أوروبا من استطاع إليها سبيلا/ علاء أبو دياب

فإن أقبلت (الفيزا) بعد موعدها… فانتظرها

أوروبا من استطاع إليها سبيلا/ علاء أبو دياب


الألماني العنيد أمام النصب الفلسطيني الذي أقامه

الألماني العنيد أمام النصب الفلسطيني الذي أقامه


|علاء أبو دياب|

“فإن أقبلت (الفيزا) بعد موعدها…

فانتظرها”

هاي القصيدة كتبها محمود درويش عشاني وأنا بستنى اليوم اللي رح تطلعلي فيه فيزا عشان يتحقق حلمي بزيارة الشقيقة أوروبا، وبعد ما مضى من عمري 28 سنة أقبلت الفيزا، لو تشوفوا فرحتي بهداك اليوم، فرحة لا تتلاءم ومرور 62 سنة على إعلان جنيف لحقوق الإنسان –أول مرة بنتبه إنو إعلان جنيف لحقوق الأنسان والنكبة بنفس السنة! والعرب لسّه بآمنوا بالأمم المتحدة.

بدون ما أفلسف الأمور كتير وأفكّر ليش هلقد مبسوط على موضوع بسيط بالنسبة للناس اللي معها جوازات سفر بتسوى حق الحبر اللي انطبعت فيه، سمحت لفرحتي بالتعبير عن نفسها بكل ما تحمل نفسية مواطن دول عالم تالت من دونية ورغبة في زيارة بيت الآغا اللي بحكوا عنه القصص والحكايات بالقرية، وكمان أقنعت حالي إنو السفرة مع غلبة أحلى وإلها هيبة أكتر وبديت أجهّز حالي.

رحت تلات أسابيع تقريباً، زرت كتالونيا وألمانيا وبلجيكا وميّلت على هولندة. بلاد كبيره ومنظمة ومنتجة، الحدود عندهم تاريخ، النظام عندهم طلع من الدستور وسكن في عقولهم، النظافة عندهم مش من الإيمان بس الشوارع بتلمع لمع، الموسيقى بالشوارع، الكل نشيط ودقيق، القطار موعده الساعة 11:38 صباحاً يعني 11:38، إذا بتيجي و39 دقيقة بتلاقيهوش! هناك الدقيقة من وحدات قياس الزمن المهمة مش زي عنّا، عنّا الدقيقة بنستعملها عشان نقول لحدا إنّا مشغولين، هاي تبعت “دقيقة وبرجعلك”!

الشجر في بلادهم أكتر من الظلم في بلادنا، المكتبات في بلادهم أكتر من الجوامع في بلادنا، الإنتاج في بلادهم أكتر من الاستهلاك في بلادنا، الحب في بلادهم أكتر من الكبت في بلادنا.

يمكن أوروبا جنة.. بس فلسطين بتجنن

ما بدّي أكون كاتب مُعلقة في حبّ أوروبا بس في شغلتين مهمين مجبور أحكي عنهم. أول شغلة، عن شخص ألماني عمره في آخر الخمسينات قابلته في مدينة كولون في ألمانيا، هاي المدينة فيها كنيسة كبيرة ومشهورة جدا أسمها الدوم، وساحة الدوم من أشهر الساحات في ألمانيا ويمكن في أوروبا كلها. ماشي أنا وصديق فلسطيني عايش هناك، قالّي صديقي نائل تعال شوف هالإنسان المناصر للقضية الفلسطينية. مشيت لنصّ الساحة لقيت مواطن ألماني عامل سور بنص الساحة بناه من صور المجازر الإسرائيلية: أطفال قَتلى، نساء، بيوت مهدمة، راشيل كوري وغيره، وسور تاني من كراتين زغيره بحجم دفتر بتكتب عليها رساله لفلسطين وبتعلقها. بتروح عنده، بصير يورجيك الكرتونة اللي كتبها الدالاي لاما وممثل فرنسا بالأمم المتحدة وغيرهم من المشاهير. بحكيلك قصته مع الشرطة والمحاكم بسبب مضايقة الصهاينة لإلو، لحد ما أخد حكم محكمة إنو يقدر يوقف محلّه كل يوم يحكي عن معاناة الفلسطينيين. مش هادا الغريب بالموضوع، في كتير مؤمنين بقضيتنا في أوروبا. ولا الغريب إنو ما بيشتغل وبيعتاش من الأكم يورو اللي الناس بتبرعولوا فيهم، الغريب إنو هادا الزلمة أقتنع بقضيتنا وبدأ هادا النشاط اليومي اللي ما بقطعه ولا يوم -إلا في حالات الطقس الرديء جداً أو المرض- في سنة 1991، تسعة عشر سنة وهو واقف محله! مآمن فينا! مآمن في حقنا اللي كتير منّا بطّل مآمن فيه! ما مرّت عليه لعبة أوسلو، ضل مكمّل نضاله، متابع، مثابر، والأهم إنه ما بستنى منّا ولا إشي غير نآمن فينا.

الأشي التاني اللي لفت نظري ومش قادر ما أحكي عنه هو المكتبة العامة اللي في الشوارع. طبعاً مش بكل الشوارع بس في بعض الأماكن بتشوفها، غرفة بحجم كابينة هاتف عمومي فيها كتب حطوها الناس وبياخدوا منها الناس، يعني عندك كتاب حابب الكل يقرأه بتحطه بهاي المكتبة وإذا في كتاب عجبك بتاخده بتقرأه وبترجعه، فش حدا مسؤول عنها، مفتوحة للكل، متاحة للكل، ما إلها مفتاح ولا قفل، الكل بقرأ وبرجّع، ما حدا يقولّي عادي، لو عِنّا كان بنسرقهم وما بنقرأهم! هناك بقرأوهم وما بيسرقوهم!

طبعاً إذا بنزل المقال هيك رح تكون التعليقات: نظرة سوداوية، متشائم، منبهر بالغرب، إحنا اللي علمناهم يصيروا هيك، لو نرجع للإسلام بنصير أحسن منهم، أعطيني حلول وآليات للتغيير بدل ما تضل تصُف حكي، طب روح على أوروبا عيش إذا مش عاجبتك بلادنا!

إمتداح الجيد بالآخرين وتسليط الضوء على عيوبنا مش تشاؤم ولا سوداوية ولا إنبهار بالغرب ولا جلد للذات. أما إحنا اللي علمناهم ولو نرجع للإسلام وهذا الحكي أنا مش ضليع فيه وبتقدر تقول كمان جاهل في علوم الغيب والمغيبين، وبالنسبة للحلول والآليات فمن وجهة نظري أن كل ما على الساخر إنو يضوي على قضية معينة ومش متضطر يكون موضوعي وحتى كمان لازم يضخمها وينفخها من باب الإضحاك والإيلام وبعديها ببدا دور المختصين إذا شافوا إنو القضية تحتاج لدراسة وبحث وإيجاد حلول، بس ما عمري شفت ساخر مسرحي مثلاً، بعد مسرحيته بوزّع حلول القضايا التي تم التطرق لها في المسرحية!

التعليق الإفتراضي الأخير “طب روح على أوروبا عيش إذا مش عاجبتك بلادنا!” هو باعتقادي مربط الفرس، ومن وجهة نظري هو التعليق الوحيد اللي يستحقّ الرد. مزبوط أوروبا مريحة ومكان أفضل للحياة، وفي حرية حركة وحرية إجتماعية وإستقرار مادي، إشي هيك بشبه العيشة لحالك، ما حدا إلو عليك، فش مسؤوليات، بتطلع إيمتى ما بدك وبتروح أيمتى ما بدّك، بس بحسها حالة إستقرار مملة!

العيشة بفلسطين زي العيشة مع حبيبتك، المرأه مرات بتستفزك، بتقيد حريتك، بتيجي أيام نفسك تختفي من وجهك بس بالأغلب بتقدرش تعيش بدونها، وبتوصل مشاعرك لمحلات مجنونة، بتحس قلبك بدو ينشلع من محله.

من ناحيتي، مش طالع من هون، أنا بقدرش عالعيشه لحالي، بقدرش أعيش بلا مشاعر، وبفضّل أعيش مع مرأه حتى لو بتجنني مرات. عشان هيك: يمكن أوروبا جنة.. بس فلسطين بتجنن.


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

2 تعقيبات

  1. كنت ناوي أكتب كلمتين تعليق من وقت ما بديت اقرأ بالعنوان
    بس لما خلصت قراة لاقيتك كاتبهم بنفس المعنى: فلسطين أحلى

    شكرا

  2. والله يا علاء حيرتنا نهاجر على الجنه ولا ننجن هون والله من ناحيتي من زمان بحكي عن الجنه فيها شيء من الملل والرتابه بس ولا مره فكرت انو البديل هو مذكرها للجنه راجع حسباتك
    كما كل مره ممتعه

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>