الرجاء التدخّل في أمورنا الشخصيّة!/ علاء حليحل

5 يناير 2017
مقطع من "أمور شخصية"

مقطع من “أمور شخصية”

.

|علاء حليحل|

ala-newهل يمكن لفيلم أو مسرحية أو رواية فلسطينيّة أن تروي قصة شخصية خالصة لفلسطيني من دون علاقة بالقضية والسياسة والذاكرة؟ البعض يرى أنّ هذا غير ممكن والبعض حاول فعل ذلك: فيلم “تناثر” لتوفيق أبو وائل،على سبيل المثال، الذي يروي قصة زوجين يعيشان أزمة كبرى تهدّد زواجهما وحبّهما. تجري أحداث هذه القصة الشخصية الحميمة في القدس، مدينة الصراع بأل التعريف. في فيلمها الروائيّ الجديد والأول، “أمور شخصيّة”، تطرح مها الحاج- أبو العسل محاولة أخرى لسرد قصص “صغيرة” وشخصيّة لأفراد عائلة واحدة تَوزّع أفرادها بين الناصرة ورام الله والسويد. ميكرو-كوزموس للشتات الفلسطينيّ، لكنه يبدو في هذه القصّة شتاتًا طوعيًّا وليس قسريًا: أبناء هذه العائلة هربوا من الناصرة إلى رام الله والسويد لا بفعل تهديد الطائرات الإسرائيليّة والطرد الجمعيّ كما حدث في عام النكبة، بل هرب الأبناء الثلاثة من بيت العائلة هربًا من الوالدين.

أنا أحبّ هذه المحاولات، بغضّ النظر عن نجاحها أو عدمه، لأنها تساهم في إعادة الاعتبار للشخصيّ والذاتيّ اللذيْن لا غنًى عنهما حتى في خضمّ المعارك والمآسي الوطنيّة الكبرى. الذاتي والشخصيّ ضروريان مثل الهواء والماء لبناء جَمْعٍ متماسكٍ وصحيٍّ. حين يتحوّل الفلسطينيّ إلى شهيد أو مشروع شهيد، فقط، وخصوصًا في الإبداعات الفلسطينيّة، يموت الفلسطينيّ الإنسان أو ينزوي في الظلام وحيدًا ومحبطًا. لكنني أعتقد أنّ هذه المحاولات ستظلّ سيزيفيّة (في المدى المنظور على الأقل) بلا أيّ أمل بالفكاك من “الصراع”: كلّ قصة شخصيّة وذاتيّة لكلّ فلسطينيّ هي جزء من الرواية الكبيرة والعامّة لنا كشعب.

يتميّز “أمور شخصيّة” بعدّة ميزات فنيّة ومضمونيّة بارزة، فيما يعاني بعض العوارض السلبيّة التي أضعفت في المحصلة من الناتج النهائيّ، رُغم أنّ الشريط يظلّ متميّزًا ولافتًا للنظر. من أهمّ مميزات الفيلم وأكثرها حضورًا قدرة المخرجة ونجاحها في بناء تراكميّة مَشهديّة قائمة على كتابة “نحيفة” ورشيقة، وعلى تمثيل “مينوريّ” (Minor) من دون مبالغات أو لحظات دراميّة كبرى، جاعلة من العاديّ والمبتذل (The Banal)، مادة عمل ممتازة تجاوز العاديّ واليوميّ لتصنع مقولة فنيّة واجتماعيّة أكبر من مكوّناتها. مثال كبير وبارز على مقولة “الكلّ الأكبر من مجموع أجزائه”. كي يحدث ذلك ثمة حاجة كبيرة وماسّة لنضج ووعي فنيّيْن ووضوح في الرؤيا المنشودة في العمل، وهذا تحقّق لدى الحاج وبشكل بارز، ولذا فإنّ فيلمها الطويل الأول يبشر بالضرورة بإنجازات سينمائية مقبلة.

في مقابل ذلك، وفي ضمن هذا الجهد الفني الملحوظ والناجح في تشخيص وتكثيف “العدم” الذي تعانيه الشخصيات، وقعت المخرجة أحيانًا في فخّ الإعجاب الزائد بجماليات مشتهاة لبراويز (فريمات) فنيّة كان من المفروض أن تبدو كلوحات مستقلة، وكانت النتيجة فقدان السيطرة لبعض الوقت على الرؤيا الفنيّة أو الوجهة الصحيحة المفترضة لتوليف (مونتاج) مثل هذا النوع من السينما.

ويتميّز الفيلم أيضًا بجوانب إيجابيّة بارزة في السيناريو، برزت نوعيتها الكتابية في مقابل مشاهد مكتوبة بعناية أقلّ منتجة نوعًا من التفاوت في مستوى السرد والتطوّر الدراميّ. يندرج سيناريو “أمور شخصيّة” ضمن ما دُرج على تسميته بـ Mini Plots، وهي الأفلام التي لا تحوي شخصيّة مركزيّة واحدة، بل تعتمد على قصص لعدّة شخصيّات تتطوّر معظمها بنفس الأهميّة. يمكنكم أن تتخيّلوا جذع شجرة تتفرع منه غصون متعدّدة كمثال على حبكة رئيسة ترافقها حبكات ثانويّة، مقابل شجيرة تحوي عدة أغصان متساوية في الثخن والطول ترتفع عن الأرض بنفس المقدار تقريبًا. هذا النوع من الكتابة يتطلّب قدرة استثنائية في الكتابة والإخراج خصوصًا، لأنّ الفيلم لا يعتمد في هذه الحالة على قدرات ممثل(ة) واحد(ة) بالأساس، “البطل/ة”، بل يعتمد أكثر ما يعتمد على قدرة الكاتب والمخرج على نسج حبكة تتقاطع خيوطها بشكل مستمرّ ودائم ساعية بمثابرة وثبات نحو خلق عالم متخيّل غنيّ بالتفاصيل واللحظات “الصغيرة” لكلّ شخصيّة، تُنشئ معًا ما بدأت بالحديث عنه: “الكلّ الأكبر من مجموع أجزائه”.

المخرجة مها حاج

المخرجة مها الحاج- أبو العسل

في هذا السياق نجحت الحاج ببناء عالم عائليّ متشابك ومتداخل وثريّ، منتجًا جانبًا كوميديًّا أسودَ جعل من القصص الصغيرة أمثولة (أليغوريا) كبيرة وساطعة تقول عن الفلسطينيين اليوم ما يمكن أن تقوله عن وضعهم العدميّ والمسدود والذي بلا أفق.

في فيلم كهذا يسعى ويعتمد على التميّز الفنيّ وعلى رؤيا غير اعتياديّة وتجاريّة، تعود الهفوات أو الجوانب التي لم تنجح بضرر أكبر ممّا قد تلحقه بفيلم تجاريّ أو برؤية فنية أكثر تواضعًا. زدْ على ذلك أنّ الرؤيا الفنيّة والجماليّة التي طرحتها الحاج تشابه كثيرًا وتمشي في أثر السينما التي ينجزها الفلسطينيّ أيلي سليمان، وهي بهذا تفتح المجال على تجارب وإسهامات متعدّدة تصبّ كلها في فحص أبجديّات وتفاصيل الجماليّات السينمائيّة الفلسطينيّة الآخذة في التشكّل.

يرصد الفيلم قصصًا لثلاثة أجيال: الجدّة (جيهان ميرملكونيان) التي تعاني الخرف وفقدان الذاكرة؛ الأب والأم (سناء ومحمود شواهدة) اللذان يعيشان في الناصرة حياة مملة وعدميّة بلا أيّ أفق منظور؛ الابن طارق (دريد لداوي) الذي يعيش في رام الله ويعمل مخرجًا مسرحيًا ومتشبث بعزوبيته، رغم وقوعه التدريجي في حبّ ميساء (ميساء عبد الهادي)؛ وفي رام الله أيضاً تعيش الابنة سمر الحامل (حنان حلو) وزوجها جورج الميكانيكي (عامر حليحل) الذي تصادفه فرصة للعمل كممثل، فيما يعيش الابن الثالث (زياد بكري) في السويد وحيدًا. شخصية ميساء هي أبرز شخصيّة من خارج العائلة، ولذلك كانت في المحصّلة الأكثر تحرّرًا من قيود الضغط العائليّ، من حيث تطوّر قصتها مع طارق ومقطع التانغو في غرفة التحقيق، وقدرة الممثلة ميساء عبد الهادي على دمج حضورها اللافت، مع أداء متميّز يبرز التناقضات التي نعيشها في علاقتنا مع “فلسطين”: علاقة جذب وتنافر وحبّ وكراهية ووصال وجفاء، تمامًا كما انبنت علاقتها مع طارق.

رُغمًا عن قناعتي بأنّ محاولات رواية قصة شخصية لفلسطينيّ تكون منزوعة من السياق السياسي العام ستظلّ محكومة بالفشل سلفًا، إلّا أنّها محاولات مشرّفة وجميلة وباعثة على التفكير والتأمّل، تمامًا كما يليق بأيّ شخض يحبّ الحياة أن يفعل. تمامًا كما حاولت سهى عرّاف أن تفعل في فيلمها المتين واللافت، “فيلا توما”.

في نهاية الفيلم، تجلس نبيلة وزوجها على دكة خشبية قرب بحيرة رعوية في السويد، ويتفقان على الطلاق عند العودة إلى الناصرة. وللمرة الأولى والوحيدة في الفيلم يبتسمان بفرح كبير. يجب علينا أن نتطلق أحيانًا كي نكتشف الواحد الآخرَ، وهذه مقولة تنطبق على الحياة الشخصيّة وعلى البُعد الوطنيّ والسياسيّ أيضًا.

 _____________________

“أمور شخصيّة” ● إخراج: مها حاج ● إنتاج: باهر إغبارية ● منتج شريك: إيهاب أبو العسل ومنذر حاج ● منتجة منفذة: لورا حوا ● تمثيل: ميساء عبد الهادي، دريد لداوي، عامر حليحل، حنان حلو، زياد بكري، سناء شواهدة، محمود شواهدة وجيهان ميرملكونيان ● مدير تصوير: إلعاد ديبي ● موسيقى: حبيب شحادة حنّا ● مكياج: رشا سليمان ● مصمم ملابس: حمادة عطا الله

0 تعليق على “الرجاء التدخّل في أمورنا الشخصيّة!/ علاء حليحل”

أضف تعليق