ثلاث قصص من الحرقة الطلابية…

تصرفات مرفوضة، خاصةً لقيادية مثلها، لأننا مجتمع “محافظ”، والحزب جزء من البيئة والمجتمع، لذلك فلا بد من ممارسة حريتها بالسر كما تشاء وللعلن قوانينه. ماريا غير مقتنعة بذلك، لكنها تؤمن أن المصلحة الحزبية فوق كل شيء…

ثلاث قصص من الحرقة الطلابية…


مكتبة الجامعة. إجماع طلابي-إسلامي-قومي-أممي على مقاطعتها.


 

|واحد مُستقل فكريًا|

قبل سنتين وصل أحمد إلى جامعة حيفا من قريته في منطقة الشاغور التي ولد فيها قبل 21 سنة ليدرس التمريض. فور وصوله إلى الجامعة انخرط في العمل الحزبي والطلابي من دون أن يعرف مبادئ حزبه “العلماني”. يجلس أحمد في الاجتماع بجانب “الرفيقة” أثناء حديثها الجريء والحماسي عن ضرورة تنظيم فعاليات يوم المرأة. لكنه لا يحب نبرة صوتها؛ لو أن اخته (تلك التي “زوجها أدرى بمصلحتها”) تحدثت بمثل هذه النبرة في البيت، ما الذي كان سيفعله؟ ثم أن فعالية يوم المرأة، هذا البدعة، لا تعنيه، فالمرأة تعيش بأفضل الظروف وتستوفي كل حقوقها، خاصةً في قريته. عندما ستنهي الرفيقة حديثها ويأتي دوره في الكلام، سيقول ببساطة: “فعالية مهمّة، أنا معكم.”

عندما اشتعلت قضية الكاريكاتير الدنماركي الذي تظهر به صورة الرسول سقطت الـ”وحدة وحدة وطنية إسلام ومسيحية”. حين وصل الجامعة يومها لم يتحدث مع أي من “الرفاق” المسيحيين في الحزب. “كنت عارف إنهن بكرهونا، كنت عارف. خلص.” وظل غاضبًا مدة طويلة، إلى أن اقتربت فترة إنتخابات لجنة الطلاب، فأعاد المياه لمجاريها موقنًا بأنّ الوحدة هي الأهم في سبيل إلحاق الهزيمة بالحزب الآخر. فالحزب يعلّمهم أن يكرهوا قبل أن يعلمهم أن يحبوا.

سيقضي أحمد السنوات القادمة “ليصقل شخصيته” في الجامعة تحت ظل “الكادر”، سيقضي أيامه على “الديشي” الخضراء لأجل عيون العمل الطلابي. سيبقى هناك ست سنوات حتى إنهاء اللقب بمعدل 67 (من أعداد شعبنا المفضلة)، يعود بعدها أحمد لقريته ليصبح من “خيرة الشباب”.

يثق أحمد بأمه وبمهارات انتقاء عذراء تصغره ببضع سنوات، والمهم ألا تكون “بنت جامعة”، فأحمد “شاف الدنيا” ويعرف بنات الجامعة الـ”سايبات” والـ “دايرات عحَلّ شعرهن”.

سيكبر أحمد ويصبح من “كبار العيلة”، سيلقي خطابًا، كما علمه الحزب، في كل صلحة وزيارة “طلبة إيد”. سيرزق أحمد بالبنين والبنات يلبسون الكنزات الحزبية الفاقعة، ويفتخر بذلك، فالإلتزام الحزبي الذي يظهر حتى بأصغر التفاصيل، في منتهى الأهمية بالنسبة لأحمد، مرشح الحزب في انتخابات المجلس البلدي.

• •

تركت ماريا البالغة من العمر 23 عامًا مدينتها في الشمال لتدرس الفلسفة في الجامعة. تعلم ماريا أن من تقابلهم في بيئتها القريبة لا يقدّرون موضوع تعليمها ولا يعرفون شيئًا عنه،  إلا أنها سعيدة بما تدرس وأهلها كذلك لأن سعادة “ابنتنا” هي الأساس. هذه هي السنة الثانية لماريا في الجامعة، ماريا ناشطة وقيادية في حزب “علماني تقدمي”، يؤمن الحزب بالمساواة والحرية لجميع الكائنات (حتى الطحالب وإن كانت متطفلة). ماريا تؤمن بأنّ حريتها الشخصية  قيمة عليا في حياتها، وأنّ أصغر التفاصيل تشكل جزءًا لا يتجزأ من حريتها: شرب الكحول والتدخين واختيار الملابس التي تشاء ومرافقة من تشاء، في العلن.. وفي هذا ما يتنافى مع “الأجواء الحزبية”.

تصرفات مرفوضة خاصة لقيادية مثلها، لأننا مجتمع “محافظ”، والحزب جزء من البيئة والمجتمع، لذلك فلا بدّ من ممارسة حريتها بالسر كما تشاء ولكن العلن له قوانينه. ماريا غير مقتنعة بذلك، لكنها تؤمن أن المصلحة الحزبية فوق كل شيء، فتنتقل للعيش في إحدى الشقق النائية والبعيدة عن الحرم الجامعي. تقل زيارات ماريا للجامعة وذلك لأن “الفيقة” في الصباح صعبة، خاصة بعد السهرات “الجامدة” كل ليلة.

في المرات القليلة التي تصل فيها ماريا للجامعة تدخل للإجتماع بخجل من رفاقها “تاعون القرى”، لأنّ لغتهم العبرية الضعيفة لا تسهم، بل تضرّ، بجوّ الحوار المثمر مع الرفاق اليهود المتحضرين، الذين يهمهم النضال الإجتماعي، النضال من أجل حقوق المرأة، النضال من أجل حقوق الحيوان. أما النضال لأجل أبناء شعبها، فتلمس فيه زيفًا معيّنًا لدى الرفاق المتحضرين، إلا أنها تنساه في إطار الأجواء الحزبية… ماريا تفضل أن تعمل مع المتحضرين بدلا من “تاعون القرى” لتحقيق أهداف مرحلية محلية في الجامعة تسجل لحزبها النقاط والإنجازات التي ستملأ النشرات التي سيصدرها الحزب عشية الإنتخابات.

ستعود ماريا إلى بلدها، تتزوج ممن تحب  ثم تهاجر مع زوجها إلى كندا بحثًا عن واقع آخر ومستقبل أفضل لتربي فيه أولادها.

 

• •

حسين شاب يبلغ من العمر 22 عامًا من إحدى القرى في المثلث الشمالي. يدرس اللغة العربية والعبرية في الجامعة. حسين جدّي في تعليمه، يحضر المحاضرات وينجز كل المهام. العمل الطلابي لا يأخذ الكثير من وقته لأن خطاب الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها لم يتغير منذ أكثر من قرن، لم يتغير لا بحكم الزمان ولا المكان ولا احتياجات الإنسان. حسين شاب مؤمن يصلي ويصوم ويخشى ربه ولم يعتد في حياته أن يقول “لا” لمن يكبره عمرًا ومنزلة، لا لمعلمه في المدرسة ولا لوالده في البيت ولا للشيخ في المسجد القريب ولا للأمير المسؤول عنه في الحركة- فطريقه واضح ومستقيم حتى أبعد الحدود.

عندما وصل حسين إلى الجامعة قبل 3 سنوات كان يشعر بحزن شديد لأنّ الضلال يملأ المكان، وكان لا بدّ من تغيير ذلك. فاجأه اشتراك حركته في المنافسة الانتخابية لأنه تعلم ان مبدأ الانتخابات الديمقراطية رجس وكفر من عمل الشيطان. إلا أنه سمع أن كبار الحركة والمسؤولين أقروا ذلك لأن الغاية تبرر الوسيلة ورأي وقرار كبار الحركة صائب لا مجال للشك فيه.

اكتسحت الحركة الإنتخابات وفرضت شروطها على الحزب العلماني المنافس ليدخل الإئتلاف. الحلم يقترب من الحقيقة، والعلمانيون تحت السيطرة. الطالبات لا يمكن أن يتصرفوا كما يشاؤون، فهن مراقبات وخطواتهن الـ “خاطئة” ستستعمل ضد حزبهن في الإنتخابات القادمة ثم ينطلق توزيع المناشير ضد الفحشاء والحفلات الراقصة التي يختلط فيها الجنسان وتنظم الفعاليات المختلفة التي تجلس فيها الطالبات في المكان المُعدّ لهنّ، في الخلف.

سيخرج حسين من الجامعة متمسكاً بالقيم التي تربى عليها في البيت وثبت إيمانه بها في الجامعة ويطبقها لاحقاً، وهو يؤمن بأنّ كل مكان لا يشعر بالإرتياح به ليس من واجبه التأقلم في هذا المكان أو التسامح مع البيئة بل عليه تغييره لكي يتوافق مع رغباته. يحلم باليوم الذي سيرسل فيه بناته لمدرسة منفصلة للإناث، ويحلم بألا يرى إمرأة “مفرعة” في بلده، ويحلم بأن يعيش النصارى في البلاد حسب نظام الشريعة… وحسين مطمئن وسعيد لأنه يرى الحلم قريباً، أقرب من أي وقت مضى.

(أي تشابه بين الأسماء/الأحداث والحقيقةربما يكون بمحض الصدفة؛ لزيارة المدوّنة: واحد مستقل فكريًا)


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

15 تعقيبات

  1. يُنصح بمراجعة القاموس لتصحح ما تعرفه عن كلمة غوغائية.

  2. إلى المحرر
    رغم حرصي على عدم جعل مساحة الردود ميدانًا للمنابزة الكلامية، إلا أنني لم أجد بدًا من الرد على كلامك الذي لا يحمل ردًا إلي، بل يحمل مجموعة جمل مردودة عليك! لا يجوز لك الحديث مع المعقبين بهذا الشكل، وإذا كان مغزى جملتي (الموجهة إلى وضع الحركات في الجامعة وليس الكاتب كما اعتقدت أنت) اذا كان هذا المغزي لم يصلك فهذه مشكلتك مع فهم المقروء وليست مشكلتي حتى تستعمل معي مثل هذا الكلمات السوقية.
    وإنني لا أجد كلمة “بيظ” المنشورة إلى أعلى في احدى التعقيبات تخضع لشروطك الأخلاقية (المرتدية منطق الملاحظة أدناه).

  3. برايي الحركات الطلابية على اختلاف انواعها هي المحرك و النواة الاساسية للحركة السياسية في اي بلد..نضوجها و نضوج اساليبها وخطابها يساهم في تطور الوعي العام للحركة الحزبية..الجامعة مكان لجني العلم \ اكاديمي\ اجتماعي \سياسي.. وبالتي الاخطاء( وهي متنوعة) التي تقع فيها الحركة الطلابية ممكن وواجب مراجعتها وتصحيحهااذا وجد الوعي و الارادة الكافيةاو يمكن تركهاوالانعزال عنها (كل واحد يغني على هواه) و بالتالي سيسمح للحركةالطلابيةوسيلة لتخريج عاهات سياسيةوشبابية للمجتمع..

  4. إلى س:
    حرية التعبير لا تعني الغوغائية الجوفاء.
    أنظر رجاءً التنبيه المنشور فوق خانة كتابة التعقيبات في نهاية كل مقالة. هذه سياسة الموقع وتسري على الجميع. نحن ننشر هذا التوضيح منعا لأي التباس من المعلقين: نحن نحرر ونشطب ونقصر الردود عند الحاجة، بما يتماشى مع علائقية الرد مع المادة المنشورة.
    كلمتك المحذوفة من التعقيب تافهة وعقيمة وليس لها سياق إلا محاولة المس بالمقالة والكاتب، ونحن لا نرى ذلك جزءًا من حرية التعبير- ولذلك أزحناها. وسنفعل ذلك دائمًا وقت الحاجة.
    تحياتي،
    المحرر

  5. إلى حضرة المحرر: بدل ما تغير كومنتي، كنت بفضل تمحاه كلو! – عأساس حرية التعبير!

  6. طز طزين تلاتي

  7. عزيزي الحزبي
    أنا كنت حزبية، بس طلعت ركض من الحزب الفاضل
    لإنو فعلاً بدكو
    أكم درس بالوطنية
    وأكم درس بالشفافية
    وأكم درس بالتنظيم
    والأصح تستبدل كلمة “أكم” بكلمة “مليون”.
    إنو ننتقد الأحزاب مش معناها الاستغناء عن الأحزاب، بس لما البضاعة خربانة مش مستعدين نشتريها، وبوعدك أعمل حزب بس أعطيني أكم مليون دولار من قطر بالأول.
    وبما إنك عم تحكي عالنجاح فمتهتش علينا شافينكو بتخلصو اللقب ب7 سنين وشحشطة.
    حلو الحكي الشعبوي تاع تحرير الشعوب اه؟ كتير واضح انو بدنا نتحرر بهيك قيادة.. مسخرة

  8. أعزائي المعقبين النشامى
    محلاكو، منغشكو، ما ألزكو “اللا حزبيين”.. وااو ما احلاه الواحد يسب عالأحزاب.. كتييير كووول.

    أنا بقترح عليكو “اللا حزبيين ” تعملو حزب لإلكو بلكي عملتو شغلة تفيدو فيها هالمجتمع بدل طزع الحكي 24 ساعة.

    وبلكي شفتولكو حدا يعطينا
    أكم درس بالوطنية
    وأكم درس بالشفافية
    وأكم درس بالتنظيم
    وأكم درس في المكتبة، لأنو انتو الناجحين، وإحنا الفاشلين في التعليم.

    وبحياتكو جيبولنا تجارب من العالم (بما انكو مثقفين اكثر منا) استغنت الشعوب عن أحزابها السياسية، وجيبولنا أٌقليات تحررت وحققت اهدافها بدون تعددية وأعطونا بديل عنا ومنوعدكو نمشي وراكو

  9. كلامك صحيح
    والي ممكن يجلطك اكثر ، انه في طلاب ولا خصهم بشو همي وشو اصلهم لدرجة انهم “بعرفوش” انهم فلسطينيه مثلا..
    كل الكتل بالجامعة هون خرطة برطة، ولا اشي عم يعملوه لمصلحة الطالب ، الي مفروض انه اهم اشي يكون عنده نجاحه في دراسته (الشيء الي لاحفا رح يخليه يعطي ويفيد وطنه بعلمه ، اكثر من كل فعاليات الحركات الخرطية برطية هاي )

    خلص انا “طبعا” مش مصوت لحدا فيهم ..

  10. عفوا …… بس ليش في اجماع طلابي على مقاطعة مكتبة الجامعة؟

  11. انا بوافق كمان مع التعليق الأول ..
    الأحزاب اليوم كلها بتصب بنفس البقعة من المصالح والنجارة وهي أبعد البعد عن كل هاي الأهداف السامية اللي عم بعلنو عنها .. بس بدهن ” يولعوا الجامعة” وينتا بدهن ولما ما يكون عندهن مواضيع يحكوا عنها برجعوا بحطولك شعارات ” غزة في القلب” .. عنجد خلص خطابات سياسية منقحة وكلام مفزلك .. وبحب أقلكو أنو حارتنا ضيقة ومنعرف بعض ..

  12. بيظ…

  13. عزيزي كاتب المقال لماذا لم تغلق الحلقة ؟
    احمد يسقط سقوطه الحر في الانتخابات لان الحزب العلماني التقدمي لعبها عائلية وبحنكة فسحب البساط الاحمدي من تحته ..
    حسين يطارد في اروقة المحاكم بعد ان سُجن ابناءه في قضية اطلاق النار على احدى محلات بيع الخمور ..
    اما ماريا فطلبت اللجوء السياسي الى موزمبيق بعد ان وصلت الخلافة الاسلامية الى بوابات كندا .

  14. لحد اسا 100 لايك وتعليق واحد فقط، مما يعني انو الكلام المكتوب بكفي وبوفي لوصف قرف الأحزاب بالجامعة، وأنا بحب أنوّه للدور الوسخ لرؤساء الأحزاب اللي بدورهن مرؤوسين، والطلاب عمليًا هني دمى في هالمسرحية القذرة.
    وما ننسى الحركات الي بتعتبرش حالها حزب، زي حركة حق، عاملينلي فيها قضية فلسطين موضة ضاربة، ويلا تعالو نكيّف.. احنا كتير كول احنا كتير كوووول
    على قد ما حاولت أعتبر كلام أهلي مجرد كلام عاطفي، بس ما غدرت ما آصل لنفس النتيجة: ابعد عن الحركات السياسية بالجامعة!

  15. حبيت..!

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This