عقائد في المحاق!/ مرزوق الحلبي

28 ديسمبر 2016

699 

.

|مرزوق الحلبي|

الأمر الوحيد الذي يمنع انتقال التفكيكات الدموية في الاجتماع العربيّ حولنا إلى مجتمعنا العربيّ هنا، هو السيادة الإسرائيليّة تحديدًا. فهي، التي قامت على أنقاض الحاضرة الفلسطينية في طور التكوين، تبدو وفي إطار مفارقة تاريخية الحافظة لحالة الاجتماع بيننا، والضامنة لعدم انزلاقنا حتى الآن إلى صراع دامٍ. فلو أنّ سِجالاتنا المحتدمة حول نكبة الشعب السوريّ، مثلا، تمّت من دون سقف إسرائيليّ قانونيّ سِيادي لتحوّلت إلى ساحة وغى حقيقيّة فيها كلّ ما شاهدناه في الجوار، من شبّيحة وميليشيات تقتل على الهوية إلى محاكمات مدنيّة وأعواد مشانق واستدعاء جيوش صديقة ومرتزقة شركاء في العقيدة. فالعقلية التي فعلت ذلك في الإقليم العربي قائمة عندنا وفاعلة. مقابل كل طاغية فعليٍّ هناك لدينا ألف بالاحتمال، ومقابل الخلايا التي تضرب هناك خلايانا النائمة هنا. وأكثر لكلّ فصيل هناك توأمه هنا وصداه يُحاول أن يكون نُسخة أقرب ما يكون إلى الأصل. قد يبدو المرسوم هنا مجازًا لكنه ليس كذلك أبدًا إذا ما تمعنّا في وقائع الِسجال هنا وأداء بعض الشبّيحة و”القيادات”.

لقد انسدّت كل العقائد والأيديولوجيات المعمول بها عندنا. ما من عقيدة إلا وانتكست في مراكزها أو انزلقت تطبيقاتها هناك إلى حالة بؤس تطوّر منها عنف مدمّر. وقد انعكس ذلك جليًّا على الوضع هنا لأننا أنتجنا هويتنا في نواحٍ منها كجزء من هذه المراكز وكصدًى لها، ما أن انكسر الصوت حتى تهدّج الصدى أو خفت. لقد شهدنا في العقود الأخيرة تهالك كل التيارات الفكرية المؤطّرة عندنا من دون استثناء: من شيوعي إلى قومي إلى إسلاموي. حتى أنّ المذاهب المتمايزة في نطاق هذه التيارات آلت إلى المصير ذاته. أمّا الثورات الشعبية العربية فقد انعكست مزيدًا من احتقان العقائد حدّ السُمية بدلالة أنها أكلت أبناءها وبناتها وصارت إلى كهوف مُعتمة. وللتذكير: كلها بدأت مشاريع لتحرير الإنسان العربيّ والنهوض به بعد عهود من الاستعمار والقهر. المهرجانات التي شهدتها المراكز العربية لمناسبة رحيل الاستعمار وجلائه عن دار العرب سرعان ما تحوّلت إلى طقوس ومراسم عبادة للحاكم والنظام الذي انكفأ بحالة الثورة وحركة التحرّر نحو إعادة إنتاج القهر من أوسع أبوابه. ومع هذا، ظلت العقائد هنا انعكاسًا لتلك التي هناك تتشابك معها وترقص رقصتها.

ما أحوجنا إلى حزب يتجاوز هفوات وإخفاقات وأعطاب الأحزاب الفاعلة وتعطُّل بوصلاتها الأخلاقية والسياسية

ثلاثة مشاريع كُبرى انتكست على مستوى العالم؛ فلا الشيوعية ظلّت على حيلها في مستوى العالم، ولا القومية العربية أنتجت حداثتها ولا أجادت الاقتباس، ولا المدّ الإسلامي حقق وعده، خاصةً وأنه انجبل على العنف منذ البدايات وتطوّر إلى عدميّ في الراهن. هذا إضافة إلى تلك التحديات التي فرضتها العولمة على فكرة الدولة والسيادة وعلى الموديل الديمقراطيّ برمته وأعملت مهدّات التفكيك في كلّ بناء قائم للدولة الإقليمية. لم تجرِ هنا أيّ مراجعة تُذكر للحاصل بدلالة أنه لم نشهد محصلات لهذه المراجعات بل المزيد من الانغلاق والدوغما والتأزم الذي تجسّد في عصبيات عقائديّة وشحن عقائديّ ليس بحاجة لأكثر من شرارة واحدة. أمّا الانفجار اللفظيّ الافتراضيّ عند كلّ مفصل فهو المجاز لانفجار فعليّ كان سيحدث لولا السقف الإسرائيلي وما يشكله من روادع سلطويّة وقانونيّة.

لحقبة الاحتقان العقائدي هذه سِمات عدّة أبرزها فُقدان الشعور بوجود جماعة إلّا فيما تفرضه السياسات الإسرائيليّة من شعور بالغبن أو بالإقصاء. وهي السياسات ذاتها التي تعود وتنجح في تفتيت الجماعة وتفكيك “جماعيتها”. بدلالة، أنه حتى القائمة المشتركة لم تعبّر عن نزعات لبناء الجامع بقدر ما كنت نتيجة مباشرة لإجراء سلطوي تجسّد في رفع عتبة دخول البرلمان! بمعنى، أنّ الجامع هو، أيضًا، نتيجة تدخّل خارجيّ وليس نتيجة فعل إرادي ذاتي من داخل الجماعة! قد تكون إرادة كهذه قائمة كفكرة ونَفَس، لكنّ عوامل التعصّب الجهوي والعقائدي والطائفي أشدّ وأدهى. فالحركة الإسلامية كتيار أحدث مثلا حركة فرز قوية على أساس دينيّ/ طائفيّ لم تقدر عليه الدولة وسياساتها، تحول دون تطوير عمل جماعيّ، والشيوعيون زادوا انغلاقا وتحجّرًا، والقوميّون ابتعدوا عن نبض الشارع وعن شروط السياسة حدّ الاغتراب و”التعجيب”! النتيجة في نهاية الأمر فقدان “البوصلة الجماعيّة” أو أدوات تحليل وقياس تقوم على العقل أو حتى مصالح الجماعة المتخيّلة.

في غالبية الأحيان جاءت المواقف ضدية أو اشتراطية ـ موقف ضد موقف أو نكاية فيه! أما القضايا الكُبرى -مثل فلسطين وسورية والمواطنة- فقد كشفت بؤس الأيديولوجيات كلّها لأنها انكشفت كعصبيات متشنّجة لا تُقيم وزنا لمسائل وجودية من المفروض أن تكون في صلب مشاريعها، مثل تحرّر الإنسان وكرامته ورفاهيته وحرياته. فقد تم قياس كلّ شيء وفق الاصطفاف الأيديولوجيّ الذي اتضح بائسا يقصر عن مقاربة المسائل الوجودية أو حتى عن تبنيها واعتمادها نقطة القياس. فهذا يؤيّد طاغية وجرائم حرب وتطهير عرقي باسم “ممانعة” موهومة وذاك يعتبر روسيا وبوتين محورَ خير، وثالث يعتبر الفكر العدميّ العنيف بامتياز مستقبل الأمّة والجماعة هنا، ورابع يقف مع الثورة بعد نحو عقد من العلاقة الحميمة بالطاغية ذاته. حضرت العقائد البائدة ومات الإنسان، أو أنّ ما من أحد ترك للوقائع الدامغة على الأرض أن يعطّل عليه طمأنينته في كنف العقيدة. صار الذوْد عن العقيدة أهمّ من الذوْد عن الإنسان وحياته وحقوقه وحرياته. صارت العقيدة مركزًا والإنسان هامشًا، صارت العقيدة والاصطفاف في أفيائها أهمّ من الوقوف مع المظلومين المقهورين وضحايا الحرب والطُغيان. انغلق الجميع أمام نقد الجميع وانتفت كذلك إمكانية حصول نقد داخليّ لأنّ الخصوم واقفون خلف الباب. أمّا الأصوات النيِّرة داخل هذه التيارات فقد تعرّضت للقمع والإسكات وفُرض عليها الاصطفاف الجهويّ أو الحزبيّ بصمت وهدوء!

صار الذوْد عن العقيدة أهمّ من الذوْد عن الإنسان وحياته وحقوقه وحرياته. صارت العقيدة مركزًا والإنسان هامشًا، صارت العقيدة والاصطفاف في أفيائها أهمّ من الوقوف مع المظلومين المقهورين وضحايا الحرب والطُغيان

حالة أنتجت في المحصّلة ثقوبا في ضمير الجماعة وأخلاقياتها وفي أدائها السياسي حدّ تحويل السياسة بوصفها فن الممكن وأداة تصريف الخلافات وفن إدارة الاجتماع إلى فعل معكوس يعكس غرائز الانسان لا حضارته، انفعالاته ومنظوماته البِدْئية لا تبصّره وتعقّله. بمعنى أنّ المعقولية التي كان يُمكن أن تنتج عن السياسة والتعددية الفكرية والحريات السياسية المعقولة في ظلّ سيادة الآخر تحوّلت إلى بؤس ظاهر ومنتشر في كل مكان. وهو يُضاف إلى الشعور العام بوصول القضية الفلسطينية إلى مفرق طرق وانسداد الأفق العربي بالنسبة للإنسان العربي الفلسطيني هنا وبداية حركة واضحة من المركز العربي المتخيّل الذي تمثله التيارات الفكرية السياسية هنا نحو مراكز أخرى وأقربها المركز اليهودي متمثلا في السياسة والمدينة والثقافة واللغة، والاقتصاد بدرجة أكبر.

لم يستطع أصحاب وثائق التصوّرات المستقبلية، رُغم ما فيها من جهد تفكيريّ هامّ وإعادة إنتاج الوجود هنا (انتبه: أنها نِتاج جهد مؤسسات المجتمع المدني العربي هنا وليس الأحزاب) أن يحولوها إلى رافعة نهوض وعصا موسى لشق الركود والدوغما والعصبيّات والتقادم والانطلاق إلى أفق فكريّ وتنظيريّ جديد. ومع هذا لا يزال فيها ما يُمكن البناء عليه من نزعة المُبادرة وتخيّل المستقبل والتحدّث بصيغة الجماعة ولغة العالم والتجارب الإنسانيّة كما صاغتها المواثيق والقوانين الدوليّة.

على أيّ حال، أعتقد أنّ في الاستراتيجيّ -خطابًا وتفكيرًا وتخطيطًا ولغةً- يكمن الأمل في شقّ بحر الظلمات الحالي وفي فتح الأفق من خلال طرح النفايات العقائدية وخردة الأيديولوجيات الفاشلة جانبًا. حقبة فِكريّة وسياسيّة انتهت تمامًا وحِقبة أخرى ينبغي أن تولد بفعل إراديّ. وقد تولد في أطر فكريّة أو سياسيّة جديدة. وما أحوجنا إلى حزب يتجاوز هفوات وإخفاقات وأعطاب الأحزاب الفاعلة وتعطُّل بوصلاتها الأخلاقية والسياسية.

1 تعليق على “عقائد في المحاق!/ مرزوق الحلبي”

  1. محمد عبد الهادي قال / قالت:

    اذا كان الحكي عن حزب جديد فلا ا ضروره لذالك لا حاجه للتشرذم موجود حزب قومي وهو حزب التجمع صحيح انه في تنظيمه هو حزب شيوعي ب أفضل برأي تقويه التجمع وجعله اكثر ديمقراطية

أضف تعليق