عن الذين يفضّلون الموت عن التفكير!/ مرزوق الحلبي

7 أبريل 2017

Creativity

|مرزوق الحلبي|

مرزوق الحلبي

مرزوق الحلبي

الماضوية نزعة غير محصورة في ذوي الانتماءات الدينية من أصوليين أو عَدَميين. والنكوص صفة غير مُطوّبة باسمهم. فإذا ما نظرنا حولنا، هنا والآن -في كل حي وبلدة وخمّارة وفرع حزب- سنجد نماذج لهذا النكوص وهذا الفكر الماضوي في أوساط التيارات المختلفة. لم يعد الأمر -كما يُستدلّ من جرائدهم وكتاباتهم واجتهاداتهم في كل مِنبر وكل صفحة فيسبوك- حنينا لماضٍ متخيّل أو لـ “بطل” من جماعتهم. بل صار حالة ذهنية عامة لدى كل التيارات والعقائد، وإن بتفاوت. فالذين عرفناهم عروبيين وَحْدويين تجاوزوا منذ زمن الرجوع في الذاكرة لاستحضار عبد الناصر وإرهاصات الوحدة العربية والمدّ القومي وخطابه وأساطيره وانبروا يتلون عليك آياتهم الحكيمة من النص الديني والموروث المقدّس والتراث. والشيوعيون، مثلا، انكفأوا إلى عروبتهم وفلسطينيتهم/ قوميتهم يُعيدون على مسامعنا ما كان خصومهم من العروبيين القوميين حتى النُخاع يقولونه. وهم -الطبقيون الأمميون- وقعوا في فخّ حذرت منه الماركسية الكلاسيكية التي اعتبرت القومجية “ملاذ النذل”. بل ذهب بعضهم أبعد حينما انبرى، هو أيضا، يقتبس القرآن والحديث كأنه فُطم على النص المقدس لا على كتب “دار التقدم” في موسكو! أما الإسلاميون من التيارات المختلفة فقد تدرّجوا مع الصحوة الإسلامية في الجوار وأتحفونا بقصص الموروث المقدّس حتى وعدنا أحد الناطقين باسمهم بمشروع خلافة جديد عاصمته القدس. يُصرّون على أنّ المخرج من الواقع المأزوم يكمن بالعودة إلى التراث الديني. وهم يُعطونك القدوة بالعودة إلى الصلاة والحجّ وما تيسّر من فروض العبادات والشعائر وتوكيد الهوية الدينية وآفاقها. وينافحون بعناد أن المستقبل ينبغي أن يُرسم بخطوط الماضي وأن الحاضر إثبات للنظرية!

حركة في الاتجاه ذاتها يأتي بها أناس من التيارات العقائدية الثلاثة عندنا وأناس آخرون من مجموعات “أبناء البلد”. كأنهم اتفقوا على شدّ الرحال إلى الماضي. كلّ على طريقته معتبرين هذا الماضي -وإن اختلفوا في روايته- ملجأ أو نموذجا أو حُلما. سلوكيات فكرية وسياسية يُمكن رؤية تجلياتها حيثما ذهبنا. وهي تعكس في رأينا انهيار العقائد المعمول بها ونفاد تاريخها واصطدامها بالوقائع على الأرض في فلسطين التاريخية وفي دول الجوار العربي. وهو انهيار بدأ من عقود مع أزمة القومية العربية في أقطارها والاشتراكية بنموذجها السوفييتي والإسلام السياسي الذي اندفع بعنف حدّ العدمية التي تمثّلها داعش وحركات التكفير والجهاد. وهو ليس تداعيًا للبُنى العليا فحسب كما جسّدتها أنظمة الحكم وهياكل الدول والسياسات بل هو التداعي في الجذر، أيضًا، في الأسس النظرية لهذه العقائد. وهي عقائد بدأت واعدة وانكفأت في الوطن العربي بوجه خاصّ إلى حروب أهلية وتفتيت الدولة وتقسيمها.

عندما نصل إلى هذا المُنعطف من القول عادة ما يعاجلنا أصحاب العقائد الماضوية بتصويب الحديث. فيرمون بكل ما أصاب العالم العربي على الغرب الذي أعاد استعمار الشرق الأوسط بطُرق جديدة، وبالزعم أنّ هذا الغرب لم يترك للشرق فرصة، وأنه لا ينفكّ يُحيك المؤامرات حتى كتابة هذه السطور خاصة ضدّ “قلعة الصمود والتصدي”: “سورية الأسد”! مثل هذا الادعاء مشترك لأصحاب العقائد الثلاثة ولكلّ فهمه الخاصّ للهوية- هوية المجتمعات العربية مقابل تلك الغربية. ومع هذا نرجّح أن بينهم دوافع مشتركة، أيضًا، ومنها ما يتصل بتبرير الإخفاق التاريخي لهذه العقائد نظريا وفي تجلياتها الدولانية السيادية. ومنها، أيضا، ما يتّصل بثقافة واحدة هي ثقافة المهزومين إذا صحّ تعبير القائلين بالمؤامرة باعتبارها ذريعتهم وشمّاعتهم وحجّتهم أمام أنفسهم وأمثالهم. فيكفي أن نرى إلى خطاب الأنظمة المستبدّة بشعوبها لنُدرك أي عُمق لهذه التبريريّة في الثقافة العربيّة على اختلاف عقائدها. ويكفي أن نرى إلى مسائل داخلية تتعلّق بالمواطنة والحقوق والحريات في النُظم العربية خلال العقود الأخيرة لنُدرك كم كان “الغرب” حجّة وفزّاعة يهرول السيد العربي بها إلى قمع مواطنيه ومعارضاته. وهذا بالتحديد ما يشطب المساحات والفروقات بين يمين جذري وبين يسار جذري عندنا، أيضًا. بل نراهم يتبادلون في الحالة السورية الأدوار كجزء من علامات المرحلة الحرِجة المذكورة. لقد كشفت الحالة السورية على مآلاتها ذاك الوعي الكاذب لدى أتباع التيارات المختلفة وفضح مفهومها الخاطئ للتاريخ والطبقة والحقوق وألحقها هالكة في صف الطُغيان والقمع وجرائم الحرب أو أنهك استثمروا هذه الحالة ليتبرّأوا من تبعات المجزرة والعنف الذي يؤيّدونه في سياقات أخرى.

في سياقنا هنا في إسرائيل وفي مساحة الصراع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ تشهد التيارات الثلاثة وما بينها من مجموعات صغيرة انسدادا في المشاريع والأفكار والعقائد التي لم تعد قادرة على مواجهة التحولات السياسية وليس في مستوى العمل السياسي فحسب -وهذا ليس جديدًا- بل في مستوى الفكر والتنظير والمَفهَمة. وهو تنظير قام وتطوّر على اختلاف العقائد على فهم سوسيولوجيّ وعلم- سياسي الدولة الإقليمية في صيغه الخام أو الماركسية الدوغما القائلة بالطبقات وإن تحوّل العالم مرات عديدة منذ طبع المؤسسون هذا الفكر لأول مرة. أما الارتطام بوقائع مغايرة عما هو متخيّل ـ الصهيونية انتشت وأعادت إنتاج نفسها وليس أزمتها مثلا وهي التي انتصرت على كل المشاريع العربية التي وقفت قبالتها مثلا، وأن التاريخ لا يتطور تصاعديا وأن الحق وحده لا يكفي بل بحاجة إلى مشروع  وأن الأهداف النبيلة تتطلب وسائل نبيلة، وأن الحتمية التي في النظرية لا تحصل من تلقائها، إلخ ـ هذا الارتطام بالواقع الذي يعني الإخفاق في كل المستويات دفع كل من هذه التيارات إلى فعلين مكمّلين ـ الأوّل العودة الآمنة إلى حصن الهوية باعتبارها الثابت في واقع متحوّل. وهي تعني هنا الذاكرة الجماعية (الماضي) وإعادة إنتاج الجماعة المتخيّلة دون أي مشروع سياسي يُذكر. والثاني ـ الانزياح عن العقيدة ناحية اليمين واليسار في محاولة للإمساك بحركة الزمن الهارب إلى أمام من إسار عقائدهم الأم وفرضياتها التي جمدت ولم تتحوّل. بل رأيناها تنغلق كلّما تغيّرت الدنيا وتحوّلت حولنا ليزداد الأتباعُ تمسكا بنظرياتهم خوفا من الضياع. لكن وما العمل ما دامت المراسي التي لجأوا إليها قد مالت تماما وضاعت في لُجّة البحر الغادر؟ ومما يزيد من فداحة الموقف حقيقة أن هذه النزعة النكوصية شملت كل مناحي الثقافة والإنتاج الثقافي لا سيما الأدب والشعر، أيضا. ومن هنا، أمكننا أن نفهم مثلا تلك العودة البائسة إلى شعر العروض كأنه سُدرة المنتهى أو ذروة الشعر والأدب!

أما الفعل الإضافي الناجم عن هذه الحالة الحرِجة فهو تلك العصبية الظاهرة لدى أتباع هذه العقائد حيال أي محاولة للتفكير الجديد أو المغاير تسعى إلى اختراق الحالة واستشراف ما بعدها. إذ يُبدي الدوغمائيون من كل العقائد فائض حساسية تجاه كل فكرة جديدة أو تحرّك أو خُروج عن مألوفهم في الفكر والسياسة والممارسة. وسريعا ما يقعون في فخّ التشكيك والتخوين والتشهير بكل شخص يُقدم على طرح مخرج أو فكرة بديلة لما انغلق عندهم وانسدّ وإن كانوا منفتحين في أبوابهم الداخلية على كل هارب من العقيدة الخصم. ما أن يقترب منهم شخص كهذا حتى تطير قلوبهم من الفرح لأن الأمر ـ في حالتهم الحرجة ـ يُعتبر تفنيدا للعقيدة التي هرب منها وتثبيتا لعقيدتهم. عصبيون، وهذا طبيعي بسبب من وهن العقيدة بعد سقوط الفرضيات، مرتبكون وهذا طبيعي بسبب من بُطلان المباني والأنماط والهياكل التي بنوا عليها عوالمهم، لكنهم ينزلقون سريعا إلى العُنف اللفظي والفعلي وسرعان ما يعقدون المحاكم الميدانية ويُطلقون الأحكام الجائرة ويغتالون على الهوية والأسم دون رحمة. وليس صدفة، لأن في الحالات الثلاث نرى بوضوح الحجيج إلى الهُوية وما تعنيه في مثل هذه الحالة من انغلاق وشحن انفعالي تُفضي بالضرورة إلى نزعة شوفينية يمينية في كل شيء. فالديناميكا بين التيارات في هذه الحالة هي العودة إلى مركز الهُوية المتخيّلة ومزاودة تيار على آخر في إثبات التمثيل الأصدق والأدقّ للهُوية ورؤية كل شيء من خلالها. ويكون ذلك تجاه الخارج وتجاه الداخل على حدّ سواء. وهذا ما يُفضي بالضرورة إلى تعصّب وإلى دعوة كارثية لذوبان الأفراد في المجموع والامتناع عن التميّز والاختلاف ومنع كل مغاير. في الشدّ إلى الوراء لا يُطيق الفاعلون أي حركة نفي أو استئناف أو انطلاق إلى أمام.

وهذا بالذات ما يُمكن أن يدلّنا أكثر من أي مستند عقيدي/ حزبيّ يُوضع خصيصا احتفاء بمؤتمر أو يوم دراسي على الفكرة والسلوك الإقصائيين فيما اعتقدوه  ومارسوه. وقد نكتشف أنّ أوساطا واسعة منهم لا تتعدّى كونها “طفرة” ليس إلّا أو “بِدعة” أو مجرّد هرطقة، وأنها تُفضل البقاء في عتم كهوفها بدل إجراء تلك المراجعة اللازمة. وكما قال جاك دريدا في سياق آخر: هناك أناس يفضّلون الموت على أن يُفكّروا. وبيننا أناس هنا يُفضّلون الانتحار سياسيا وأخلاقيا على أن يفكّروا خارج ما تعوّدوا عليه، وعلى أن يُمارسوا عادات سياسية غير التي استحكمت بهم وتمكّنت منهم.

0 تعليق على “عن الذين يفضّلون الموت عن التفكير!/ مرزوق الحلبي”

أضف تعليق