“خيانة القيادة وعلبة السجائر الفارغة”/ دالية حلبي

“خيانة القيادة وعلبة السجائر الفارغة”/ دالية حلبي

الأخلاقيات لا تتجزّأ، والنضالات المبنيّة على المصالح الشخصيّة أولا ومن ثم على المنفعة العامة- هي نضالات مزيفة. لا يمكن أن نطالب بعدالة سياسيّة وحقوق ومساواة وأن نسكت حين ينتهكها “ابن جلدتنا” أو ابن حزبنا أو طائفتنا. لا يمكننا أن نتغنّى بالمبادئ والقيم العليا وأن نسقط في الامتحان الأول حين يُطلب منا ممارستها

_timetoact

>

|دالية حلبي|

دالية حلبي

دالية حلبي

تذكرتُ في الأيام الاخيرة قصة يتناقلها الناس في بلدي عن رجل عُرف عنه أنّه “عميل”، وشارك في إحدى المظاهرات الوطنية. ترأس المظاهرة هاتفًا مندّدًا بسياسات الحكومة ومُلهبًا مشاعر الشباب. وحين انتهت المظاهرة وتفرق المتظاهرون والمتظاهرات، بعد أن أثنوا على أداء صديقنا المتميّز وهتافاته الجريئة ومواقفه غير المهادنة، ناداه شخص (سنطلق عليه هنا اسم موشيه) وقف مراقبا لسير المظاهرة وأشار اليه بأصبعه أن يأتي. مشى صديقنا باتجاه موشيه كالطاؤوس المتفاخر بإنجازاته الوطنية والمنتشي بدور البطل. ناوله موشيه علبة دخان من النوع الفاخر. فرح لها صديقنا فرحة لا توصف وفتحها على عجل. كانت علبة الدخان فارغة! “ما هذا؟ إنّها فارغة!” قال مستغربًا، فأجابه موشيه وقد كان رجل مخابرات: “تماما مثل كلامك الفارغ!”.

طأطأ صاحبنا رأسه عائدًا إلى حجمه الطبيعيّ، وانصرف.

تصف هذه القصة بدقّة حالنا في الأيام الأخيرة، وحال قياداتنا التي لا تفوّت أيّ فرصة للظهور بالمظاهرات ومن على المنابر، وتتحفنا بخطابات حامية عن حقوق المرأة ومكانتها ودورها الاجتماعيّ والقياديّ، وبأنّ المرأة نصف المجتمع، وبأنّ العنف ضدّها مرفوض رفضًا باتًّا وغيرها من كلام حفظناه عن ظهر قلب لكثرة ما ردّدوه! وحين تأتي ساعة الامتحان لترجمة هذا الخطاب العظيم إلى خطوات عمليّة أو موقف فعليّ، نراها تطأطئ رأسها وتعود إلى انتماءاتها القبليّة الوشائجيّة البدائيّة الأولى لتعمل حسب المبدأ القائل: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، ولتخبط عرض الحائط كلّ الكلام الرنان الذي تفوهّت به؛ فشعبنا ينسى ولا يحاسب، وعلى الكلام “ما في جُمرك” كما كانت جدتي تقول!

صخبت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام بقضية متصلة بمحترف حزبيّ استخدم الترهيب “الجنسيّ” والتعنيف الكلاميّ والابتزاز لإسكات صوت امرأة كلّ ما فعلته هو التعبير عن رأيها وإسماع صوتها وموقفها السياسيّ المخالف لموقفه. حادثة خطيرة بتفاصيلها ودلالاتها، تُعرّينا وتعرّي بالأساس قياداتٍ لزمت الصمت في أحسن الحالات، وأخرى هبّت مُدافعة ومُناصرة ذاكرة مناقب “القائد الحزبيّ” ومواقفه الوطنيّة، فيما تهرّبت أخرى من الإعلان عن موقفها الصريح واختبأت خلف كلمات مبهمة غير مفهومة وغير واضحة. هذا بالضبط ما أسماه المفكر الفرنسي جوليان بندا “خيانة المثقفين”، حين تحدّث عن المثقفين الذين تغريهم السلطة والسيطرة وتقودهم للانحياز إلى مصالحهم السياسيّة الشخصيّة والنفعيّة على حساب دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقيّة. ويتحدّث بندا عن تخلي المثقف عن استقامته الفكرية والتزامه الأخلاقيّ اتجاه مجتمعه واتجاه قضايا العدل الاجتماعيّ والاخلاقيّات الاجتماعيّة من أجل تحصيل مكاسبه الضيقة، وتغليبها على صوت الحق ومساندة المقهورين.

إنّ الأخلاقيات لا تتجزّأ، والنضالات المبنيّة على المصالح الشخصيّة أولا ومن ثم على المنفعة العامة- هي نضالات مزيفة. لا يمكن أن نطالب بعدالة سياسيّة وحقوق ومساواة وأن نسكت حين ينتهكها “ابن جلدتنا” أو ابن حزبنا أو طائفتنا. لا يمكننا أن نتغنّى بالمبادئ والقيم العليا وأن نسقط في الامتحان الأول حين يُطلب منا ممارستها. لا يمكن أن نخرج بحملات ضدّ العنف و”ضدّ العنيف” وأن نصمت أمام من يُمارسه لأننا قُمنا بحساب بسيط للربح والخسارة.

القيادة تعني اتخاذ المواقف والممارسة أوّلًا وأخيرًا، وحتى ذلك الحين لا تتوقّعوا منا أن نهبّ كقطيع الغنم لنعطيكم أصواتنا!

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>