ضحكٌ على ذُقون القتَلة/ طه محمد علي

 

>

|طه محمد علي|

.

ضحك على ذقون القتلة

قاسم!

تُرى..

أين أنت؟

أنا لم أنسَكَ

خلال هذه السنين

الطويلة

كأسوارِ المقابر..

دائمًا

أسأل عنكَ العشبَ

وأكوامَ التراب

أأنت حيٌّ

بعكازٍ وهيئةٍ وذكريات؟

وهل تزوجتَ

ولك خيمةٌ وأولاد؟

هل حججتَ؟   

أم قتلوكَ على مداخل تلال الصفيح؟

أم أنك يا قاسم

لم تكبُرْ

واختبأتَ عند العاشرة؟

فلما تزل

قاسم الصبيَ:

الذي يركض ويضحك

ويقفز عن السناسل

يحبُّ اللوزَ

ويبحث عن عشاش العصافير؟

حتى إن كانوا يا قاسم

قد “فعلوها”

وقتلوكَ..

فيَقيني أنكّ “ضحكتَ” على قاتليك

كما “ضحكت” على السنين!

فهم بالتأكيد

لم يجدوا جثتكَ

على كَتِفِ الطريق

لم يعثروا عليها

لا في مصبات الأنهرِ

ولا على الرفوف!

لا على طريق الحجّ

ولا تحت الأنقاض!

ولأن أحدًا

لم يرَك

وأنت تخفي جثمانكَ

فما من أنسيّ

سيعثرُ عليكَ..

ما من جهةٍ

ستقع على عظمةٍ منكَ

أو إبهام يخصكَ

أو فردة حذاءٍ بقياس قدمكَ

“لقد ضلّلتهم يا قاسم”!

لقد حسدتكَ دائمًا

يا قاسم

على حسن اختبائكَ

في “الغُمَيضة”

التي طالما لعبناها

حُفاةً في الأمسيات

ونحن أطفال

قبل أربعين سنة..

.

فلاح

فلاح..

إبن فلاح

بي سذاجة الأم

ولي مِكْرُ

بائع سمك

لا أوقِفُ الجَرْشَ

وفي حلقِ جاروشتي

قبضةُ حبّ

ولا أكفّ عن الحَرْثِ

ما بقي في خُرجي

من بِذاري

ملءُ كَفّ!

.

جوعٌ وجوع

جوعُ الأغنياء

كعضّةِ الجروِ الأليف

يعضُّ بشفتيهِ

للمُداعبة..

والفقراءُ جوعُهم

أنيابُ نمورٍ كاسرة

تنهشُ نُخاعَ العظمْ!

.

إضافة

ما رأيته مرقومًا على شاهدي

في باحةِ أحدِ كوابيسي:

“هنا يرقدُ امرؤٌ

حاول عبثًا

أن يضيفَ خيط َ شعاعٍ

إلى الشمس!”

.

أماليد

-1-

لا الموسيقى

ولا الشهرةُ والثروةُ

ولا حتى الشعرُ نفسُهُ

بِمُستطيعٍ أن يعزّيني

عن قِصَرِ عُمرِ الإنسان

وعن أن “الملك لير”

ثمانون صفحة (وتنتهي)

وعن محضِ التصوّر:

أن المرْءَ قد يُرْزَأُ

بإبنٍ عاقْ!

.

-2-

هُناكَ..

خلف مزارع الفولاذ

حيث البحرُ

يمضغُ ابنهُ البكرَ

كل محاقٍ

يعسكرُ أحيانًا

صليبيّون أغبياء

يتناقصون!

.

-3-

حبّي لكِ

هو العظيمُ

أما أنا وأنتِ والآخرون

فأغلبُ الظنّ أننا أناسٌ عاديّونْ!

.

-4-

قصيدتي

خارج الشعر

لأنك خارج النساء!

.

-5-

وهكذا..

استغرقتُ

الستّينَ سنةً كاملةْ

حتى أدركتُ:

أن الماءَ ألذُّ الأشرِبةْ

وأن الخبزَ من الأطعِمَةِ أشهاها

وأن لا قيمةَ حقيقية لأي فنٍ

إلا إذا أدخلَ البهجةَ

إلى قلبِ الإنسان!

.

-6-

بعد أن أموتْ

ويُسدلٌ القلبُ المُتعبُ

أجفانَه الأخيرة

على كل ما فعلناه

على كل ما تمنّيناه

وعلى كل ما حلمنا به..

تشوّقنا إليه

أو أحسسناه-

ستكون الكراهيةُ

أوّلَ ما يتعفّنُ

فينا!

.

“وتلك صفّورية قبل أن يغادرها النواح”/ أسماء عزايزة

قبل ثلاث سنوات، خرج الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 48 في مسيرتهم السنوية في ذكرى النكبة، مشاة إلى قرية صفورية المهجرة. هذه القرية التي لم يتبق منها سوى نبع صغير وأكوام من حجارة بيوتها المهدمة، وغطتها الأشجار الحرجية وبلدة “تسيبوري” الإسرائيلية، وجد فيها الفلسطينيون عام 2008 مساحةً صغيرة لكي يحييوا ذكرى النكبة، أو، هو طقس يشبه “العودة”. “عاد” كثيرون تحت هذا الشعار/ الاستعارة، إلا أن ابنها، “الولد الحافي”، الشاعر طه محمد علي، ظل يصارع الهرم والمرض في بيته، ولم يتمكن حتى من الحضور والجلوس على المنصة لإلقاء قصيدة على أرض قريته المهجرة.

ثمة شعراء “لاجئون” عاشوا النكبة والتهجير وكتبوا ما ظلّ فيهم من قراهم المهجرة أو ما صنعته مخيلتهم عنها؛ فتراوح شعرهم بين سرد الرواية/ الذاكرة الفعلية وبين الاستعانة بالمخيلة لإكمال مشهد شخصيّ وضبابيّ منقوص، لدى أولئك الذين هُجروا من قراهم أطفالاً. طه محمد علي هُجر من قرية صفورية وقد قارب على العشرين عامًا من العمر، حاملا ذاكرةً حافلة بالتفاصيل والأصوات والمشاهد، ولكنها في ذات الوقت محفوفة بالحزن والفقد والغضب. وليس هنالك من شك بأنه وظّف هذه الذاكرة الناضجة توظيفًا “صوريًا” و”موضوعيًا” في كتابته. يضاف إلى هذا الحظ/ القدر موهبة فذّة في نظرته إلى الشعر وصياغة القصيدة، وذكاء فتيّ في انفتاح الأخيرة على شكل ولغة حديثة وبسيطة وغير متكلّفة؛ هي لغة حياته اليومية.

إن هذا ما يجعل وضع الشاعر على لائحة أهم شعراء القرن العشرين في موسوعات الشعر الحديث ليس بالشيء المفاجئ. والمفارقة الملحوظة بين تميزه والشهرة التي حظي بها تُعزى إلى نشره المتأخر والمنحصر في فلسطين؛ في مدن كحيفا وأم الفحم وغيرها، وبهذا كان معروفًا على نطاق ضيق في العالم العربي. ولكن هذه “الشهرة” المنقوصة لم يسببها النشر أو التوزيع ضيق النطاق فحسب، إنما انشغال الشاعر بنفسه وصوته، وبغرفة مكتبته المغبرَّة التي لم يطأها منذ وقت طويل بسبب مرضه وهرمه. وقد يكون الإنشغال الأكبر، والذي لم ينقطع حتى بانقطاعه عن الكتابة والقراءة، هو من نصيب “صفورية”- قريته المهجرة. هذا ما كان واضحًا لزائريه في الأشهر الأخيرة، أولئك الذين لم يسمع حديثهم ولم ينبس أمامهم بكلمة إلا حين جاءوا على ذكر قريته، خارجًا من غيبوبته، ناهضًا من غرقه بأسئلة الحياة والموت، قائلاً: “مالها صفورية؟” الآن، وبعد أن فارق حياته وقريته وشعره وهواجسه؛ سيظل حلم العودة إلى القرية حيّا في أبنائها الأحياء، ولكن من سيسأل، غيره، غير “نوَاح” صفورية، سؤال الولد عن فناء البيت والجارة وسؤال الفلاح عن البيادر والشمس في قصيدةٍ حديثه وينقلها إلى العالم؟