بوب مارلي في حيفا على نبض ميدان التحرير/ هشام نفاع

أهو مناخي الخاص ما يجعلني أتحسّس هذا الفرح المتميّز، أم أن مناخات هؤلاء المحتفلين جميعًا تختزل المسافة بين العام والخاص؟ أهي مصر التي تختزل مساحات ومسافات وتساؤلات، وتضع كل شيء في نصابه؟

بوب مارلي في حيفا على نبض ميدان التحرير/ هشام نفاع


"رمزيّة مطمئنة." تصميم: مجد كيّال


 


|هشام نفاع|

يا لصعوبة الكتابة عن مصر الآن. يا لصعوبة صياغة هذا السهل الثوريّ غير الممتنع ولا المتردّد ولا المتلعثم، بكلام سهل ممتنع، كيلا يتحوّل الكلام الى إنشاء يتهاوى كلما أنهيت منه وفيه سطرًا.

هناك خطورة في جعل الكتابة تنافس الواقع حين يعلن هذا الأخير أنه يتحدّى المعطيات الاستهلاكيّة الجاهزة. هناك أزمان تفوق اللغات، كما يعلّمنا توقيت ميدان التحرير الآن. وهو مكان يجعل الكتابة تفكر بنفسها، تتواضع، تتأنّى لئلا تنأى عن ضروراتها وشرعيّتها وحاجتها المشكوك فيها أصلا ودائمًا.

اليوم السبت. أول سبوت فبراير. أكتبه من آخره، بل بعد نهايته. أنا الآن أصلاً في حدود الأحد. “أحد شهداء مصر” الذي أنتظر فجره، وشمسه.

بدأ اليوم، كعادته منذ أواخر يناير 2011، بالبحث عن آخر جديد من “أم الدنيا”. هذه التي تغيّب كل يوم مساحة جديدة من شعور الاغتراب واليتم العربيين، استمرارًا لتلك اللحظة التونسية المضبوطة على نبض البوعزيزي – الشخصي الحميم والرمزي الواسع – شقيقنا الذي ولدته كل أمهاتنا مهما بلغ بهنّ العمر، راضيات مرْضيّات.

نهار طويل سريع مليء: قهوة تستعجل اسودادها، سيجارة تستعجل بياضها، قلق تستعجل انتهاءه، فضول تستعجل إرواءه.

لقاءات، مكالمات، مكاتبات، مناقشات. وصديقة ذكيّة البصر والبصيرة تحاور العالم بعينها وعدسة كاميرتها اختارت توثيق سويعات من نهارك ونهارات الجيران.

في المساء المتأخر تخرج تعِبًا فتجد أن الشباب في الحيّ، الشبان والشابات، يحتفلون بعيد ميلاد الراحل بوب مارلي. هو الآخر وُلد في أيام الثورة المصرية قبل أن تولَد. رمزيّة مطمئنة. مقهى “إليكا” في حيفا قويّ النبض الليلة. جميع المحتفلات/ين تقريبًا لم يكونوا قد أتوا يوم رحل الفنّان مارلي. إحتفالٌ بميلاد من رحل! عجيب بعض الشيء، وجميل أكثر. تتسلّل للحالة أغانٍ تحكي لتونس ومصر. إحتفال غير متكلّف بالحريّة. أهو مناخي الخاص ما يجعلني أتحسّس هذا الفرح المتميّز، أم أن مناخات هؤلاء المحتفلين جميعًا تختزل المسافة بين العام والخاص؟ أهي مصر التي تختزل مساحات ومسافات وتساؤلات، وتضع كل شيء في نصابه؟ هل بات الجميع هنا يتحرّك ويرقص على نبض شباب ميدان التحرير؟ لا أعرف، لكني أكاد أقول إنني متأكد.


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This