النقاب والختان: سوء فهم أم حقوق بشر؟

الباكستاني البريطاني لديه مفاهيم إسلامية انقرضت في الباكستان، والمغاربي الفرنسي لديه مواصفات مختلفة عن أهله في شمال أفريقيا (تعبير مخفف) والجوامع في ألمانيا أكثر من الكنائس، والأئمة لا يملكون أيّ تخصّص في المهنة (تعبير مخفف) والمتحجبات التركيات تفوق نسبهن المتحجّبات في إسطنبول

النقاب والختان: سوء فهم أم حقوق بشر؟

niqab

| عبد الجبار عدوان |

لقد جاءت شهرة الاندلس في حينه لتميّزها بسرعة عمّا يحيطها من ظلام وجهل وتعصّب عن أطراف أوروبا. أصبحت الأندلس في أوروبا بعد الفتح الإسلامي، مثل باريس الآن مقارنة بدول عالم ثالثية. كان الإسلام منفتحاً عادلاً رجاله شرفاء يلتزمون بالكلمة ويحترمون الآخرين. وقد انفتحت البلاد على العلوم القديمة والجديدة وطوّرت غيرها، لتصبح منبعاً للعلم والفن، بينما كان أهل الفرنجة يلبسون آنذاك جلود الحيوانات.

هذا كله قابل للنقاش وأصبح في ذمة التاريخ، وصار المسلمون الآن في دولهم ودول أوروبا هم الذين يتّسمون ويتهمون بصفات التخلف والانغلاق واضطهاد الإناث، صغارًا وكبارًا. فهل نحن أمام مؤامرة، أم أنها قضية سوء فهم، أو تخلف بالفعل؟

قبل أسابيع عاد الحوار في أوروبا حول الإسلام والمسلمين حين منعت فرنسا ارتداء البرقع، ثم تجدّدت الآن قصة ختان الإناث في بريطانيا، وهذه قد تتدحرج إلى قضية يلزمها المنع القانوني والبرلماني.

لا يصعب على الاعلام الغربي العثور على مواد دسمة تبرر تصديها لقضيتي النقاب والختان، بل إنّ بريطانيا منعت قانونيًا -قبل سنوات- نقل الفتيات الصغار إلى بلادهن بغرض الختان، ولكن بالطبع يصعب تطبيق هذا القانون، إلا إذا حدثت الوفاة أو الضرر من جراء الختان داخل بريطانيا، أو عدم عودة الصغار من بلادهم الأصلية إلى البلاد التي يحملون جنسيّتها. حتى دولة مثل مصر أصبحت تحرّم الختان، فلماذا إذًا يستمرّ البعض في عمليات قطع أعضاء الإناث التناسلية ناسبين ذلك للإسلام؟

وغالبًا ما تضرّ تصرفات الأفراد بصورة الجماعة، خصوصًا إذا كان هذا الفرد يعيش في مجتمعات غريبة عنه، من دون تأقلم أو مراعاة للقوانين. أتذكّر قبل سنوات كيف تفاعلت قصة مسلم إيراني في لندن، حيث لبس الرجل يوم العيد ملابس نظيفة بيضاء مثل الجزّارين، وسحب الخاروف في الشارع إلى اقرب بالوعة، وسار أطفال الحارة خلف الخروف فرحين، ثم أخذوا يصرخون بينما الرجل يحزّ رقبة الخروف والدماء تتطاير امام عيونهم. طبعًا حضرت الشرطة ومارس أطباء نفسيون أدوارهم لعلاج الأطفال، ولم يتحدّث أحد في المنطقة أو الإعلام بإيجابية عن طرق ذبح المسلمين (للضحايا)، بل إنّ فكرة الضحية في حدّ ذاتها تعيد العقول الغربية الى قصص التضحية وذبح البشر لإرضاء الآلهة.

الفكرة ذكورية ومفادها أنّ قص تلك القطعة يقلل من شهوة الأنثى، فلا تزعج أهلها عندما تكبر ولا تخون زوجها. أي حرمان من الشهوة مع سبق الإصرار

لا يوجد إثبات علميّ يربط بين الختان وممارسة الجنس، ولا يوجد نصّ إسلامي يؤيد ذلك. الفكرة ذكورية ومفادها أنّ قص تلك القطعة يقلل من شهوة الأنثى، فلا تزعج أهلها عندما تكبر ولا تخون زوجها. أي حرمان من الشهوة مع سبق الإصرار. وهنا أيضًا يقارن العقل الأوروبي بين هذا الهدف وبين ما كان رجال أوروبا يفعلون بنسائهم في القرون الوسطى حينما يذهبون للحرب. كانوا يضعون حزام العفة ويحمل صاحبع المفتاح معه حتى يعود! إذًا، هناك مقارنات لا إرادية تطغى على العقل الأوروبي عند السّماع عن الختان، وبالطبع فالقضية الآن لها علاقة بالتعذيب واضطهاد حقوق الإناث والأطفال- كما تقول الصحف البريطانية في الأيام الأخيرة.

تتحدث جميلة في الاعلام عن تجربة الختان التي مرّت بها عندما كان سنها 12 عامًا، وتقول إنها أُخذت إلى بلدها في أجازة الصيف وهناك تعرضت للختان. قالت لها أمها: “جميلة، تعلمين أنها ستكون الليلة؟”

لم تكن الفتاة تعلم ما الذي عنته أمها بالضبط، وإن أدركت لاحقا أنّ عملية ما سُتجرى لها تلك الليلة: بتر جزء من أعضائها التناسلية. وعن تفاصيل تلك الليلة، تقول جميلة أيضًا: “دخلت غرفة الجلوس لأجد العديد من النسوة هناك. لقد أدركت في وقت لاحق فقط أنهن جئنَ بغرض الإمساك بي وتثبيتي، إذ يحضر عادة الكثير من النساء لتثبيت الفتاة في مثل تلك الحالة.”

صحيفة “أوبزيرفر” أوردت قصة الفتاة جميلة عبر تحقيق خاص تسلِّط من خلاله الضوء أيضًا على ظاهرة ختان الإناث التي لم تتوقف في بريطانيا. الأمر لا يتعلق بالاناث فقط في الدول العربية وأفريقيا وآسيا، ولكن بنات وإناث المسلمين في أوروبا يتعرضنَ لهذا الاجراء الذي يثير المجتمعات الغربية على المسلمين من جراء ما يفعلونه ببناتهم تحت اسم الدين مثل الختان أو النقاب، الذي تعتقد غالبية أوروبا أنه مفروض على الاناث من الذكور.

“20 ألف فتاة في بريطانيا مُعرَّضات لخطر بتر أعضائهنّ التناسلية”- هكذا جاء عنوان “أوبزيرفر”، وهي ليست من الصحف المصنفة ضد العرب، والتي حذرت على لسان خبراء ورجال شرطة وصحّة من انتشار الختان في بريطانيا. وتنقل الصحيفة عن بعض الخبراء تقديراتهم بأنّ ما بين 500 و2000 تلميذة مدرسة في بريطانيا يواجهنَ خطر تعرضهنَ للختان خلال الصيف الحالي وحده، إذ أنّ عائلاتهن تستغلّ العطلة المدرسية الصيفية لتنفيذ عملية “القطع” تلك، لطالما لا أحد يسأل عن سبب غياب الفتيات عن المدرسة في هذه الفترة. وفي الافتتاحية تحوّلت القضية، طبعاً، الى انتهاك لحقوق الاطفال والإناث وليست قضية مضادة للأقلية المسلمة.

في فرنسا أيضًا يُبرَّر قانون منع النقاب بأنه حماية للإناث المسلمات من استعباد الأزواج والآباء، إذ تسود القناعة بأنّ البنت لا تلبس الحجاب طوعًا، حتى ولو أقرّت بذلك لأنها تكون قد تعوّدت وترتبت من الصغر أن تعتبر وجهها عورة. وبررت وزيرة العدل القانونَ بأنه جاء لاحقاق المساواة وتحسين التعايش بين الأعراق في فرنسا وضمان الحريات. كما أنّ للاوروبيين مبررًا أمنيًا لمنع النقاب إذ لا يمكن التكهن بمن يتنكر في ذلك اللباس: أنثى أم لص أم انتحاري. وفي هذا السياق أفتى أحد مشاهير المسلمين بضرورة احترام القانون الفرنسي والقوانين في غير بلاد المسلمين، وأفتى للأنثى برفع النقاب. ويظلّ السؤال هنا: طالما يضرّ ذلك بصورة الإسلام ويضايق المسلمين، فهل من الضروري فعلا لبس النقاب في أوروبا؟ هل من الضروري سفر المتنقبات إلى بلاد تمنع التنقب؟ ثم أين أهل الفتاوى من قضية الختان قبل أن تستفحل وتصبح عورات المسلمات مادة متداولة في الإعلام الغربي وتتطلب قوانين منع، وبالتالي تفتيش على العورات، ثم صراخ عربي ومظاهرات وحرق أعلام ومقاطعة للجبنة؟

ملاحظة مثيرة تلمستها من تجربتي في أوروبا بأنّ المسلمين هناك أشدّ تعصّبًا من بقية شعبهم في بلادهم الأصلية: الباكستاني البريطاني لديه مفاهيم إسلامية انقرضت في الباكستان، والمغاربي الفرنسي لديه مواصفات مختلفة عن أهله في شمال أفريقيا (تعبير مخفف) والجوامع في ألمانيا أكثر من الكنائس، والأئمة لا يملكون أيّ تخصّص في المهنة (تعبير مخفف) والمتحجبات التركيات تفوق نسبهن المتحجّبات في إسطنبول.

هكذا، فإنّ قضيتي النقاب والختان تسايران نهج التقوقع في المجتمعات المنفتحة والتصادم معها، وتقدم على طبق من ذهب مبررات لتخوف الأمم من المسلمين، وهذا بالطبع من دون التحدث عن تصرفات العنف السياسيّ.

(الكاتب روائيّ؛www.alrawiadwan.com)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

4 تعقيبات

  1. هذا كتابي مبادئ خلق وترقي الكائنات الشامل بالتنزيل

    وهو يفتح الباب لفهم رسالة الخالق فهما صحيحا

  2. لي بحث حول المفاهيم الحقيقية للإسلام لله بعيدا عن التمذهب الذي فرق العالم الإسلامي وجعلهم إما إرهابيين وإما خانعين قابعين في الظلام.

  3. دين الإسلام تفرع إلى أديان وهمية كثيرة، وبقي الإسلام لله بعيدا عن الرسميات.

    أديان الإسلام متنافرة (عدا الإسلام لله وهو دين الفطرة لكل البشر) بعضها يأمر بالختان ذكورا وإناثا، وبعضها يأمر بختان الذكور فقط، وبعضها يأمر بالنقاب، وبعضها يأمر بتعدد الزوجات بدون قيد أوشرط، وبعضها يأمر بإعدام المرتد، وبعضها يأمر بإعدام الزانية والزاني.

  4. اتفق مع كاتب المقال فى موضوع الختان و يجب زيادة و فرض اقضى عقوبة لانه يضر انسان لكن النقاب لا لان ده حرية شخصية انا لا ادافع عن النقاب من منطلق دينى لكن من منطلق حرية فكيف يمكن لاى شخص فى العالم ان يجبرك و يضع محاذير لما ترتديه اليست تللك العبودية بعينها ؟ و الحجج جميعها واهية فكيف يا سيدى الفاضل تتظاهر النساء ضد هذا القانون و ما الفارق بين شرطة فرنسا و الشرطة الدينية الاضطهاد ليس من المممكن ان ياتى على يد لكن على يد الشعوب مثل ما حدث فى الاندلس بعد ما قامت فرنسا باستعادتها و مثل ما حدث فى الدولة الرومانية على يد الامبراطوار عندما اضطعد الشعب المسيحين و كانوا يلقوا الى الاسود و لا يعترض احد سيدى ما يحدث هو اضطهاد بالغ للمسلمين و الحجج التى تتحجج بها فرنسا واهية فلا اذكر مثلا عملية ارهابية كبيرة فى فرنسا كما ان مقولة لا نعرف من يكون خلف ذللك النقاب مقولة اجد فيها ضحالة فكرية فهل للارهابيين شكل معين هل بدون النقاب ستسقط القاعدة و اعوانها ام ان الشرطة عندهم ضعيفة و لا تريد العمل و اجبار الفتيات لم اسمع او اقرا او اشاهد عن بلاغ من من الاف الفتيات التى يجبرهن اهاليهم على ارتداء النفاب و هذه ايضا حلها سهل من الممكن ان توقع الفتاة التى تريد ارتداء على تعهد انها ليست مجبرة على ارتداءه و يوقع عليه ايضا اهلها و اذا ثبت عكس ذللك تحميها الشرطة و تفرض على اهلها تعويضا كبيرا و تزج بهم فى السجون يتهمة انتهاك حرية الغير و اتسال ايضا هل قضى الرئيس الفاضل و حكومته على جميع المشاكل التى تورق المواطن فلماذا لا تجرم الدعارة فى فرنسا اليست تللك عبودية للمراة ؟ لماذا لا تعطى حقوقا للمهاجرين و تشدد القيود على الهجرة الغير الشرعية و تصدر قانونا بمصادرة صاحب العمل الذى يوافق على ان يعمل عنده مهاجرين غير شرعيين سيدى الفاضل هناك نظرية اكتشفتها ربما الاوربى متقدم فيصنع السيارو الطائرة و الصناعات الثقيلة لكن ذللك كان على حساب احتلالهم لنا و قارتى اسيا و افريقيا اى انهم ربما متقدمين علميا لكن اخلاقيا لا اجد فرق بينهم و بين رجل الكهف او قط الشارع لاذى لا يفعل شيئا فى عطلته سوا الغاء عقله و المضاجعة و الاكل و النوم فارى انك مخدوع فيهم و ارجو للبعض ان يكفوا عن الانبها بالغرب و افكارهم و ان كل ما ياتى منهم عبقرية و نظافة فكرية و للاسف ارى ان الكثير من ابناء بلدى مصابون بعقدة و تمجيد الخواجة و هو ما يفطر قلبى

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>