولئك المثقفين الذين كلما “ضرطوا فصًّا” في قرية نائية يجلسون الليل كله كي ينقّحوا خبرًا عن إنجازاتهم الفكرية والأدبية ويقنعون أنفسهم بأنهم يضحون وبأنهم قيادة هذا الشعب القابع تحت جمر التفرقة العنصرية. آه لو عرف هذا الشعب مقدار عجزهم ومقدار استمنائهم “للخلق والإبداع” على كلّ أنواعه.

كتبت لمضر أيضًا: كلّ انتقاد للنظام السوري الآن مؤجّل. وأنا لم أكن من مناصري بشار الأسد ولا من مناصري أبيه حافظ، وتمنيت قبل دهر أن يذهب هذا النظام إلى الجحيم، نظام الشبيحة والاستبداد والقهر.

أصابتني نوبة من الضحك والسخرية من مفكرين عرب استأنسوا بجلساتهم مع بشار وجالوا في الشام وكتبوا المقالات الرافعة من شأنه، في حين تغاضوا عن الوطنيين القابعين في سجونه. واليوم بقدرة قادر يهاجمونه من بلد مُستبدّ، وليس بمقدورهم أن يهاجموا ذلك البلد الذي زجّ بشاعر للسّجن مدى الحياة بسبب قصيدة.

واليوم بالذات بعد أن كتبت لمضر فتحت صفحة “القدس العربي” لأقرا مقالا للروائي العربي اللبناني الياس خوري، الذي أراد أن يكرس مقاله لأحداث مصر وإذ به من دون أن يدري ينزلق إلى سوريا. أقسم بالعذراء أنني أفهم حقده وأفهم معاناته اللبنانية على نظام بشار الاستبداديّ، ولكنني لا أستطيع فهم عماه السياسيّ الآنيّ تجاه ما يحصل في سوريا. توقعت من هذا المثقف أن يجد التوازن وأن يكون باستطاعته قراءة الحدث السياسيّ التاريخيّ، ولكنه مثل صديقه المثقف الناقد صبحي حديدي المنفيّ المترفّه في باريس، أصيب بالعمى وأصيب بمرض الكراهية السوداء التي تعمي البصيرة.

أكرّر أنني لست من أنصار الديكتاتور طبيب العيون بشار الأسد؛ أنا من أنصار الأحرار مثل مضر رمضان المناهض لبشار الأسد ولكنه لم يفقد بوصلة التقييم مثل الياس خوري وصبحي حديدي. وأقول لحديدي: لم أجد أيّ معاناة شخصية في مقالاتك ولا معاناة تجاه أيّ قضية كتبت عنها.

وأقول لإلياس خوري: لا تعتقدن أنك دوستويفسكي العرب. أنا لا أثق بمعاناتك تجاهنا نحن الفلسطينيين، أنت كذبت علينا وكذبت على نفسك، أنت وصديقك صبحي تنتظران نتائج مأساة الشعب السوري لكي تحدّدان مرتبتكما المستقبلية. كنت أتوخى منكما بعض الصمت والتأمل. إصمتا لأسبوعين فقط، أو لأسبوع، فقط من أجل التأمل ولسماع وقراءة رأي الإسرائيليين ومعرفة رؤاهم ورؤيتهم. أوَلا تعرفان ما هو التأمل؟

يا إله الشياطين! ولا كلمة واحدة، ولا حرف واحد عن المتصهينيين العرب أمثال نبيل العربي أمين عام التفرقة العربية؟ ولا ذكر لبن جاسم القطري؟ (وها أنذا أخاطر بعدم حصولي على تأشيرة لقطر) ولا ذكر لبان كي مون المتأمرك؟ ولا ذكر لتمثال المعري الذي تتلمذتما على فلسفته وعلى ما يبدو أنكما تجاهلتما جدليته وديالكتيكه الحياتي ونسيتما وتجاهلتما ديالكتيك الجمالية. نعم يا الياس خوري ويا صبحي حديدي اللذين “درستما محمود درويش وكتبتما عنه”، للجمالية ديالكتيك ليس باستطاعتكما الولوج إليها بهذا الفكر “الوصولي”، وأقول لكما لو أنّ محمود حاضر بيننا لصدّكما وبعث بكما إلى جحيم العاجزين عن التوصّل إلى الحقائق، ولا أقول الحقيقة لأنكما عاجزان عن الوصول إليها. والمعروف أنّ من يتغاضى عن الحقائق ليس بمقدوره أن يستمتع بالوصول إلى الحقيقة، وأنتما “مثقفان” وأعرف أنكما تميّزان بين الحقائق والحقيقة. ولكن الحقيقة هنا بالذات تستأصل وعيكيْما المتراكميْن على أنقاض الوعي القومي التقليدي المتحجّر الذي أودى بنا إلى وعي “بوست قومي” يحاور البوست الغربي، ليولد وعيًا قوميًا حداثيًا يتغزل ويناجي الوعي الغربي دون أن تعيا كنه هذه المعضلة.

فليذهب بشار إلى جحيم أوقد ناره بيدي، ولكنهم يوقدون نارًا سأكون أنا وأنتما حطبها.

وأنت يا مضر أعرف أنك تكره المنظرين الذين ينتظرون أجرة مقالاتهم على حساب مأساتك ومأساة شعبك الذي لم تبدع الحياة أجمل منه ولم تبدع الشعوب  العربية أجمل من رغدة وسلاف فواخرجي وأروع من بسام كوسا وجمال سليمان ولا أقول أيمن زيدان. ولن أنسى الأسطورة السورية منى واصف ولا حاتم علي ولا ولا ولا ولا ولا…

وأخيرًا يا مضر! لا بدّ لنا في مأساتنا أن نبحث عن ضحية لآلهة لا نعرف كنهها، ولا نعرف مبتغاها، ولكننا نعرف ونعي عجزنا عن المعرفة. نحن نعرف يا مضر ولكننا لا نثق ببصيرتنا لأننا وثقنا بالبصر المعطى لنا ولكنه ليس بصرنا نحن إنما بصرهم هم.

0 تعليق على “في مديح التأمل/ رياض مصاروة”

أضف تعليق