نهاية أسبوع/ إياد برغوثي

29 أغسطس 2011

|إياد برغوثي|

سنورية

بورتريه: سنورية

انتصف الليل ولم تعد سنورية إلى البيت، قلقنا عليها، أجلّنا النوم قليلا علّها تدخل كعادتها من باب الصالون تمشي الهوينة متجاهلة وجودنا بكبريائها النمري، لتجلس كأبي الهول قرب طاولة الأكل منتظرة أن نمشي باتجاهها لتدور حول أرجلنا تبحث عن حنان افتقدته.

أعرف سنورية منذ كان قطة صغيرة، وجدها صديقي وجاري في بستان الباشا قرب قلعة عكا، وقد تاهت عن أمها بعد أيام قليلة من ولادتها، رقّ قلبه لها وأخذها إلى البيت، اعتنى بها هو وزوجته عناية خاصة، أرضعوها بقنينة حليب جدّ صغيرة، ودللوها خير دلال، كنت كلما زرتهم أحييها من بعيد “شو يا سنورية!”، فأنا لست من مداعبي ومربيي الحيوانات الأليفة، بالكاد أتحمّل البشر، أحبّ الحيوانات من بعيد لبعيد وطبعًا لا أؤذيها، وهنا لا بدّ أن ألوم أمي العزيزة التي طردت كل جرو حاولت تربيته (حتى جرو كلب “الذئب الألماني الأصيل” الذي أحضره أبي لي، بعد إلحاح، لم يصمد أكثر من ليلة)، فأصبح الجفاء بيني وبين الحيوانات حاجزًا يبعدني عنهم.

رأيت سنورية تكبر، وأذكر حينما اكتشفنا أنّها حامل وكيف ضحكنا من توعّد صديقنا للقطّ الذي هتك العرض وضحك على قطته المراهقة الساذجة، وأذكر عندما اقترب موعد الولادة أحضرت زوجتي كرتونة كبيرة لتكون غرفة ولادة عصرية لسنورية، وبعد دقائق قليلة ولدت، وكانت هذه أول مرة أشهد فيها ولادة كائن حيّ ببث حيّ، رأيتها بعد ذلك اليوم ترضع أولادها ال”هيبر أكتيف”، حتى ملّت منهم وأرادت الانفصال عنهم وبدأت تنفر فيهم بسبب أو بدون سبب.

أصبحت سنورية متشردة بعدما اضطر أصحابها ترك البيت منذ شهر، فأمّها البشرية ذهبت إلى الناصرة لتلد قبل الموعد طفلة في غاية الجمال. طبعًا، لم تنصب سنورية خيم احتجاج في شارع صلاح الدين ولم تقم باقتحام مكاتب شركة “عميدار” مع أولادها تطالب بسكن شعبي، بقيت حزينة قرب الدرج تبعد أولادها عنها.

عدت إلى البيت، قبل أسابيع، ووجدت سنورية “تكسدر” فيه على راحتها، وفي زاوية المطبخ صحن فيه أكل قطط بني، نظرت إليّ زوجتي مستفزة ما تبقى فيّ من شفقة، وبعدما وضعت حقيبتي الصغيرة على الطاولة قلت “بس بدون أولادها، بديش أعمل جنينة حيوانات هون”.

انتصف الليل ولم تعد سنورية حتى الآن.

غالبني النعاس، وقبل أن أرفع يدايّ “المتجبّدة” مستسلمًا له، دخلت سنورية بعنجهية النمور دون أدنى شعور بالذنب ولم تنظر حتى نحونا، “وين كاينة لإسا؟ آخر مرة بتتأخري هيك، فاهمة؟”، “ميياو” أجابتني وركضت نحو الصحن في زاوية المطبخ.

 ■

البروة

البروة.. لكن قولوا أنها كفر ياسيف

رغم الاحتمال الضئيل بإجراء العملية، كونها قد تجاوزت التسعين عامًا، إلا أن الأطباء في مستشفى نهاريا قررّوا تجبير الكسر المؤلم في حوض جدّة إيهاب، لكنهم اشترطوا إجراءها بفحص القدرات العقلية لهذه العجوز النحيفة القوية.

سألوا عن اسمها فأجابتهم، عن عمرها فأجابت أيضًا، لكنها عندما سألوها “من أي أنت؟” قالت “البروة”، سألوها مجددًا فكررت الجواب نفسه بثقة. أحاطها أبناؤها وبناتها وأحفادها يستحلفون الخالق بأن تجيبهم أنها من كفر ياسيف مثلما هو مكتوب في الأوراق الرسمية، فلم يجد رجاءهم نفعًا.

أعادوها إلى البيت، كان ألم الكسر قاسيًا جدًا لا يحتمل الانتظار، قال الأطباء أنها في حال لم تغيّر جوابها فسيكونون بحاجة إلى تعيين قيّم عليها، وهذه إجراءات تحتاج إلى أيام ومستندات.

لم تعرف العائلة ماذا عليها أن تفعل كي تنقذ الجدّة، التي لم تفت السنين في عضدها ولم تقلل من نشاطها، كان من الصعب أن تقتنع، عامة، بالتسويات المتخاذلة، ولم تكن ترضى إلا بكلمة الحق، وما يصح إلا الصحيح “يا بنيي”.

اقترب منها حفيدها إيهاب، وجلس قربها “شو رايك ستي، اذا منوعدك كلنا إنه إذا مشيتيها هالمرة، وقولتيلهن كفر ياسيف، منصير نجاوب كل واحد بسألنا من وين إنت؟ منقوله من البروة، وأكيد ساعتها راح يسأل قصدي وين ساكن؟ ساعتها منقله كفر ياسيف، بدنا اتضلك حدنا ستي!”، فسألته “وعد؟”، “وعد” أجاب، “طول عمرك مسحوب من لسانك، طالع لجدك الله يرحمه، كان يضحك علي بكلمتين!”.

اصطحبها إلى المستشفى، وأجابتهم “كفر ياسيف” وغمزته، نجحت العملية، وعادت بعد أسبوعين تمشي بخفتها المعهودة، كأن الكسر لم يكن، وأصبح سؤال “من وين إنت؟” تعليق العائلة ردًا على كل سؤال زائد عن الحاجة.

 ■

الإيدمي

حتى لو كنت آخر ميكانيكي بالعالم..

بعد دقائق من مغادرته المكتب وتأكيدنا على لقاءٍ قريب، رأيته اسمه يومض على شاشة هاتفي النقّال، “طلّع هاي السيارة مش قابلة تدور، شكلها خربانة بقولي صاحب الكراج إنه شكله راح راس الماطور، قلّي أخليها عنده الليلة ونرجع بعدين ناخدها، والله طلع إيدمي هلزلمي”، بالصدفة، كان أحد أقربائه قريبًا من المكان فاصطحبه معه إلى قريتهما القريبة، “أقل ما فيها، توصيلة” قال متمسكًا كعادته بهامش الحظ.

دار محرّك سيارتي “على النقرة”، خفت لوهلة من عدوى “الستارتر”، ومررت بعدما خرجت من البوابة الكهربائية الرمادية لمصف العمارة أمام سيارة الصديق البيجو البيضاء الرشيقة، كانت تنتظر موعد عمليتها لتعود إلى حياتها الطبيعية تسرح وتمرح على طلعات الجليل ونزلاته، تمنيت لها الشفاء العاجل وللصديق المبلغ غير الهائل، طمئنت نفسي “الزلمي طلع إيدمي”.

التقيته بعد يومين، لم أسأله عن حاله، بل استفسرت عن أخبار السيارة وصحتها، “لو تعرف شو صار معي”، قال وابتسم محركًا رأسه وكاظمًاشفتيه خائب الأمل، فقد اتصل في ذلك المساء مع صاحب الكراج الإيدمي، قال إنه تبيّن أن المشكلة بالأساس هي حزام التايمينج” وإنه سيعطيه سعرًا خاصًا، الحزاب وتركيبه فقط 800 شاقل! لم يستوعب صديقنا المبلغ المبالغ فيه، اتصل واستفسر من الأقارب الملطخين في شحمة السيارات والنائمين تحت محركاتها ساعات طويلة من يومهم ومن تجار القطع المحترفين في تفاصيل الأورجينال و”المزوياف بس منيح”، أقصى مبلغ وصل إلي لحزام التايمينج كان 80 شاقل! وعرف أن تصليحه لا يحتاج من الوقت أكثر من 10 دقائق!

طلب صديقنا من صديقه أن يصطحبه إلى الكراج، استمتع في بهدلة الزلمي الإيدمي، قال له مثلًا “لو سكرت كل كراجات العالم واغتالوا كل الميكانيكيه، وكان لازم أصلح السيارة عشان أنقذ ولادي من الموت مش راح أرجع لعندك!”، حاول الإيدمي أن يكذب مرات أخرى ليبرر نفسه لكن صديقنا “دقّر له” ولاحق العيّار لباب الدار. عاد صديقنا إلى بيته بسيارته شاعرًا أن كأسد البيجو الشامخ في قلب المقود، يردد رزمة الأسئلة التربوية التي بهدل فيها الميكانيكي: “ليش الجشع؟ ليش الطمع؟ ليش الكذب؟ ليش استهبال العالم؟ كمان في نص رمضان؟ يا عيب الشوم”، وزمّر فرحًا!

 (نشرت هذه النصوص أيضًا في زاوية إياد برغوثي الأسبوعية “نهاية أسبوع” في صحيفة “فصل المقال”)

1 تعليق على “نهاية أسبوع/ إياد برغوثي”

  1. جميل قال / قالت:

    أدب جميل وخفيف ظل

أضف تعليق