القناع/ أحمد حمدان

القناع/ أحمد حمدان

بأيّ حقّ سيواجه زوجته؟ كيف سيقول لها أنّه قد ضبطها في ذاك المكان؟ ففي ذلك اعتراف بأنّه كان هو كذلك هناك، سيبدو لها كمن امتنع عن زوجته سنوات طوال ووفّر لذّاته لتلك العاهرات هناك. كيف سيقنعها أنّه كان هناك من أجلها؟ ستبدو حججه واهنة وسخيفة، بالحقيقة، ستكون سخيفة لكل شخص لم يذق مرارة ما ذاقه من فقدان رجولته.

masks

| أحمد حمدان |

كان يجلس في سيّارته يراقب من خلف الزجاج الأماميّ ذٰلك المطر الذي ينهمر مدرارًا حينما حسم قراره الوضيع، بعد ما تفوّق توقه إلى المجهول وحبّه لزوجته على ضميره وأخلاقه، بعد صراع طويل دام بينهما.

كان قد ركن سيّارته قبالة المبنى الرماديّ الشاحب الذي سيقصده بعد قليل. هذا المبنى يوحي للمتمعن من الخارج بشؤم عظيم؛ كأنّ لا حياة فيه، وكأن الحياة كانت قد نسيت أن تطرق أبوابه في غفلة منها. إلّا أن ذلك المبنى مليء بالحياة والمتعة في داخله، مليء إلى حدّ لا يوصف.

تحفّز للخروج من سيّارته، فوضع القناع على وجهه خشية أن يقع في فخّ الفضيحة، واستذكر ذٰلك الحوار الذي كان سبب تواجده الآن في هذا المكان، حينما استرق السمع إلى رجلين في غاية من الأناقة، أحدهما قد اشتعل رأسه شيبًا وملأت وجهه التجاعيد، كانا قد جلسا بالقرب منه في المقهى:

- أنستطيع التحدّث هنا؟

- نعم

- وماذا عن هذا الرجل الذي يجلس بالقرب منّا؟ ألست قلقًا حيال ذٰلك؟

- لا تقلق، لن يفهم حديثنا، فهو ليس من هنا

- وما أدراك؟

- لقد كان جالسًا هنا البارحة مع زوجته وقد خاطبا النادلة بالإنجليزيّة، وكلّما بعضهما بالإنجليزيّة

- آها، إذًا تفضّل، فأنا لم أحسم قراري بعد، وأظن بأني خائف بعض الشيء

- ممّ تخاف؟

- هناك الكثير من الأشياء. فأنا أخاف، مثلًا، أن يلاحظ وجودي أحدٌ ما يعرفني، فيفضحني أمام عامة الناس. كما أخاف من إدمان هٰذا المكان، فأهمل زوجتي وتتعوّد رجلاي على المجيء إلى هنا كلّما اشتدّت حاجتي الجنسيّة، فتلاحظ هي ذٰلك وتبدأ شكوكها، والأهمّ من ذٰلك هو أنني أحبّ زوجتي، وأحترمها، ولا أريد خيانتها، ثمّ إنّها تكفيني بل ويزيد، فهي أكثر من يعرفني ويدرك نقاط ضعفي وقوّتي وكيفيّة إمتاعي، لذٰلك فهي أفضل من تشبع رغباتي وحاجاتي وغرائزي، فما حاجتي وما الفائدة من ارتياد هذا المبنى؟ وهذه النساء؟ ثمَّ أن الأمر برمّته حقير جدًا، كيف لي أن أدفع بعض الأموال لقاء مضاجعة فتاة ما؟ ألست ترى في ذٰلك مقدارًا عظيمًا من الوضاعة والانحطاط؟ ثمّ أنَّ المكان نفسه في نهاية الأمر بيت دعارة.

- حَسنًا.. هوّن عليك، ودعنا نعيد ترتيب الأمور.. أولًا، لا داعي للخوف، فجميع من قد تصادفه في المبنى من نساء ورجال وحرّاس وبوّابين سيكونون مقنّعين، وبالتالي، عليك أن تدخل المبنى والقناع على وجهك، فلن يتعرّف عليك أحدهم ولن تتعرّف على أحد… هذا قانون أساسيّ لدخول المكان، وإن خالفته، فليس هناك من ملام غيرك، فسيتعرّف عليك من يعرفك، ومن ثمّ أنت تعرف جيّدًا ما سيحدث.

أصبحت قضيّة العار والفضيحة منتهية، بفضل القناع، لننتقل للنقطة الثانية: زوجتك…

اسمعني جيّدًا، إيّاك أن تحسب نفسك الشخص الوحيد الذي يحب زوجته، فكلّنا نحب زوجاتنا، وأنا أيضًا أحبّ زوجتي حدّ الجنون، قد يبدو لك ما سأقوله الآن نوعًا من السخافة، لكن حاول أن تصغي جيّدًا:

أنا أفعل هٰذا من أجل زوجتي، ولأنّي أحبّها، ما يعني أنّ الأمر برمّته ليس بخيانة، على عكس المتوقّع تمامًا، فكلّما قصدت ذٰلك المكان، عدت إلى زوجتي ملتهبًا مستفحلًا أتشوّق لمشاركتها الفراش، فأضاجعها كما لم أفعل قط، كأنّها المرّة الأولى، كأنّي لم أعتد ذٰلك طوال سنواتي الماضية.

هٰذا ما يترك فيها نشوة لم تعرف لها مثيل، تبقيها فرحة راضية، فأرى في وجهها صفاءً ناصعًا ورضًا حقيقيًا؛ ما يبقيها في حال يستحيل فيها عليها الشكّ بتاتًا، فما الذي تراه يستدعي الشكّ إذًا؟ فهي الآن تراني أشتهيها مثلما لم أفعل من قبل، وأشبعها حدّ الثمالة، وأرضيها أشدّ الرضى.

ولا داعي لأن تقلق من إهمالك لزوجتك، فإذا كنت فعلًا تحبّها، فلن تهملها، بل إنّك ستقصد هذا المكان فقط من أجلها، فقط من أجل زيادة المتعة والنهم بينكما، لا لإشباع رغباتك وحاجاتك الجنسيّة، بل لشحنها.

ثق بي يا صديقي، إنّ هذا المكان يلائم أولئك الرجال الذين يحبّون زوجاتهم.

أمّا القضيّة الثالثة، وهي أنّ زوجتك تكفيك متعةً ولذّة. قل لي إذن، ما الذي سيضمن لك بقاء الاكتفاء والرضا مستقبلًا؟ ألا تخاف من أن يصبح الأمر روتينيًا، ومملًا إلى حد السقم؟ ولماذا تحسب نفسك بلغت من المتعة أقصاها؟ ألست باحثًا عن السعادة القصوى؟ أستطيع أن أضمن لك من المتعة مع زوجتك أضعاف ما تأخذه الآن إذا قصدت ذلك المكان.

ثم فلنفرض أن زوجتك تكفيك متعة، من قال لك إنّك تكفيها؟ أنت تعلم أن المرأة سرٌ منطوٍ على نفسه، فهي لن تبوح لك بأنّها غير راضية، ألا تخشى أن تجبرها أنانيّتك ولامبالاتك على البحث عن الاكتفاء بعيدًا عنك؟

إنّ المرأة يا صديقي سرٌ دفين، قد تفني حياتك باحثًا عنه وتفشل في سبر غوره، فهذه معركة خاسرة بالتأكيد. فسرّ المرأة وما تشتهيه ويعجبها هو عالم شاسع جدًا، وكلّما نجحت في الكشف عن إحدى خباياه تطلّ منها على خبايا أكثر غموضًا لم تكتشفها بعد، لكن تلك الفتيات المقنّعات في ذاك المكان سيكشفن لك خبايا المرأة وأسرارها كلّها، ومواضع وكيفيّة شغفها، وسيعلّمنك طريقة استثارة حسّها ورهفها، وإيقاظ كلّ حواسها، فإنّ تلك الأقنعة التي تفصل بينكم ذات قدرة عظيمة، فبرغم أنّها تخفي أهم تفاصيل المرأة تحتها، أي وجهها، وهويّتها، إلّا أنّها تكشف سرّها الأعظم، فهي تحطّم كل الحواجز والعقائد البشريّة، وتمحو كل التمنّع والاستكبار عن الملذّات، جاعلة المرأة عبدة خاشعة لملذّاتها وشهواتها، فتتحوّل إلى حيوان غرائزيّ عار من العقل والضوابط تقوده رغباته الجنسيّة التي حاول كتمها ولجمها سنين طوال، وسيضئن لك جانباً آخر من الأنوثة كان قد خفي عنكَ، فتعود إلى زوجتك التي تحب محمّلًا بهذا الكمّ الهائل من الاكتشافات لتكسب إعجابها ولتشبع رغباتها الملتهبة.

إن للنساء المقنّعات هناك قدرة هائلة ومطلقة على شحنك وإلهابك حتّى لو كنت مخصيًا، فهنّ جائعات، بل يتضوّرنَ جوعًا جنسيًا، إنَّ لهذا الجوع حاسّة شم مرهفة، من النوع الذي يخترق كل الحواجز، كحاسّة الشم عند الكلاب، فيكتشف كيفيّة إلهابك بطريقة قد تكون خفيت عليك أنت. انظر إليَّ، فها أنا قد شارفت على السبعين عامًا إلّا أنّي لا أزال في الفراش كما كنت في الثلاثينيّات من عمري.

أما بالنسبة لوضاعة الأمر برمّته، فلن أخوض معك جدالًا في الأخلاق، فالأخلاق أمور بشريّة، وبفضل القناع فإننا معفيّون عن هذه الأمور، لكن ما عليك إلّا أن تقيسها بهذا الشكل: أتوافق على بعض الحقارات أو لنسمّها أثمانًا مقابل رضاء وكسب زوجتك التي تحب طوال حياتك؟

ثم إنّ النساء هناك لسن عاهرات، بل نساء جئن بهدف إشباع رغباتهنّ وتعويض نقصهنّ، لا لتقاضي المال.

هذه المحادثة التي لا زالت تقرع ذهنه محدثة ضجيجًا مزعجًا منذ تلك اللحظة، هذه المحادثة التي قضّت مضجعه وسلبت نومه وأطالت ليله وسرقت ذهنه وبدأت تظهر له في كل مكان حتّى استحوذت على عالمه، في يقظته وفي نومه…، فهو لم يعد يذكر متى كانت المرّة الأخيرة التي شارك فيها لذّة الفراش مع زوجته. لقد مرّ زمن طويل على ذلك، ولم يعد يرى زوجته وهي تمتصّ آخر قطرات اللذّة على سريرها حتّى بالأحلام. فقد كانت الأيّام كأنّما هي غبار تترسّب ذرّاته الناعمة فوق ذاكرته، فتغبر هذا المشهد الذي بدأ بالتلاشي شيئًا فشيئًا، تمامًا كما تلاشت رجولته شيئًا فشيئًا مع توالي الأيّام حتى اختفت، فهو الآن -عمليًا- لا فرق بينه وبين خصيّ بحق، وإن شارك زوجته الفراش فيشاركها فقط في سبيل النوم، بل إنّ خجله وحياءه من مظهر زوجته التي كانت تفني جهودًا مريرة وساعات طوال في الليالي محاولةً إيقاظ حسّه الرجوليّ بشتّى الطرق بلا فائدة كان قد دفعه في السنة الأخيرة للنوم على الأريكة في غرفة الاستقبال، ليتجنّب رؤية عاره يتجلّى في مظهر زوجته التي كانت ترتمي بعد الإنهاك من محاولاتها البائسة، حتّى بعد استعمال بعض أنواع الحبوب الكيميائيّة المخصّصة.

كان، على الرغم من صعوبة الموقف، أسهل عليه أن يختلق الأعذار السخيفة لزوجته التي تحبّه جدًا، ذرائع وأعذار يتمترس خلفها لينام على الأريكة، على أن يراها بتلك الحال الوضيعة حين يشاركها الفراش.

كانت هذه المحادثة، رغم كل ما تتضمنّه من حقارة ووضاعة، كحبل الإنقاذ لحياته، ليس لحياته الزوجيّة فحسب، بل لمجمل حياته، وحياة زوجته. فقد آل به المآل إلى أن يفقد ثقته بنفسه كليًا، ويبدو ضعيفًا، أمام نفسه وأمام زوجته، حتّى أمام زملائه في العمل وبين الناس عامة، فقد سيطر على كيانه الشعور بالعجز وطغى عليه شعور الدونيّة، يتحدّث مع الناس وكأنّه أدنى منهم قدرًا وشأنًا.

حاول جدًا حلّ ومعرفة سرّ هذا الشلل الذي ضربه تدريجيًا بين قدميه، ولم يبق طبيبًا إلّا وزاره، لكن استغرابه كان يزداد مع كل إجابة يتلقّاها: ما من عطب، أنت بخير.

لم تترك له الحياة والصدفة مجالاً للشكّ في أنّه فقد انجذابه نحو زوجته لسبب ما يجهله، وأصابه الملل، حتّى فقد الشهيّة والشغف. وليس لانعدام جمال وأنوثة زوجته الإيرلنديّة، فهي عكس ذلك تمامًا، وأصبح لا يجامع زوجته إلّا تلبية للواجب. ومع مرور الوقت، لم يعد الجنس بينه وبين زوجته مغامرة ممتعة؛ ما انعكس على رجولته، ففقد جزءا كبيرًا منها، فبدأت تساوره الشكوك والثقة بالنفس، فزاد ذلك الطين بلّة ودفعه نحو الهاوية، نحو العجز… نحو الشلل.

والآن.. مرّت عدّة سنوات منذ أن فقد رجولته. لقد عاش الذلّ يومًا وراء يوم وساعة إثر ساعة. سنوات طوال وهو يحاول أن يقبل الأمور. وكلّما خطر بباله شيء ما يتعلّق بزوجته، أحسّ بألم كريه يغوص بين فخذيه.

وهو، الآن بقراره هٰذا، يعطي زوجته فرصة لترميم أنوثتها المتهدّمة باكتشاف مفاتنها أكثر، عن طريق نساء أخريات.

خرج من سيّارته مقنّعًا قاصدًا المدخل الرئيسيّ، متسلّحًا بالمحادثة التي سمعها، وبسلاح آخر، وهو سلاح الضرورة، فالضرورة هي السلاح الأمضى…

بعدما أومأ له البوّاب المقنّع، اجتاز المدخل الرئيسيّ، وأحسّ بغربة شديدة. في الحقيقة لم تكن غربة، بل ألفة، ثمّة شيء مألوف، رائحة مألوفة، لم يجتهد كثيرًا كي ينجح بإقناع نفسه بتجاهلها، فهو الآن في مهمّة غاية من الأهميّة، وعليه أن يتجاوز كل العقبات والعوائق لأجل كسب حياته، وحياة زوجته، وليشفي غليلها، وليحافظ عليها، وباجتيازه مدخل هذا المكان يكون قد تجاوز أصعبها حتّى الآن، وهو الحاجز الأخلاقيّ، والعائق الضميريّ، بعد أن وضع مقدار الحقارة والوضاعة بجهة الأثمان، مقابل ما سيجنيه من هذه المهمّة المشؤومة في جهة المكاسب، وقد فاقت المكاسب الأثمان.

توجّه الى الغرفة 17 بعد أن أعلمته الموظّفة المقنّعة في غرفة الاستقبال بأن تلك الغرفة في آخر الرواق شاغرة، تقدّم وصدى خطواته الثقيلة المترددة تعبر الرواق الحجريّ الكامد، كأنّها تعتزم بالرغم منه العودة والخروج من هذا المكان، لكن الضرورة أقوى من التردد والخوف.

دخل الغرفة، كانت تنتظره مقنّعة عارية مرميّة على السرير كجثّة هامدةً تتأوّه، بدت من عالم آخر، ورائحة عطرها تعبق في أرجاء المكان، رائحة إذا تنشّقتها ماجت في جبينك ثمّ انهالت مهوّمة في عروقك، نادته مستغيثة مستنجدة أن يطفئ لهيبها. فملأ صدى صوتها المرتدّ من جدران الغرفة المكان، ورنّ صوتها الجميل في رأسه، فانزلقت رعشة من حلقه إلى قلبه، فنبض بلا هوادة كأنّما قد صعق وانبعث الى الحياة من جديد، وأخذ يخفق بعنف حتّى كاد يسمع دقّاته في السكون المتوتّر، يخفق بعنف حتّى كاد يسمع صوته يدوي وسط السكون المطبق الذي خيّم بعد استغاثتها، وانبعثت الحياة من جديد بين قدميه من العدم، فهرع نحوها مسرعًا كالمنقضّ على فريسته.

كان جسدها معمدًا بأساطين الزبرجد والجزع والياقوت، صافيًا نضجًا وطريًا، وضع كفّيه فوق نهديّها فأخذت تنتفض وأغمض عينيه وهو يمتص، ذلك التيار الغريب الذي أخذ ينضح في راحتيه من داخل صدرها ويسير في جسده كشحنة اللذّة…

لقد اقتحهمها بعد أن صرخت به حين بلغت التأوّهات أعظمها: كفاك انتظارًا فقد فقدت صبري…

فلم يتوان برهة في تلبية مطلبها، وهي تحاول جاهدة تمثيل بعض المقاومة، فكان الجسد المثير وهو يضج بالمقاومة الأكثر إثارة.

لقد استسلمت له، وقد مكّنه استسلامها من امتلاكها، وبعد حين من الزمان اهتزّا تحت الجلد، وأصابته لذّة غريبة عليه، لم يكن يعرف مذاقها منذ زمن طويل، وبدأت هي كذلك تتشنّج، لقد طحنتها اللذّة.

كانت لحظة عائمة فوق أمواج المغامرة المثيرة، فقد حطّمت بروده، وجعلت من حياته الجنسيّة مثيرة أكثر.

خرج من ذلك المكان مسكونًا بإحساس الاستعجال ممتلئًا رغبة لم يعرف لها مثيلًا في مجامعة زوجته، وكأنّ تلك المرأة هناك قد قامت بشحن لذّته بدل تفريغها، فعلًا قد صدق ذلك الرجل في المقهى هناك.

سبق عقله جسده إلى الفراش، بعد أن سافر عقله عبر الزمان مدّة مسافة الطريق، مستبقًا الأحداث، فبدأ يتخيّل زوجته المتمدّدة تحته في نشوتها، ورأى في الخيال فرحها أيضًا، ورضاها، فشعر بنشوة الانتصار حتّى قبل أن يركب سيّارته لينطلق إلى زوجته الحبيبة.

طرق باب السيّارة وخرج من المكان مسرعًا، اجتاز البوّابة الرئيسيّة، لكن… توقف فجأة بعد أن لمح شيئًا ما توقّف على جانب الطريق بعد البوّابة مباشرة!

صعق وذهل حينما تيقّن أن هذا الشيء هو سيّارة زوجته، ولم تطل لحظات الشكّ كثيرًا حتّى خرجت زوجته من السيّارة متّجهة نحو حاوية النفايات ورمت شيئًا متطاولًا فيها، انتظرها حتّى انصرفت، وخرج من سيّارته مستعجلًا ليتحقّق من أمر ما رمته، واقترب من الحاوية وهو يرتجف راجيًا أن يكون ما قد رمته شيئًا آخر غير ذلك الذي خطر له، ولكن آماله تبدّدت حينما ترامى قناع على مدّ البصر، يعتلي تلّة القمامة هناك. أحسّ بإهانة ما تجترح حلقه وتمزّق أعماقه، وأحسّ بشفته السفلى ترتجف، ثم أحسّ بها.. ساخنة تملأ مؤقه على وشك أن تسقط، ثم انسابت وأخذت تكبر رويدًا رويدًا ثم انزلقت فوق خدّه المغضن الأبيض. حاول أن يصرخ ويناديها إلّا أنّه لم يستطع، كانت غصّة دامعة تمزّق حلقه… حاول البحث عن أيّ شيء متطاول آخر في الحاوية يعلّق عليه آماله، إلّا أن يديه الراجفتين وعينيه الدامعتين الباحثتين لم تستطيعا إلى ذلك سبيلًا، فيداه لا تستطيعان القبض على أيّما شيء، والأشياء كانت قد بدأت تغيم وراء ستار من الدمع بعد أن امتلأ رأسه كلّه بالدمع من الداخل فأمسك القناع واستدار منطلقًا إلى سيّارته قاصدًا البيت ليلاقي زوجته ويقذف القناع بوجهها بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من غضب.

وصل البيت، ركن سيّارته في مكانها المخصّص، حمل قناع زوجته، وما أن همّ بالنزول لفت نظره قناعه هو الذي كان قد نسي أن يتخلّص منه، بدا له وكأن القناع كان يحدّق به طوال الطريق من طرف حدقتيه… ألمُ رهيب دبّ في رأسه حينما لاحظ قناعه هو. كان الصداع يتآكله وكان يحس بالدوار إلى حدّ لم يعرف فيه.. هل كانت هذه النقاط المالحة دموعًا؟ أم عرقًا نزفه جبينه الملتهب؟

أمسك قناعه بكفّيه ونظر إليه والعرق الكريه ينساح فوق صدغيه ويبلل قميصه على عرض الأكتاف.

بأيّ حقّ سيواجه زوجته؟ كيف سيقول لها أنّه قد ضبطها في ذاك المكان؟ ففي ذلك اعتراف بأنّه كان هو كذلك هناك، سيبدو لها كمن امتنع عن زوجته سنوات طوال ووفّر لذّاته لتلك العاهرات هناك. كيف سيقنعها أنّه كان هناك من أجلها؟ ستبدو حججه واهنة وسخيفة، بالحقيقة، ستكون سخيفة لكل شخص لم يذق مرارة ما ذاقه من فقدان رجولته. فنصف قناعته مبنيّ على معاناته وخجله من نفسه، ولو نجح بإقناعها بالرغم من استحالة الأمر، ماذا سيقول لها؟ ستعترف له بعهرها؟ سيحطمها، وستصرخ بوجهه مذكّرة بعجزه وشلله وسوء شراكته، ولن يشفي غليله إلّا أن يخنقها بين يديه، ولا مجال للمقارنة بينه وبينها، فهو فعل ذلك حبًا لها، ومن أجلها، بعد أن كان قد استغنى عن حياته الجنسيّة. إلّا أن مخافته وحبّه لزوجته قد دفعاه إلى محاولة استرجاعها، أما هي فقد فعلت ذلك تلبية لنداء شهواتها، وحبًا بنفسها، ولنفسها. فبتلك المحاسبة يكون قد قضى نهائيًا على حياته، ثم أنّه لا يزال يمتلّك بصيص أمل صغير بأن زوجته قد رمت شيئًا آخر غير القناع، وحينها قد تكون محاسبته لها ضرب من البلاهة والغباء، فيزيد من معاناتها منه أضعافًا، ولربما يحطّمها ويقضي عليها، بعد أن أفنت سنواتها الأخيرة كابتة حاجاتها الجنسيّة لأجله، ومتمنّعة عن الملذّات لأجله، وإخلاصًا له، فيكون بذلك أيضًا قد قضى على حياته… لا مناص من هٰذا الجحيم.

كان يشعر بإرهاق مرّ يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل.

انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه وصرخ: إذن زوجتي هي من ألهبت وأشعلت رجولة نصف رجال هذه البلدة اللعينة وأطفأت رجولتي؟!

سيطرت الهلوسات على رأسه، ولم يعد متنفّس من زخ الأفكار. خيّل إليه لحظتذاك أنّه حينما كان ينام على الأريكة خجولًا ذليلًا في تلك الليالي البغضاء، كان نصف رجال البلدة في غرفة نومه يتناوبون على نكاح زوجته بعدما ألهبتهم وأوقظت غرائزهم. فهذا ساهر زميله بالعمل تارة، ثم كامل ربّ عمله، وبعده المسنّ ذو السبعين عامًا من المقهى، ومن بعده يقف في الطابور جليسه في ذلك المقهى اللعين ومن ثمّ ذٰلك البائع التونسيّ الذي يدعى عليّ الأجدب، والقائمة تطول… ثم خرجوا كالحيوانات من غرفته إلى غرفة الاستقبال حيث ينام والعرق يبلل أجسادهم ومنيهم يتساقط من أسفلهم. ووقفوا يؤشّرون إليه ويقهقهون، وبدأ يصغر أكثر فأكثر أمامهم، فبدوا له كفحول عمالقة.

حاول الانسحاب مزاحمًا الأجساد المبتلّة بالعرق والمني ذي الرائحة الكريهة. كانت رائحة الجمع تشبه رائحة حيوان في بركة من وحل وخراء، وانطلق نحو سيّارته مسرعًا مستسلمًا هلعًا، لكن هلعه كان أسرع من الأقدام التي تحمله، فقد تعثّرت الأقدام الهاربة بهربها، فضرب وجهه بالأرض فوق التراب النديّ.

أحسّ بوحدة رهيبة، لقد كان أكثر وحدة من غريق على خشبة وسط المحيط، وشيئًا فشيئًا تضاءل العالم الخارجيّ.

فتح علبة صغيرة في إحدى جوانب السيّارة وتناول المسدّس، وفكّر للمرّة الأخيرة: ذهبت إلى هناك لاسترجاع حياتي وزوجتي، ففقدتهما إلى الأبد…

ثمّ دوّى صوت رصاصة، لم يُسمَع جيدًا، في ليلةٍ كانت كثيرة الأمطار والعواصف.

عن “العربي الجديد”

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This