حميمية

إنه المعجون الأخضر… معجون أبي. أذكر ذلك اليوم الذي حلقت فيه ذقني للمرة الأولى. كان أبي هناك ولم يكن. أذكر برودة المعجون التي محت دفء الماء

حميمية

intimicy

|تاج العريس|

أنهض من نوم لذيذ، أفعل كما تفعل نجمات السينما المصرية عند الاستيقاظ، أتحسس جانبي وأنا مغمض العينين وعندما لا أجده أفتح عيني بدهشة وأستطلع الفراش والغرفة، أضحك من نفسي لتمثيلي المبتذل فأعود لأتحسّس الدفء الذي خلفه في فراشي.

لا عبق لقهوة صباح في بيتي ولا فيروز تشدو ولا صوت للدوش في حمامي. أتكاسل وأستسلم للدفء والنعاس. أسمعه يُعدّ شيئًا ما بلطف، يُحرّك طاولة أو كرسيًا ويخشخش بأكياس. تمُر ثوانٍ تطول بفعل فضوليّ حتى يدخل عليّ بابتسامته الشقية ويشير: “قم من فراشك أيها الكسول”. أحبّ هذه الكلمة “كسول”؛ صرتُ أحبها أكثر: كسول… كسول… هناك خلل ما في لفظه للسّين… كسول كسول…

يقترب مني وقد تعمد الاكفهرار… يشدّني إليه. يشير إلى شيئي المنتصب. يهزّ رأسه وسبابته بنوع من اللوم والغضب. أخجل وأتحجج بمثانتي الممتلئة. يهدأ انتصابي الصباحي. يقف أمامي ماردًا يغلبني في طوله وثقته. تتطابق كفّانا تمامًا. نتأمّل معالم أصابعنا التي يغطيها الشعر. يطبع قبلة خفيفة على شفتي لم أعهدها من قبل. يُبقي على كفّ يده اليسرى مطابقة لكفّي ويرسل الأخرى إلى جيبه تبحبش عن شي ما. يُخرج قطعة قماش بيضاء… أرخي في شبه إغماضة كوابحي. أستسلم له للمرة الأولى بإقفال كامل لعيني. يعصبهما بلطف، يقودني إلى الغرفة الأخرى حيث يُجلسني على كرسي. أضحك. يقول: “اشششششش أصمت!” يجلس أمامي على كرسيه، يمسح وجهي الملتحي بمياه دافئة. أنتصب. أكاد أراه يبتسم. أخاف أن تلتهم نار شهوتي هذا الدفء العجيب، أخاف أن يستجيب لانتصابي فينتهي الحلم. أعمل جاهدًا لأستحضر ما من شأنه أن يطفئ شهوتي. أنجح.

أزداد استسلامًا وخضوعًا لحلاقي الغاضب الصامت. فرشاة الحلاقة تداعب وجهي المتورّد بالمعجون البارد. إنه المعجون الأخضر، معجون أبي. أذكر ذلك اليوم الذي حلقت فيه ذقني للمرة الأولى. كان أبي هناك ولم يكن. أذكر برودة المعجون التي محت دفء الماء. أذكر الخوف والخجل. أذكره جيدًا وأستسلم تمامًا لموس الحلاقة ولقبضته عند جبيني. أشتمّ ما في المعجون من رائحة وأشتاق اليه كثيرا. يُدميني بغير ألم. يُقَبِلُني نسيمًا. يمسح وجهي بمياه حارة. يرطبه بكولونيا حارقة. أتأوّه… يفك العصبة ليحررني. أراه أمامي شقيًا عذبًا. يلتقطني ويهمس في أذني أغنية أحبُها. أُحبُه فيتفتح حقلا من الزهور وتنطلق فراشات.

يدغدغ حلماتي بأنفه وينعمُ بالتيه شعر صدري الكثيف.

(يافا)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

6 تعقيبات

  1. رحلة الى عالم الابداع و الخيال بأسلوب ادبيّ فيه المزج بين الرقيّ و السلاسة فيا تاج العريس لا عجب ان تربّعت على عرش قلوب القرّاء، فهذا اقلّ ما تستحقّه لعمقك و صدقك في هذه الكتابات الرائعة و نحن بانتظار المزيد.

  2. مش معقووول.

  3. إنه المعجون الأخضر… معجون أبي. أذكر ذلك اليوم الذي حلقت فيه ذقني للمرة الأولى. كان أبي هناك ولم يكن. أذكر برودة المعجون التي محت دفء الماء

    احدى الجمل التي لن ننساها بسهولة دون ان نعرف السبب
    شكرا قديتا شكرا تاج العريس البراق

  4. كتابه رائعه بحسيتها! تبث في القاريء دفء حضن أو فراش.

    أما عن المعجون الأخضر, فأنا على أتم يقين أن لعلماء النفس ما يقال في ذلك :-)

  5. “تاج العريس” اسم سيعلق في ذهني طويلاً.. إلى أن ينسيني إياه اسمك الحقيقي عندما ستوقع به كتاباتك :) هذا نصك الثاني بعد نص المنشية الذي تربع على عرش النص الأكثر قراءة في هذا الموقع حتى وقت قريب! لديك أسلوب مشوق ولديك كذلك مخزون لغوي ممتاز تستطيع من خلاله انتقاء التعابير الأنسب لوصف ما تريد، وفي ذلك فنيّة عالية. هناك ملاحظة واحدة وهي أن في بعض المواضع تثقل النص بجمل قصيرة فيصبح متقطعًا زيادة عن اللزوم بغير داعِ.. يمكنك تجنب هذا الإكثار لتزيد من سلاسة القراءة وانسيابية المشاعر.
    النص رائع، أحييك وأفخر بك وبكل قلم موشح بالألوان، فهذه الأقلام إنما هي تغرز في قلب الظلامية وتدفع بحركتنا التحررية قدمًا، وأنا أؤمن بقوة الأدب في التغيير، فهيا لنسخره لنضالنا المثلي.

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>