“أمستردام” عاصمة السينما المصريّة المستقلّة

تجارب مميّزة لهشام عيساوي وداود عبد السيد ومحمد دياب ومحمد أمين وأحمد عبد الله، أنتجت قبل الثورة، ووضعت يدها على جراح المجتمع المصري. الحبّ الممنوع بين مسلم ومسيحية، المرأة في مواجهة نظام ذكوري، وشخصيّات مسحوقة، تعاني الغربة وضيق الأفق وتحلم بـ”الهروب من الجحيم”…

“أمستردام” عاصمة السينما المصريّة المستقلّة

مشهد من "678" للمخرج محمد دياب

|محمد خير|

لدى البحث عن المشترك بين الأفلام الخمسة التي تمثّل مصر في “مهرجان السينما العربية” في أمستردام، نضع يدنا بسرعة على قضية الاغتراب. هناك من يحاولون الهروب من زحام العنف والتحرش والقيم الاستهلاكية. يهرب هؤلاء إلى سبيل ليس واضحاً بالضرورة. بالتالي، ليس مستغرباً أنّ النهايات المفتوحة هي السمة المميّزة لكلّ من “الخروج من القاهرة” (هشام عيساوي)، و”رسائل البحر” (داود عبد السيّد)، و”678″ (محمد دياب)، و”بنتين من مصر” (محمد أمين)، و”ميكروفون” (أحمد عبد الله)، وهي الأفلام التي تجعل مصر ضيفاً خاصاً على المهرجان الهولندي الذي يستمرّ حتى 8 حزيران (يونيو) المقبل.

“الخروج من القاهرة” افتتح المهرجان. ربّما لكونه الشريط الوحيد الذي لم يعرض تجارياً في بلاده. لم تكن العوائق المادية المعهودة للسينما المستقلة فقط ما واجه المخرج هشام عيساوي، بل الضغوط الرقابية التي اعترضت على موضوع الفيلم: قصة حب بين مسلم ومسيحية! حبّ كهذا كان ليشعل الاحتقانات الطائفية في مصر قبل الثورة، لكن للأسف بعدها أيضاً. وكما يرفضه ما يفترض أنّه “المجتمع الأهلي”، رفضته الرقابة، ما اضطر عيساوي الذي يحمل الجنسية الأميركية إلى التصوير من دون تصاريح. وقد ساعدته التكنولوجيا، كما ساعدت غيره من السينمائيين المستقلّين في مصر. الكاميرات الديجيتال الصغيرة لا تتميز فقط بانخفاض كلفتها، بل بإمكان إخفائها بعيداً عن أعين الرقابة، خصوصاً إذا كان التصوير في أماكن واقعية بعيداً عن البلاتوه الرسمي. حسب السيناريو: يحبّ المسلم (محمد رمضان) القبطية ذات الثمانية عشر ربيعاً (ميريهان). وسرعان ما يتكوّن جنين في بطن الفتاة. ولأنّ الزواج مستحيل، يخيّر الشاب حبيبته بين الإجهاض أو “الخروج من القاهرة” باتجاه أوروبا بطريقة غير شرعية… لكن الفتاة ترفض الخيارين، فأي مصير تواجه؟

في “678″، يتسع الرفض من فتاة واحدة إلى ثلاث قررن مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي في مجتمع يتجاهل المشكلة، ويضع الخطأ على كاهل الأنثى. تقرر الزوجة الفقيرة فايزة (بشرى) مواجهة العنف الجنسي بعنف السلاح، فتطعن كل من يتحرش بها في حافلات القاهرة المزدحمة وتفر هاربة. تلتقي لاحقاً بامرأتين من طبقتين أعلى اجتماعياً: صبا (نيللي كريم) التي تواجه تحرشاً جماعياً من مشجعي كرة قدم، ونيللي (ناهد السباعي) التي ترفع أول دعوى قضائية ضد التحرش الجنسي في مصر (يستلهم الفيلم واقعة حقيقية عرفت بـ “قضية نهى رشدي”). الشريط الذي كتبه وأخرجه محمد دياب ينسج بمهارة بين خيوط الدراما الاجتماعية والإيقاع الحركي. أما داليا (صبا مبارك) وحنان (زينة)، فهما “بنتين من مصر” تعانيان اغتراباً من نوع آخر. يناقش شريط محمد أمين إشكالية تأخر سنّ الزواج. من خلال عيون “البنتين”، نتعرف إلى نماذج متنوعة للرجل الشرقي. تارة يعاني حالة الشك الدائم في النساء ويبحث عن شابة صغيرة بلا ماض، وطوراً يواجه مشكلات مالية تدفعه إلى الهجرة هرباً من التزاماته وديونه. ثم فجأة هو “لا منتم”، ومنعزل، يكره المجتمع ولا يريد ارتباطاً من أي نوع. هذا الشريط من الكوميديا السوداء، يتناول مشكلات الكبت الجنسي وغياب الثقة في المجتمعات المغلقة. وقد لفتت زينة الأنظار من خلال أدائها المميّز الذي كشف عن إمكانات لم تظهر في أفلامها السابقة.

الفيلم المصري الرابع هو الأكثر ثقلاً بالمعيار النقدي. إنّه “رسائل البحر” الذي أعاد داود عبد السيّد إلى السينما بعد غياب تسع سنوات. يكاد يكون بطله يحيى (آسر ياسين) الأشد اغتراباً. هو الطبيب الذي لم يتحمل سخرية زملائه منه بسبب معاناته من”التأتأة”، فيجمع ملابسه ومشاعره الانعزالية هاجراً حياته المهنية كلها، وعائداً إلى جنة طفولته في الإسكندرية. هناك في بيت العائلة القديم، يتحوّل إلى صياد للسمك. يبني داود عبد السيّد مدينة شبه متخيلة عمادها العزلة والبحر والمطر، وموسيقى ليلية غامضة يتتبعها يحيى حتى تلقي به في مصير آخر. مصير ربما تفسره الرسالة التي عثر عليها داخل زجاجة ألقت بها الأمواج بين يديه. في رحلته لتفسير الرسالة، يلتقي نورا (بسمة). تبدو المرأة الجميلة كحلم أو كجائزة، لكن الحياة الهادئة التي عثر عليها في منفاه الاختياري يعكّرها العنف والبوليس والتجّار. في قارب صغير وسط البحر، ينتهي الفيلم بالطبيب والمرأة الهاربين من حياتهما يتطلعان إلى أفق غامض، فيما يلاحق “ميكروفون” فرق الموسيقى البديلة في الاسكندرية.

تختلف قصص الأفلام المشاركة في أمستردام. مع ذلك، يجمعها ما هو أكثر من غربة أبطالها. اللافت أنّ الأفلام الخمسة تنتمي إلى سينما المؤلف، عانى معظمها مشكلات التمويل والرقابة والتوزيع. لولا منحة وزارة الثقافة، لما كان فيلم عبد السيّد ليرى النور. أما “678″ فشاركت في إنتاجه إحدى بطلاته بشرى، علماً بأن محمد دياب يملك شركته الخاصة التي أسهمت في الإنتاج المستقل لأفلام مثل “ميكروفون”، وأنتج السينمائي شريف مندور فيلم هشام عيساوي “الخروج من القاهرة”، بينما تكفلت “الشركة العربية” بإنتاج وتوزيع فيلم محمد أمين “بنتين من مصر”.


برنامج منوّع لمواكبة الثورات العربيّة

|محمد الأمين|

“مهرجان السينما العربية” خصّ دورته الرابعة لأفلام تقدم للجمهور الهولندي فرصة تكوين صورة عن الربيع العربي من منظور سينمائي، والاطلاع على صراع المجتمعات العربية مع المحظورات السياسية والاجتماعية. إذ يقدّم المهرجان 27 شريطاً روائياً ووثائقياً عربياً من آخر نتاجات السينما العربية. أما مدير المهرجان المصري عادل سالم، فيتوقّع أن يشهد الفنّ السابع في هذه المنطقة “تحولاً كبيراً إذا تمكّنت تلك الثورات من إلغاء جهاز الرقابة”.

فيلم الافتتاح “الخروج من القاهرة” الذي حضره جمهور غفير يضع اليد على جرح ملازم للمجتمعات العربية، هو الطائفية حتى في البلدان التي شهدت انتصار الثورات الشعبية على الأنظمة القمعية. أما في وثائقي “صداع”، فيعرض رائد أنضوني معاناة الفلسطينيين جراء الاحتلال الذي يحكم الخناق على شعب كامل، بدعم من العالم الحرّ. أما الأردني محمد الحشكي صاحب “مدن ترانزيت”، فيتناول ـمن وجهة نظر فتاة عائدة إلى وطنها بعد إقامة مديدة في أوروباـ الخليط غير المتجانس بين فئات تتطلع إلى الحداثة وأخرى في منتهى التزمت.

المشاركة العراقية تتمثّل في الشريط الوثائقي “العراق: حرب، حب، رب، وجنون” لمحمد الدراجي، وفيلمين كرديين حصلا على دعم المؤسسات الرسمية في إقليم كردستان. في “أزهار كركوك”، يصوّر فريبز كامكاري قصة حب بين فتاة عربية وشاب كردي على خلفيّة الممارسات القمعية في عراق الثمانينيات.

حقبة الثمانينات تمثّل أيضاً محور “كويستانى قنديل” للمخرج طه كريمي. الفيلمان يجسّدان سياسة السلطات في إقليم كردستان التي تقضي بدعم السينما التي تتجنب تناول فترة التسعينيات وما بعدها. يومها، اتجه الحزبان الكرديان الحاكمان في الإقليم إلى محاكاة الممارسات القمعية لنظام صدام حسين. هذا ما يشير إليه ناشطون أكراد، شددوا على ضرورة نشوء جيل سينمائي كردي جديد مستقل، يقدم رؤيته للأحداث الأخيرة في محافظات إقليم كردستان حيث نزل الأكراد إلى الشارع للتعبير عن رفضهم للسلطات التي تحكمهم.

من لبنان، يشارك محمد قعبور بـ”تيتا ألف مرة”. ينظر السينمائي الشاب إلى المدينة الزائلة (بيروت)، بعيني امرأة مسنّة تستعيد علاقتها بزوجها المتوفى. رغم رؤيته المرهفة، يعاني الفيلم ضعفاً فنّياً وتقنياً، يجعله أقرب الى سينما الهواة، على خلاف المشاركة اللبنانية الأخرى. في “شيوعيين كنا” لجأ ماهر أبي سمرا إلى أسلوب فنّي ناضج ومبتكر، لإعادة فتح جراح الذاكرة الجماعيّة في بلده. بين نهاية الحلم الشيوعي، وعودة الطوائف، والتدخّل السوري لنقل المقاومة من القوى العلمانيّة الوطنيّة إلى يد حزب الله.

(عن “الأخبار”)

 


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This