من لا تهمّه الحقيقة، فهو يخشى ما تُخفيه/ عنات مطر

10 مايو 2017
من مسيرة العودة في الكابري- تصوير: موقع حصاد

من مسيرة العودة في الكابري- تصوير: موقع حصاد

.

|عَنات مطر|

|ترجمة: سناء دقّة|

أشكركم على دعوتي لأتحدّث إليكم اليوم. يقولون إنّنا في عهد لم تعد تتحلّى به الحقيقة بأيّ أهميّة. ولكنّ مَن يهتمّ بإخفاء أمر ما هو الذي لا تهمّه الحقيقة، الحقيقة لا تهمّ من يخشى فقدان قوته في حال كُشفت هذه الحقيقة. نحن -المجتمع الفلسطينيّ بأسره، واليهود الذين يريدون الانضمام إليه في إقامة الدولة على أسس المساوة التامّة بين مواطنيها كلهم- نلتزم بالحقيقة، وهي الهدف الرّئيس لمسيرة المهجّرين وكافة المناسبات التي تحيي ذكرى النكبة. علينا أن نروي حكاية القرى التي مُحيَت، حكاية المدن التي أُخليت من أهلها، والمراكز الثقافيّة المدمّرة، وأشكال الحياة التي ولّت، وحكايا القتلى والجرحى واللاجئين؛ حكاية الذين سُلبت منهم أراضيهم ويسكنها الآخرون؛ الممنوعين من العودة إلى قراهم وإعادة بنائها- هذه القصص التي علينا سردها، وعلينا جميعًا أن نكافح من أجل إصلاح هذا الغبن.

إلّا أنّ الحقيقة تفيد بأنّ النكبة مستمرّة، وهي لم تنتهِ قطّ. هذا ما تبيّناه خلال العام الماضي وحملة تدمير المساكن في أم الحيران والعراقيب وقلنسوة وغور الأردن وجنوب جبال الخليل، وغيرها من الأماكن. هذه الحملة مبرمجة وممنهجة. فمنذ شهر واحد بالضبط تبنّى الكنيست القانونَ المعروف بـ “قانون كامينيتس”، والذي يسمح بتعجيل هدم المساكن ويعزّز تجريم المواطنين الفلسطينيّين الذين تفتقر بلداتهم للمخططات الهيكليّة. وبدلا من الاعتراف بسرقة الأراضي ومحاولة تصحيح ما حدث، تستمرّ إسرائيل بسياسة السلب والقمع وتعمل على تعزيزها.

الشرطة المُحرّضة

لم تعترف الدولة الصهيونيّة بمواطنيها الفلسطينيّين قطّ، لا كمواطنين ولا كفلسطينيّين. كمواطنين، يواجه الفلسطينيّون التمييز في جميع المجالات: التعليم والمحاكم والتشغيل والمواصلات العامّة والخدمات المقدّمة للمواطنين ومنح تصاريح الإقامة والمواطنة بعد الزواج، وفي توزيع الأراضي للمجالس الإقليميّة، وطبعًا في تخطيط البلدات الجديدة وبنائها. يواجه المواطنون الفلسطينيّون التمييز فيما يتعلّق بمكافحة الجرائم داخل المجتمع، وخاصةً ظاهرة قتل النساء الفظيعة. وهذا يشكّل بعدًا من أبعاد تنكّر الدولة لكون الفلسطينيّين مواطنين عليها أن تهتمّ بسلامتهم ورفاهيتهم.

زدْ على ذلك أنّ الشرطة لا تتجنّب الاهتمام بالمواطنين الفلسطينيّين فحسب، بل تحرّض عليهم وتتعامل معهم كأعداء، كما شهدنا العام الماضي، مرة تلو الأخرى، من خلال التصريحات العنصريّة لرئيس الحكومة ووزير الأمن الداخليّ والمفتش العامّ للشرطة، بما يتعلّق بموجة الحرائق وأحداث أم الحيران وقلنسوة.

وهنا نرى الوجه الآخر لرفض الدولة الاعتراف بمواطنيها الفلسطينيّين: رفضها قبول هُويّتهم وملاحقتها للحياة السياسيّة الفلسطينيّة. فحظر الجناح الشمالي للحركة الإسلاميّة، ومعها جميع الخدمات الدينيّة والرفاهيّة والتعليميّة التي تقدّمها الحركة، إلى جانب وسائل الإعلام التابعة لها، هو أشرس تعبير لهذه الممارسة. التنكيل المتكرّر بالفنّ الفلسطينيّ وجه آخر لهذه الممارسة، ولرفض الاعتراف بفلسطينيّة المجتمع الفلسطينيّ: رفض حقّه بأن يروي قصّته، ورفض تنظيم حياته الدينيّة، ورفاهية العيش والتعليم، وتطوير لغته وقيمه وثقافته. هذا هو أساس التنكيل المتكرّر بمسرح “الميدان”، والاعتقال الجنائيّ للشاعرة دارين طاطور وتقديمها للمحاكمة بتهمة التحريض وإبقائها تحت الإقامة الجبريّة لشهور طويلة بناءً على قصيدة كتبتها.

وبهذا ترتبط أيضًا ممارسة التمييز بحقّ الأسرى السياسيّين الفلسطينيّين، لا سيما بحقّ مواطني الدولة من بينهم. إضراب الأسرى عن الطعام والذي دخل يومه الـ 16 (وقت إلقاء الخطاب) يطالبنا بألّا ننسي هذه النقطة المؤلمة، هذا الجرح الذي لم يُشفَ منذ أعوام، والأسرى، الذين يقضي بعضهم نحكوميات تزيد عن الـ 30 عامًأ، ومن بينهم صديقي العزيز وليد دقة، الذي أنتظر إطلاق سراحه كلّ يوم.
نحن نعيش اليوم عهدًا بائسًا يتميّز بالترجاع بدلًا من التقدّم، ويشهد ارتفاعًا لقوّة اليمين الشعبويّ العنيف في العالم كافة، ولكن علينا ألّا نتخلّى عن أملنا، بل يجب بذل الجهود العمليّة من أجل تجسيد هذا الأمل. لذلك، أطالب اليوم، من على هذا المنبر:

لا لهدم البيوت! لا للتحريض على المجتمع الفلسطينيّ! لا للاعتقالات السياسيّة! نعم لإعادة المهجّرين! نعم لإطلاق الأسرى السياسيّين! نعم لسياسة العدل والاعتراف والمساوة!

(د. عَنات مطر مُدرّسة رفيعة في قسم الفلسفة بجامعة تل أبيب، وعضو اللجنة الإسرائيليّة من أجل الأسرى الفلسطينيّين. نُشر النصّ العبريّ في موقع سيحاه ميكوميت)

0 تعليق على “من لا تهمّه الحقيقة، فهو يخشى ما تُخفيه/ عنات مطر”

أضف تعليق