عظمة يا ست!/ مصطفى إغباريّة

11 يوليو 2016

روي ليختنشتاين، شروق، 1965

روي ليختنشتاين، شروق، 1965

|مصطفى إغباريّة|

- ستار لايت الأول بالبلاد.

- ششش…

- أي بلاد!

- والآن معَ السّت أُم كلثوم..

- خلي.. خلي عَلِّي!

- شششش…

- تفو!

كانَت كثافَة الأشجار كَفيلة بأن تجعل مِن البث المُتواصل أمرًا مُستحيلاً؛ المناخ هُنا بكامل شهرزاده والربيع من حولنا يتكلّم وخرير المياه يزيدني شبقًا للحياة، وحسين شاب من القرية كان عليّ ألا أَصطَحبه معي حيثُ لا مجال للحديث معه والتغطية تزدادُ سوءًا. الماكر كان يُردّد: “الله عليكِ يا ست!” كلما خرج رنينها من خلف التشابُك الإذاعيّ العَنيف، وكُلي يقين بأنه لا يطيق سماعها. كان يذمّها ويسخر منها في القهوة، لكن ما العلاقة بين السّت وصاروخ الحَشيش؟

سحبتُ مِقبض الكرْسيّ، عدّلتُها بعض الشَيء، كانت يدي تمتَد إلى رأسي بشكل لا إدراكيّ حيث تكون السَبابة أعلى رأسي والإبهام على خدي وغطت باقي أصابعي عينيّ، أتدفقُ شاعريةً حينًا وأتحوّل إلى مُفكر عميق بعض الأحيان.

الهدُوء هُنا سيّد المكان إضافة إلى هدوءٍ فكريّ مُروع يبني لي ما شئتُ من أوهام وحقيقة. كنت أتصوّر العالم بأكمله حبّة زيْتون تارة، وفسيفساء تارةً أخرى. أجِدني صامتًا في رحْلةٍ مع نفْسي إلى اللامكان حيث لا حُدود ولا معابر؛ وَحدها الحرية سيدة المكان. الأرصفة هي كما الشوارع والأبنية، الاقلام هي والأدباء والشعراء. لها نغم موسيقيّ مألوف يتربَع على عرشِها اللاهوتي يُطربني ويُنشيني؛ فأنا الآن حرّ وبصيغَة أُخرى عبد أعتق نفسه.

كانَ حسين ينظر إليّ باستهْجان مُترف ويرطن بحديث غير مسموع  لقدر بلاهته وإنحطاطه.

كانت ليونة الثمالة طريّة وعميقة تجسّد السرور في نفسي وتطبعها ابتسامة فوق شفتيّ، فيظنّ أنّي مسرور لكلامه الذي لم أعِ منه سوى شرذمة غير مفهومة. الماكر يعلم أنّي في حالة استثنائية، يحاول أن يخلق جوًّا من الحديث، لا يدرك أنّي في حالة سلطنة.

- محمود العلي وحسني السليم تقاتلوا مبيرح.

- ليه؟

- ابن محمود بلعب فطبول بالحارة شاط الطابة وكسر شباك غرفة حسني، قام حسني ضرب محمود سكين بإجرو.

- مجنون! مَهو قد أبوه.

شعرت بسيْر جيش من النمل في جسدي وتأرجح رأسي. سحبت مقبض الباب وحاولت إسناد طولي الذي بلغ ثقلاً حدّ الجمود لأُدرك الأشياء مِن حوْلي.

- أشجار…

- مياه…

- طبيعة…

- سيارة…

- شاب بجانبي…

لم أستطع أن أُرتبط بما حولي، انهارت أعصابي وصحتُ بكلّ ما أوتيت من قوة:

- من أنتَ؟

حاولت استعادة ذاتي لكن قذارة الوقعة غلبت ما كُنت عَليه مِن تيْه سلطانيّ.. اعتلتني موجة حرّ عارية نفثتْ نارًا في باطني، انحنيت للخارج وغلبني القيءُ محتدمًا في صراعه الأفيونيّ. أدركت أَنّ كلّ ما حولي تبدّد، وتجدّد كما يتبدّد الشَّعر بتجدّد الشيب في الكهولة.

مال جسدي نحو الكرسي وبدأت باستيعاب ما جرى ويجري شيئًا فشيئًا. حدجني حسين بنظرات بَله امتصت كلّ ما عمّره الحشيش فيّ. راح يرمقني بشفقة وقبل أن يتكلّم حاولت بهدوء تامّ أن أصطحبه إلى عالمي الخاصّ.

- عمرك ما شفت حدا بحشّش؟

- لأ، أول مرّه..

وأردف:

- ليه هيك صار معك؟

- كنت ميكل مجدرة (بفتور)…

كان يسترق النظر إليّ ببراعة تامّة. نظراته توحي بشيء من القلق/ الخوف- ليس مطمئنًا على أيّ حال. إيقاع أصابعه على الزجاج واهتزاز قدمه ايماءات توجب استيلاء جوّ عكر النفوذ عليه. حاولت أَن أُميت أعصابي للحظة وبادرْتُ بالقول:

- خذلك نفس.

- لأ بدّيش.

- منيح بعدل مزاجك.

- لأ الاستاذ قال إنه اللي بجرب أول مرة بصير مدمن، وسيدي بقول أوله دلع وآخره ولع.

- هاض حشيش مش كوك ولا إبر.

- بديش.

بدأت ملامحه حائرة. كان عليّ أن أُبدي له شبق التجربة وأستعيد ما هيجني لها قديمًا. عمتُ في ذكريات قديمة: حلقات الغناء وجلسات الضياع الكبير، وأكرم الذي كان يدغدغ نفسه وينفجر ضحكًا… وسليم كم كانت مضحكة حركاته. كان المشهد راسخًا في ذهني لبداعته البهلوانية. لم أستطع تماسك أطرافي، تقلّصت عيناي وبدأت أضحك بشكل هستيريّ، وبدت علامات التعجّب تنفرج في وجه حسين.

- مالك؟

كان كلامي ثقيلا بعض الشيء، يخرج من خلف الضحك. لم أستطع النطق بجملة أو حتى كلمة تصف ما حلّ بي.

- مب… هههه… ههه… سوط… خدد… ههههه بتنبسط..

نقَّل بصره مصدرًا حركات لم يدركها. تكوّر كأفعى الربيع كأنه يريد ويخشى شيئًا ما، كالأسير القابع على بلاط المسجد، يذكّرني بنفسي في البداية. كانت يدي تلتزم السكون وتهوى الامتداد لهذا الصاروخ الأسمر، كالفرخ الملازم للعشّ وعيناه تحلقان فوق الغيوم، لكنّه يخشى السقوط.

كنت أستحضر ماضيّ بشغفٍ مقارنًا بيني وبين الفرخ من جانبي، أجده يرمقني وفي لحظة خفيّة يخاطبني بلطف.

- أعطيني أجرّب (بصوت خافت).

انتشلت نفسي من عبق الذاكرة وحسنت نار الصاروخ الأسمر الملتهب… حاولت بلطف تعزيز حرارته إلى أن صار ذا كفاءة لفرخ قرويّ ساذج.

عانقته أصابعه التي كانت تستولي عليها رجّة صارمة، وأخذت شفتاه تحتضنه بحرارة القبل، وراح يتبع كلّ جرعة آهات ينفثها من سويداء قلبه. أمسكه بالابهام والسبابة وراح ينظر إليه ويقول بسرور مفعم بالحيويّة:

- زاكي بتعرف؟!

كان ينظر للطبيعة من حوله بهدوء تامّ، وكأنه يرى الأشجار والأزهار ويشمّ الهواء لأوّل مرة. كانت عيناه تتبعان أزيز نحلة بريّة فوق الزهر، يحاول بشاعريّة مرهفة وصف جمالها. يشعر بكلّ نسمة تداعب ساعديْه ووجنتيْه، وحين رآني أتتبعه قال بسذاجة:

- عادي.. مش حاسس بالسطلة…

شعرت بشيء من الشفقة عليه، ومن أجله، ولم أنبس إجلالًا للستّ:

- يا قمر ليلي.. يا ظل نهاري.. يا حبّي.. يا أيامي الهنيّة…

لا عمره كاس الفراق المرّ يسقينا

ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا

وغير شموع الفرح ما تشوف ليالينا

فاح زمرّد الستّ من خلف المذياع.. كان البثّ حينها خاليًا من الكدر. التفتّ إليه، كان يحرّك أصابعه وكأنه مايسترو محترفًا وصاح بصدق هذه المرة:

- عظمة على عظمة يا ستّ!

0 تعليق على “عظمة يا ست!/ مصطفى إغباريّة”

أضف تعليق