بكاء وضحك: لقاء خاص مع مها حاج، مخرجة “أمور شخصيّة”

بكاء وضحك: لقاء خاص مع مها حاج، مخرجة “أمور شخصيّة”

الحاج: الفيلم يسلط الضوء على قصص لم تأخذ حيزًا للآن في ظلّ الصراع العربيّ-الإسرائيليّ ■ إلى جانب الاحتلال والتغييب، يواجه المجتمع الفلسطيني تحديات داخلية كثيرة وأنا أومن بأهمية التشديد على إنسانية هذا المجتمع بعيدا عن التسطيح الإعلاميّ

المخرجة مها حاج

المخرجة مها حاج

|خاص بـ “قديتا|

حاز فيلم “أمور شخصيّة” الفلسطينيّ الجديد على إجماع النقاد العالميين، إذ تتوّج هذا الاجماع بالمشاركة في أغلب المهرجانات العالمية مثل “كان” و”وارسو” و”إيسلندا” و”زيورخ” و”هونج كونج” و”ساو باولو” في البرازيل، وفي الهند، ومهرجان “تورينو” في إيطاليا وبروكسل ومهرجانات اخرى حول العالم، كما تعاقد الفيلم على توزيعه في دور السينما في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وتركيا.

“أمور شخصية” فيلم ينفذ إلى قلب الواقع الفلسطيني الاجتماعي والسياسي عن طريق قضايا العائلة؛ ففيه يعيش كل جيل من بين الأجيال الثلاثة بعد النكبة أزمته الخاصة، والتي لا يملك لها حلا أو لا يقوى على حلها. تدخل الشخصيات كلها إلى مرحلة من زمن معلق ما ضائع بين الماضي والحاضر، مساحة قائمة في هذا الثبات والمراوحة في المكان المقفل، تماما كما الجدة التي لم تعد قادرة على مغادرة البيت، مساحة الأمان الوحيدة المتبقية لها.

ويقول القائمون على الفيلم إنّ “المشاهد سيكون أمام فيلم يعبّر من دون صراخ بعيدا عن هستيريا الخطاب السياسي المباشر، عن المشاعر الفلسطينية المرتبكة”.

فيلم “أمور شخصية” من إخراج مها الحاج، وبطولة عامر حليحل ودريد لداوي وميسا عبد الهادي ومحمود شواهدة وسناء شواهدة وحنان حلو وزياد بكري، ومن إنتاج مجدل للأفلام- باهر إغبارية/ إيهاب عسل.

على شرف باكورة العروض الاحتفالية في البلاد ضمن مهرجان حيفا للافلام يوم الاثنين القادم، ينفرد موقع “قديتا” بنشر هذا اللقاء الصحفي مع مخرجة الفيلم مها حاج.

- ماذا وراء الفيلم؟ ماذا أردت أن تقولي عبر الفيلم؟

“الفيلم يطمح لتقديم صورة مختلفة عن سُبُل مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الفلسطيني، وهي سُبُل مواجهة إنسانية أمام غوغائية المشهد العام وسيطرة العنف عليه. الفيلم يسلط الضوء على قصص لم تأخذ حيزًا للآن في ظلّ الصراع العربيّ- الإسرائيليّ. فالمجتمع الفلسطينيّ يواجه -إضافةً للاحتلال والتغييب- تحديات داخلية كثيرة، وأنا أومن بأهمية التشديد على إنسانية هذا المجتمع بعيدًا عن التسطيح الإعلاميّ.

“والفيلم يسعى لعرض رواية مختلفة وبديلة للرواية السائدة حول الإنسان الفلسطيني. الرواية أحادية الجانب التي تسيطر، ومفادها أنّ الفلسطينيّين شعب واقع تحت الاحتلال، فقط. الفيلم يُركِز على الأنا الانسان الذي لم يستطع الاحتلال والتغييب دثره، والذي يقول إنّ بين الصراع “أمور شخصيّة” تدفعنا للمواجهة والعيش.

“الفيلم عبارة عن أربع قصص متداخلة تحت الاحتلال، يركّز أبطالها جهودهم لتحقيق الأحلام البسيطة والأمور الشخصية. الفيلم يصف حالة الشخصيات في المجتمع الفلسطيني من خلال صراعات داخلية في ظل انتمائهم لمجموعات جيل مختلفة، الأول جيل النكبة والآخر، الجيل الثالث بعد النكبة. الجيل الاول يعيش في حياته كثيرًا من العذاب والوحدة أمّا أبناء الجيل الثالث فهم مليئون بالطاقات وحبّ الحياة. الفيلم مثل اسمه يعطي المساحة للخوض في الأمور الشخصيّة التي تسيطر على المشهد الفلسطينيّ العام، بينما يسأل: هل يستطيع أبطال الفيلم تحقيق أمورهم الشخصيّة أم فشلوا.

“لذلك، لا يوجد في الفيلم أبطال بالمعنى الكلاسيكيّ للصراع الدائر. لقد توجّهت للتركيز على العامة وغالبيّة المجتمع والشعب البسيط الذين يختلف سلم أولوياتهم عن السياسيّين وأبطال الصراع؛ هذه الشخصيات كما أبطال الفيلم التي تبلغ قمة سعادتها حين تستطيع تحقيق أحلامها ونيل أمورها الشخصيّة.”

- كيف تتواصل مها المخرجة مع الفيلم وما هي أهمّ مميزات الفيلم التي تعبر عن رؤية المخرجة؟

“للإجابة عن هذا السؤال سأقتبس كلمات الأديب الفلسطيني الرائع مريد البرغوثي: السجون وحظر التجول والحواجز والاقتحامات العسكريّة، كلها باتت أسبابًا غير كافية للشكوى والتذمّر بين الناس. هذا التعود ليس دليلا على ضعف أو عبودية بل على العكس: إنّه مؤشر على القوة. إحدى نقاط القوة عند المُضطهَد قدرته على الاستهزاء بالقويّ واستعداده وتصميمه على الردّ مهما طال الزمن. خلال كلّ فترة الصبر هذه يعيش المضطهد بكلّ حواسه شغوفًا للحياة والردّ. المُضطهَد يتمسّك بأصغر المُتع المتاحة، ولا يفوّت أيّ فرصة بأن يحب ويلهو ويزهو نفسيًّا وجسمانيًّا. المضطهَد شغوف بأحلامه حتى تلك السريّة، كما الجلية، مهما كانت غريبة ونادرة وصعبة المنال.

“الشعوب الخاضعة للاحتلال قد تكون أكثر شعوب الأرض إحساسًا من الناحية الانسانيّة، وهم أصحاب جهوزية عالية للفرح والحب على الرغم من الصورة النمطية التي رسمها الإعلام بأخبار الحروب وصور القتل والدم، المستقاة من الأفكار المسبقة. في الإعلام الكلاسيكيّ لا يعرفون شيئا عنّا، خارج إطار البيوت المدمرة وقوافل الشهداء. لا، نحن لم نختر أن نكون هكذا، وأنا في الفيلم جئت لأقول ما لم يسمعه العالم.”

- ما الذي جعل الفيلم يحوز على هذا الاجماع العالمي في المهرجانات وعند النقاد، برأيك؟

“أعتقد أنّ بساطة الفيلم وبساطة لغته هما ما جعلاه قريبًا من قلب المشاهد، وفي الوقت نفسه، عمقه وتعدّد قراءاته وتحليلاته التي أدّت إلى إعجاب النقاد به. فالفيلم يحمل الوجهين: البساطه والعمق. أمر آخر هو أنّ كلّ مشاهد أينما كان يستطيع أن يتعاطف ويتماهى مع شخصيّات الفيلم وقصصه وأحداثه، بغضّ النظر أكان فلسطينيًّا أم لا.”

- الكثيرون مّمن شاهدوا الفيلم حتى الآن قالوا إنّهم ضحكوا وبكوا في الوقت نفسه. كيف حصل ذلك؟

“الشعور ونقيضه (الضحك والبكاء) ينتجان عن الموقف كما في الحياه تمامًا. أنا لا أحبّ استدرار العواطف في الفنّ ولا أتعمّد إضحاك المشاهد أو إحزانه. نحن نرى اكتئاب الشخصيات نتيجة إحباطها ويأسها ووحدتها وحاجتها إلى الاخر، وفي الوقت نفسه نرى تعامل تلك الشخصيات المحبطة والمكتئبة مع عالمها وواقعها ومع تركيبة وتعقيد الحالة الفلسطينية، بهذه السخريّة (sarcasm)، وهو ما يثير الضحك. فالفكاهة في الفيلم هي فكاهة موجعة أو هي من فئة “شرّ البليّة ما يضحك”، إن أردتم.”

- الفيلم يثير الأسئلة ولا يعطي الأجوبة حسب النقاد. كيف تقيمين ذلك؟

“الفيلم لا يعطي الأجوبة لأني أنا أيضًا لا أملك الأجوبة على القضايا المطروحة بالفيلم، وحتى وإن كان لديّ جواب ما أو رأي، فإنّي لا أقدّمهما. الآراء والإجابات هي قضيّة خاصّة جدًا وتختلف من شخص إلى آخر، ومن قراءة إلى أخرى. أنا أومن بذكاء المشاهد واجتهاده بتحليل ما يرى، وهذه مسؤولية ملقاة على كتفه وحده وليس من حقّ أحد -المخرج أو الكاتب- أن يلقّنه ويطعمه فلسفته الخاصة ورؤيته وتحليله. هذه هي وظيفة الفن: أن يثير الأسئلة ويشير إلى الفوضى ويبرز جماليتها، من دون محاولة ترتيبها.”

.

■ شخصنة الأمور: عن فيلم “أمور شخصية” المتهم بسبب تمويله الإسرائيلي/ عامر حليحل

 

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This