عن “طه” وقصائد “الباشق”: “في رحم الذاكرة”/ ريم شريدة

عن “طه” وقصائد “الباشق”: “في رحم الذاكرة”/ ريم شريدة

بعد قرابة سبعين سنة، يأتي عامر حليحل من الجيل الثالث للنكبة ويذكّرنا بنكبة طه بنسختها الخام ويتركنا بنفس الدهشة والانفعال والحزن، فتشعر أحيانا بنوع من التماهي بين طه وعامر في نقل التجربة

عامر حليحل في مسرحية "طه"

عامر حليحل في مسرحية “طه”

.

| ريم شريدة|

خرجنا من العرض مهجرين… كلٌ يحبس دمعته لئلا يراها الآخر، اعتقادا منّا بأننا سنعود إلى لون وجهنا الطبيعيّ وكأنه عرض عابر؛ لكن في كلمة واحدة يمكن القول: “لقد حزنّا”. فقد نجح العرض في تحريك ساكن فينا.

في مونولوج مسرحيّ يقدمه الفنان عامر حليحل عن سيرة حياة الشاعر الفلسطيني طه محمد علي، لا يعطينا عامر فرصة لاستيعاب الأحداث في المسرحية حتى إنني لا أدرك كيف ينجح في سرد نكبة كاملة في نَفَسٍ واحد، من دون أن يبتلع ريقه. تراه يهلّ على عقولنا بصواريخ مشاهد التهجير: مشهد تلو الآخر… تتصاعد المشاهد وتتكثف… فنحن لا نتذكر التهجير في المسرحية… نحن نعيشه… نشعر بتفاصيل الحياة الصغيرة: بالذبابة الأولى وهي تحوم في المنطقة ومن ثم نشعر بعدم اتزان السخول عند سماع صوت في السماء؛ تسقط طيارات القصف نحو صفورية، تدمّرها، الجميع يركض خارج القرية، أمّا طه فهو الوحيد الذي يتّجه نحو بيته في القرية- ويحدث التهجير. هذا عرض حيّ، لا يتعامل مع التهجير وكأنه من الماضي.. لم تكن تجربة التهجير بذاك القرب والعمق قط؛ فللمرة الأولى تراني أختبر تجربة الجيل الأول.

إنها تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل قصة طه مؤثرة؛ فقصته كقصة أيّ لاجئ ولكن قلّة أخذت وقتها لتكتب عن كلّ ما حدث. في الكتابة شفاء حتى وإن جاءت متأخرة. بعد مرور حوالي سبعين عامًا، يجسد لنا حليحل هذا التهجير بنفس الانفعال والغضب الذي كان طه شعر به عام 1948 فتشعر وكأنّ صفورية هجرت الآن مجدّدًا.

يفرض العرض مشهدًا متكاملاً بقوّة وتناسق عناصره من الموسيقى والإلقاء والتصوير والإضاءة، ما يجعل هذا العمل خالدًا في الذاكرة

في زمن أصبحت ذكرى النكبة وحقّ العودة مجرد شعارات وكليشهات نردّدها من دون فهم عمق التجربة، يأتي طه ويُفهمنا معنى النكبة  الحقيقيّ ووقعها على حياته الشخصيّة. وفي حين أنها بالفعل نكبة جماعيّة، إلّا أنّ طه يسلّط الضوء على هجرته من جانب إنسانيّ. أبعدت النكبة طه عن صفورية ولكنها أبعدته أيضًا عن تفاصيل الحياة الطبيعيّة الأخرى: فقد كان عمره 17 عامًا، يقضي أيامه في العمل، منهمكا في محاربة فقر عائلته المدقع وتوفير لقمة عيش لهم. يحلم بأن يخطب ابنة عمه “أميرة” وبأن يصبح شاعرًا. يعود مساء إلى صفورية حيث السخول والعصافير والقمح والحصاد ترسم روح المكان. يجلس أمام ريف صفورية ويستمتع ببساطة الحياة كشاعر حالم ورجل عاشق وعدته الحياة بأن تسدل الستارعن مستقبل مشرق.

الحزن

في أحد مشاهد المسرحية، يقف قاسم، أحد أبناء صفورية، مشلولا أمام تراوما التهجير. إنه الشعور بالفقد الكامل، الفقد الذي لا يمكن تعويضه. هو ليس بألم عابر ولا بألم يجعلك أن تفكر “لا بأس، سوف تستمر بقية أوجه الحياة”. هناك خسارة ما، فقد خسر قاسم شيئا لن يعود إلى الأبد! يقول طه: ” لا الخوف من المقابر ولا الصرد ولا الكوابيس تستطيع أن تحجب حزني عنّي دقة قلب./ حزني قديم وطويل وأشيب وليس من أحزان اليوم”.

في عرض “الباشق” وهو عرض لقصائد طه عن النكبة، يقدم حليحل قصيدة كاملة موضوعها الحزن، الحزن الذي يلازمه في كافة مناحي حياته. في طبيعتنا البشريّة ترى الإنسان يميل نحو تبجيل الألم والحزن، نتلذّذ أحيانا بفعل ذلك مع أننا لا نجد تفسيرًا منطقيًّا له. هناك أيضًا نوع آخر من الألم يكاد بالأحرى أن يكون ألمًا “وظيفيًّا” نحتاج أن نمرّ به في حياتنا كي يُقلّم ويهذّب نواقصنا ويجعلنا نكبر وننضج. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ ألم طه لا يندرج تحت أيٍّ من هذه؛ فهو شعور إنساني حقيقي صادق لا يوجد منه أي مبتغى ولا يمكن فعل أيّ شي حياله لكي يشعر طه بشكل أفضل، ما يجعله محزنًا أكثرَ فأكثرَ.

ألم لحظة التهجير هو ألم مستمر لا ينتهي مثل الحداد، بل هو شعور بـ “الميلانخوليا” المستمرّة التي لا تنتهي. تتحدّث ليلى أبو اللغد وأحمد سعدي في كتابهما “النكبة: فلسطين، 1948، وإدعاءات الذاكرة”[1]، عن الفارق بين الميلانخوليا والحداد: “الحداد هو التعبيرعن الألم على شيء مفقود لفترة محدّدة والعودة إلى طبيعة الأشياء بعدها، أمّا الميلانخوليا فهي شعور مستمرّ بالفقد لا ينتهي كالشعور بفقد الوطن.”

اليمامة التي رحلت في الشتاء- يافا

اليمامة التي رحلت في الشتاء- يافا

رمزية الطيور والمكان والعودة

في المسرحيّة وفي القصائد، يكثر ذكر الطيور بدءًا من طير الباشق الحزين والعصفور الخائف حتى اليمامة التي رحلت في الشتاء، حيث ترتبط الطيور بفكرة الحركة والتنقل وبالتالي المكان والعودة. تأخذ اليمامة في الجزء الثاني من القصائد رمزيّة المكان إذ يتعامل طه مع اليمامة كعنصر مهمّ من المكان وكجزءٍ لا يتجزّأ من معالم قريته صفورية، ويغدو رحيل اليمامة وكأنه يرمز إلى رحيل طه بشكل من الأشكال:

“عندما يرحل أحباؤنا كما رحلتِ تبدأ في داخلنا هجرة لا تنتهي

ويحيا معنا يقين بأنّ كلّ ما هو جميل فينا ومن حولنا، يرحل، يغادر، يبتعد ولا يعود”

لقد سُلخ طه عن عناصر المكان، عن اليمامة التي رحلت عن صفورية، عن أشجارها وأزهارها، فينتحب لهجرة اليمامة التي تغلغل ألم الترحيل إليها أيضًا. والمثير في هذه العلاقة هو مدى تبادليّتها إذ أنّ اليمامة  تلتحم مع طه وتتّحد مع المكان وتبكي عمق غربتها. فإذا ما رأت اليمامة أصحاب أهل القرية مجدّدًا فستعرفهم وتبكي: “حزننا سيدلّها علينا- انتظارنا سيدلّها علينا- ستعرفنا وتبكي”. سوف تستدلّ عليهم من حزنهم لأنها جزء من هذا المكان وتعرف ما حلّ به.

وفي بعد رمزي آخر، يصف طه اليمامة بأميرة حبيبته التي رحلت يوم النكبة إلى مخيم نهر البارد. فرحيل أميرة شكّلَ حزنا رئيسا بالنسبة لطه، تلك المحبوبة التي رسم معها أبهى صورة لمستقبله، الفتاة التي أحبها وأراد تزوجها، حلمه الجميل ها هو يتهدّم أمام عينيه ويندثر.

الحزن على الحزن

حدثت النكبة قبل قرابة السبعين عاما وكلنا “يعرف” أو “يُخيّل له أنه يعرف” بشعور المنتكبين من الجيل الأول. نعم، قد خُطَتْ بعض الأسطرعن أحداث وحقائق التهجير، لكن قلّما وُجد في الرواية الأدبية الفلسطينية ما يعبّر عن التجربة الإنسانية التي مرّ بها الفلسطينيون المهجرون آنذاك.

في الحقيقة، يطغى شعور الصدمة على الحزن عند الحديث عن النكبة، ويقول طه: “نحن لم نبكِ ساعة الوداع، فلدينا لم يكن وقت ولا دمع،”، حيث استغرقت هذه الترواما عقودا طويلة حتى تمكّن طه من الكتابة عنها. وبعد قرابة سبعين سنة، يأتي عامر حليحل من الجيل الثالث للنكبة ويذكّرنا بنكبة طه بنسختها الخام ويتركنا بنفس الدهشة والانفعال والحزن، فتشعر أحيانا بنوع من التماهي بين طه وعامر في نقل التجربة.

إنه الزمن إذًا ما يجعلنا نحزن على هذا الحزن؛ فعلى الرغم من مرور كلّ هذا الوقت إلا أنّنا عالقون في هذا الشجن حتى الآن، وكأننا في آلة تجميد للزمن وتجميد الذاكرة، التي ما تزال حيّة.

اغتراب المكان

ما يثير الحسرة في نفس طه هو أنه حتى بعد عودته إلى قريته لم يعد أيّ شيء مثلما كان. تمكّن طه وقلة قليلة من المهجرين في لبنان من العودة إلى فلسطين، وعندما عاد إلى صفورية لم يتعرف عليها كما تركها:

“الأرض خائنة

الأرض لا تحفظ الودّ

الأرض لا تؤتمن.

الأرض تلقم خصرها لكل وافد والثرى يضيق بنا.”

هذا الاغتراب في المكان لا يقتصرعلى عودة الجسد بل على عودة المعنى؛ فالصورة التي رسمها طه في صفورية ببساطتها وريفها الجميل اندثرت، وأحلامه مع حبيبته أميرة تلاشت. هذا هو المكان الطبيعيّ الذي يُعرّف كينونة طه وقد سلخوه عنه رغما عنه.

إذًا، تضع النكبة طه أمام سؤال وجوديّ يتأرجح عبثا في التصالح معه لستّين عامًا، فقد خسر معنى الوجود. لذلك، نرى طه يعود إلى أصول الأشياء ويحنّ إلى بساطة الوجود وإلى حقيقة الأمور كما عهدها قبل النكبة، بعيدًا عن إنتاجات الحداثة وتعقيدات هذا العصر:

“لقد استغرقت الستين سنة كاملة حتى أدركتُ أنّ الماء ألذّ الأشربة

وأنّ الخبز من الأطعمة أشهاها

وأنّ لا قيمة حقيقة لأيّ فنٍّ

إلا إذا أدخل البهجة إلى قلب الإنسان.”

صمت المعنى

ينتهي العرض ويصبح الجمهورعاجزًا عن الكلام. تسألني صديقتي بجانبي: “كيف كان العرض؟”، وأنا لا أقوى على الإجابة. أنظر إلى عيون الحاضرين وهم يهمّون بمغادرة القاعة، كلٌ غارق في صمته. هنا يصل المسرح ذروته وتصل اللغة إلى أقصى حدودها ويخرج المعنى من حدود الكلمات. هنا يحدث الصمت، إنه صمت الصدمة، صمت إدراك ما حدث، وأخيرا صمت المعنى: الحزن.

أخيرًا، أرى هذا العرض خالدًا لأنّه حقيقيّ وواضح. لقد شاهدت عرض القصائد على  الموقع  الإلكتروني “يوتيوب”، والمدهش في ذلك أنك تخرج منه بنفس المشاعر التي تشعرها في عرض مسرحية “طه”. هناك حقيقة واحدة وتجربة إنسانية واضحة يريد أن ينقلها هذا العرض، لا تتأثر بالحضور الجسديّ أو الإلكتروني. يفرض العرض مشهدًا متكاملاً بقوّة وتناسق عناصره من الموسيقى والإلقاء والتصوير والإضاءة، ما يجعل هذا العمل خالدًا في الذاكرة. 


[1] SA’DI, AHMAD H., and LILA ABU-LUGHOD, eds. Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory. Columbia UP, 2007. Web.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>