أم كلثوم على النت «ثومة» أخرى تواجه الأسطورة/ سيد محمود

أم كلثوم على النت «ثومة» أخرى تواجه الأسطورة/ سيد محمود

في اكتشاف أم كلثوم على الشبكة العنكبوتية، لا مكان للرواية الرسمية التي تتحدث عن أسطورة. بفضل يوتيوب والانترنت، هناك «ثومة» أخرى تواجه الأسطورة وتنزع عنها قناعها وتعيدها إنسانة محملة بالضعف النبيل، ذلك الضعف الذي يمنحها البهاء ويجعلها لا تنتهي.

kalthoum

| سيد محمود |

في عام 1969، وضع الصحافي المصري الراحل محمود عوض كتاباً عن أم كلثوم بعنوان «أم كلثوم التي لا يعرفها أحد». كان العنوان صحافياً، راهن على فكرة الاثارة، لكنّه مع ذلك قدم رؤية جديدة لـ«ثومة» ونجح مؤلفه في رهانه على الانساني في أم كلثوم أكثر من الرهان على فكرة «الأسطورة» التي كرّستها كتابات عديدة. ثم جاء حازم صاغية بكتابه الاشكالي «الهوى دون أهله» (دار الجديد ــ 1990) وكسرها تماماً، ساعياً الى أن يزيد من الانساني فيها ويضعه تحت الفحص حتى لو بصورة تعسفية اعتمد فيها على مصدر وحيد هو كتاب وضعته نعمات فؤاد عن سيرة ثومة بعنوان «عصر من الفن» اختزل في صوتها عصراً كاملاً.

والسؤال: كيف تُسمع أم كلثوم اليوم وبطرق تسمح بتمدد الأسطورة وعبورها في الزمن وليس انزياحها؟
الاجابة عن مثل هذا السؤال لا يمكن أن تتفادى عملية تسليع أم كلثوم والاصرار على تحويل صورتها الى كليشيه أو «أيقونة». وهو سعي يتبدى بوضوح في فن التصوير الزيتي. بعد العديد من اللوحات التي وقّعها الفنان المصري الأرمني شانت افيديسيان، تحول الاشتغال على «ثومة» في الأجيال التالية له الى وسيلة للتربح عبر «تثبيت الصورة» وتحويلها الى علامة على زمن يوصف بأنّه «زمن الفن الجميل» رغم أنّ مسار الاحداث السياسية لا يسمح بالقراءة نفسها، فالزمن ذاته لدى الجيل الذي يعيد اكتشاف أم كلثوم هو زمن للخيبة والانتكاسات.
المدهش هنا أنّ التقنيات والوسائط التكنولوجية والانترنت بشكل خاص أتاحت العديد من الفرص لاستعادة أم كلثوم خارج الرواية الرسمية التي خلقتها تسجيلات حفلاتها الشهيرة. غالبية هذه التسجيلات التي تذاع باستمرار على «روتانا كلاسيك» تفيض في تأكيد فكرة الثبات وجلال اسطورة المرأة القوية المنضبطة في حين أنّ ما يتيحه يوتيوب من تسجيلات على صفحة «سلطنة كلثومية» مثلاً أو في اذاعات الانترنت التي يؤسسها هواة التسجيلات، يكشف عن وجوه أخرى مشبّعة بالتنوع تسمح بما يمكن تسميته اعادة اكتشاف «ثومة» أخرى تواجه الصنمية ويقدم رسماً بيانياً واضحاً لمسار زحفها المنظم للاستيلاء على مخيلة أجيال كاملة.
مثلاً، في اذاعة «مصر فون» المؤسسة حديثاً على الانترنت، فرص لاكتشاف مساهمات أم كلثوم في أغنيات العوالم ومقاهي القاهرة التي سادت في عشرينيات القرن الماضي وهو نمط من الغناء الشعبي ساهمت هي ذاتها في تهميشه وحصاره بعدما وضعت نفسها في مسار آخر. ورغم سعي أم كلثوم إلى طمس هذه الأغنيات، إلا أنّ واحدة من المفاجآت الدالة أنّ الكثير من أغنياتها في تلك الفترة وتحديداً «الخلاعة مذهبي» كانت من تأليف الشيخ يونس القاضي مؤلف النشيد الوطني المصري. اكتشاف هذا الماضي الكلثومي أمام الأجيال الجديدة من المستمعين جعلهم أكثر تفاعلاً معها كما يتجلى ذلك في تركيب أغانيها على موسيقى المهرجانات «الشعبية» التي يقدمها أوكا وأورتيجا. وفي صفحة «سلطنة كلثومية» حيث تسجيلات نادرة لاغنيات مثل «أنساك» أو «جددت حبك» أو «ليلة حب» و«بعيد عنك» في حفلات أقيمت في تونس والمغرب وسوريا والكويت، نلمس ذلك الضعف والانكسار الجميل. في اكتشاف أم كلثوم على الشبكة العنكبوتية، لا مكان للرواية الرسمية التي تتحدث عن أسطورة. بفضل يوتيوب والانترنت، هناك «ثومة» أخرى تواجه الأسطورة وتنزع عنها قناعها وتعيدها إنسانة محملة بالضعف النبيل، ذلك الضعف الذي يمنحها البهاء ويجعلها لا تنتهي.

عن صحيفة “الأخبار اللبنانية” 

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>