مأساة نبيّة؛ أو، تفاصيل فشل عودة البنت الضائعة/ إسماعيل ناشف

20 أبريل 2012

.

الفنانة أنيسة أشقر في مسيرها في وادي النسناس مع "أصحابها"

.

الفنانة أنيسة أشقر في مسيرها في وادي النسناس مع "أصحابها"

.

الفنانة أنيسة أشقر في مسيرها في وادي النسناس مع مشاركة "أشكنازية"

.

الفنانة أنيسة أشقر "تغتسل" بالحليب...

.

|إسماعيل ناشف|

إسماعيل ناشف

إنّ تتبّع مسارات الأعمال الفنّـيّة ومواقع عرضها في فضاء اجتماعيّ ما، قد يدلّنا الكثير عمّا يجري في عمليّة إنتاج تداول واستهلاك هذه الأعمال في هذا الفضاء. بهذا لا يمكننا أن نفهم الحركة الحداثيّة المتأخّرة التي تحتّم، أحيانًا، انتقال جزء من أعمال الفنّ من حائط المتحف، إلى أنواع فضاء اجتماعيّة أخرى جديدة، دون أن نبحث في ما يحصل في المجتمع العينيّ. وعندما نستطيع أن نحدّد الفضاء الجديد بأنّه الفضاء المعيشيّ العامّ، مثل الشارع أو المقهى أو الدوّار وما شابهها، فإنّ العلاقة الأساسيّة بين المؤسّسة الرسميّة المكعبة البيضاء النظيفة، والحياة اليوميّة المُعاشة تصبح هي لبّ المقولة في هذه الأعمال الفنّـيّة الأدائيّة.[1] من نافل القول إنّ الفنّ يحمل الاجتماعيّ فنّـيًّا، ويقاس بما هو كذلك بمعاييره الخاصّة أوّلاً، ومن ثَمّ يبحث عن آفاقه الأرحب. وفي هذا المقال، أودّ أن أفحص حركة الانتقال هذه من المتحف إلى الشارع العامّ في العمل الأدائيّ للفنّانة أنيسة أشقر احفظ التاريخ: بعد الظهر، الساعة السادسة مساءً بتاريخ 22 تشرين الأوّل من عام 2011 في حيّ وادي النسناس في مدينة حيفا، فلسطين المحتلّة عام 1948.[2]

الساعة السادسة مساءً أمام ساحة متحف حيفا، تتجمّع رويدًا رويدًا جمهرة من الأشخاص المختلفين. من الهيئة الخارجيّة لأغلبهم، يبدو أنّهم يهود إسرائيليّون أشكناز من الطبقة الوسطى يعملون مباشرة أو بصورة غير مباشرة في مجال الفنّ. البعض أحضر أطفاله، البعض أحضر كاميراته. المنتظرون تشكّلوا عشوائيًّا بحلقة نصف دائريّة مركزها المدخل الرئيسيّ للمتحف. بعد انتظار طويل، دام نحو 45 دقيقة بعد الموعد المحدَّد، خرجت أنيسة حاملة باقةً كبيرة من أغصان شجيرة القطن لُفّت حتّى أعلاها، إلى ما قبل زهرات القطن بقليل، بقماشة بيضاء رقيقة وشفّافة، وتبعها عشرة أشخاص يلبسون زيًّا موحّدًا: بنطالاً أسود وقميصًا أبيض ونعلاً أسود، كما رُسمت (أو -توخّيًا للدقّة-: كُتبت) على وجوههم شتّى العبارات باللغة العربيّة، وجرى رشق مسحوق ذهبيّ ذي بريق وآخر أزرق زاهٍ، بطيفيْن، على هذا الجزء من الوجوه على نحوٍ عشوائيّ، وكلّ واحد/ة منهم يحمل باقة أغصان شجيرة القطن ملفوفة بالقماش من ذات اللون والنوع والشكل كما أنيسة. بقيادة أنيسة بدأت المجموعة بالسير وتبعها جمهور المشاهدين، نحو 40 شخصًا قدموا خصّيصًا لمشاهدة العرض. في أغلب مقاطع المسيرة، كان جمهور المشاهدين يسير على جانبَي المؤدّين/يات، وهؤلاء ساروا على الأغلب بخطّ مستقيم وعلى رأسهم كانت دائمًا أنيسة. خلال المسيرة، وبفارق دقائق معدودة كلّ مرة، تتوقّف أنيسة وتدعو أحد المؤدّين/يات من أصحاب الزيّ الموحَّد إلى قراءة كلمة مكتوبة، وأحيانًا بعضهم ألقى كلمة ارتجاليّة، عن تجربته/ا مع وفي حيفا. كما حدث خلال المسيرة أنْ وزّعت أنيسة قسمًا من أغصان القطن على المشاهدين كما على بعض الأطفال القاطنين في وادي النسناس. بدأت المسيرة من باحة المتحف، متّجهة إلى يسارها حيث هنالك زقاق دور ذو الدرج يهبط إلى شارع الوادي، والذي يشكل الشارع الرئيسيّ للوادي إلى أن وصلنا شارع الخوري، فاتّجهنا إلى اليسار وبعد عدّة أمتار إلى اليسار ثانية لنصعد في شارع الجبل بضع عشرات من الأمتار لنصل إلى الشارع الصغير، وهو أقرب إلى الزقاق الجانبيّ، “حدّاد”، وهو الأخير قبل العمارة الحديثة التي تدلّ على انتهاء حيّ وادي النسناس. على تقاطع شارع الجبل وزقاق حدّاد هنالك بقالة، دخلتها أنيسة واشترت عبوة حليب تنوفا، أكملنا في حدّاد الذي أخذَنا ثانية إلى شارع الوادي، ودخلنا متّجهين إلى اليمين. عندما وصلنا التقاطع في نهاية الشارع، حيث زقاق دور ودرجه الصاعد باتّجاه شارع شبتاي ليفي والمتحف، جلست أنيسة على الجهة اليسرى لشارع الوادي حيث الرصيف المرمَّم حديثًا. طلبت من أحد المؤدّين أن يتكلّم، ولكنّها سرعان ما أسكتته، فتحت عبوة الحليب وبدأت بسكبها على يديها ومن ثَمّ أخذت تدعك وجهها وساعديها بالحليب. بينما هي على هذه الحالة من العمل، كانت تخاطب جمهور المشاهدين. بعد نحو خمس دقائق، انتصبت أنيسة واقفة، وقادت المجموعة باتّجاه زقاق الدرج وصعدنا إلى باحة المتحف، حيث انتهى العرض الأدائيّ هناك. وقفت أنيسة ومجموعة المؤدّين/يات على طول واجهة حائط مدخل المتحف وانحنوا للجمهور الذي قام بدوره بالتصفيق. دخلت بعدها المجموعة إلى المتحف من مدخله الرئيسيّ. انتهى العرض، وبدأت الحياة.

2.

لقد كانت أنيسة ترتدي عباءة (روب) سوداء حريرية، رُسِمَت/طُرِّزَت على مختلف أجزائها صور لأشكال توحي بأنّها من الشرق الأقصى، وهو من النوع الدارج في الأسواق الشعبيّة، وليس له دلالة خاصّة به، حيث يأخذ دلالته من طريقة وسياق استخدامه. ساعد هذا اللباس لتمييز أنيسة عن سائر المجموعة وكما سائر المشاهدين. منذ بداية العمل، كان حضور أنيسة مميَّزًا إلى حدّ بعيد، ولقد استخدمت أشكالاً أدائيّة غير متوقَّعة تفاجئ المُشاهد العاديّ كما المتمرّس على حدّ سواء. قد يكون أهمّ ما في هذا الحضور هو قدرتها القياديّة، واستحضارها لأدوار اجتماعيّة مارستها المرأة ولكنّها غُيِّبَت عبْر التاريخ الذكوريّ /الأبويّ /التوحيديّ، بالأساس الحكيمة /النبيّة /الزعيمة.[3] هذه الأدوار تأتّت لأنيسة بسبب من قدرتها التشكيليّة التي سكبت هذه المادّة بقالب فنّـيّ مميَّز، يعتمد الخروج من المتحف إلى الشارع ليعيد تعريفهما فنّـيًّا. ويبقى السّؤال الذي سأتناوله لاحقًا، حول الضرورة الفنّـيّة لقفل الأداء بالعودة للمتحف ذاته والمحمول الاجتماعيّ لهكذا فتح وإغلاق. وسأعرض في ما يلي لأداء أنيسة بالتفصيل، وذلك لأهمّـيّته في العمل ككلّ.

في انطلاق أنيسة من ساحة المتحف باتّجاه زقاق دور الدرجيّ، كانت هناك درجة عالية من التصميم والحزم، حيث أنّ العبور من فضاء المتحف إلى فضاء الزقاق الانتقاليّ كان سلسًا دون تخبّط من طرف أنيسة. عندما وصلتْ إلى الدرجات السفلى من الزقاق، وكان أغلب المؤدّين/ات والمشاهدين على الدّرج، توقّفتْ وطلبتْ إلى القارئ الأوّل أن يقرأ. من جهة، كانت تلتقط أنفاسها، ومن جهة أخرى كانت ترتّب الجمهور الذي تقوده، وذلك عن طريق إعطاء أوامر واضحة حول مَن عليه أن يبدأ القراءة ومتى يتوقّف، وكذلك احتكارها للتعقيب على القارئين والقارئات. استمرّت أنيسة في إحكام سيطرتها وقيادتها للمجموعة كما للمشاهدين عبر العمل كلّه. إنّ تحديد أنيسة لاتّجاه المسير ومضمونه وإيقاعه، كَفلَ وحدة العمل الفنّـيّ الأدائيّ، بحيث شكّل العمودَ الفقريّ له. هذا ممّا أدّى إلى شعور أساسيّ لدى المشاركين من مؤدّين/يات ومشاهدين/ات بلحمة العمل الفنّيّ المغلّفة لهم ولهنّ.

برزت قياديّة أنيسة باستحضارها جوانب من شخصية “بنت البلد” في الثقافة العربيّة الفلسطينيّة، في علاقاتها مع الفضاء الاجتماعيّ في وادي النسناس وأزقّته وشوارعه وأهله.[4] فهي أظهرت حميميّة دافئة غلّفَت بها حركاتها وتنقّلاتها في المكان لتعلنه امتدادًا لجسدها، وإلى حدّ ما الأجساد التي تقودها من مؤدّين/يات. الخطى تكلّم حجر الزقاق وحيطانه، والمشي واثق من ذاته كأنّه يُدَرِّج بنات الحيّ وبيوته؛ الوقوف والتمهّل والمراوحة تحقِّق مكانيّة أنيسة والحيّ وأهله، والانعطافات تتمّ بزوايا مرسومة مُسبقًا بمكيال سنين من العِشرَة، وفي لحظة ما يفقد المشاهد مميّزات الفصل بين أنيسة وجسدها والواد. فوق وفي هذا الكلام الجسديّ الحركيّ، طبقة الكلام المتلفَّظ التي تمتّن العلاقة بنوع الطاقة الأساس بين الصّوت والعمل، حيث تقوم أنيسة عبْر جُمل قصيرة تأطيريّة بتحديد متكرّر للعلاقة بين الحدث الفنّـيّ بقيادتها ومجموعة المؤدّين/يات والفضاء الاجتماعيّ المباشر لهم. تَنْحَت أنيسة هذه العلاقة على أنّها طبقة من طبقات فضاء الوادي، تعمل من خلال طِباق متجانس إيجابيّ، هو النحويّة المفصَّلة في شخصيّة “بنت البلد” الفلسطينيّة. والطباق هنا هو كالآتي: أنا من عكّا /أنا من يافا، ولكن دائمًا أمرّ من/في حيفا، أنا بنت البلد/وأنا (الـ)بنت الغريبة،[5] عبوري في المكان يكفي لكي يصبح منّي وأصبح منه. إنّ العبور في حيفا لا يمكن له أن يتمّ بسذاجة “بنت البلد” التي لم تفحص مركّبات أنوثتها ومركّبات ذكورة بلدها، وأنيسة -ممّا لا شكّ فيه- تأتي بخبر الوعي الارتداديّ المتشكّل عبر ردّ الآن، زمن أنثى ذكر البلد، إلى قاعِهِ/قاعدته الأوّل/الأولى: الحكيمة/النبيّة/الزعيمة.

في فنون بعض المجتمعات القديمة، من فراعنة وإغريق ورومان، تحمل الآلهة -كما الملوك والقادة- صفاتها بيديها، وَ/أو توضع على رؤوسها مثل تاج الغار، وحتّى في أعلى كاحلها كما الجناحين مع تماثيل هرمس المتعدّدة.[6] إنّ النظر من الفهم الحداثيّ إلى هذه الممارسة الفنّـيّة الاجتماعيّة قد يرى فيها نوعًا من الأوّليّة، حيث إنّ الفنّان لم يستطع تجسيد الصفة في الوجه /الجسد وعلاقاته بالبيئة التشكيليّة المباشرة، فلذلك لجأ إلى استخدام رموز /أشياء مادّيّة مباشرة هي بمقام الشعار من الفكرة، إن جازت هذه المقارنة. إنّ في هذا التفسير الكثير من الإجحاف والإسقاط الحداثيّ على فترات تاريخيّة سابقة، حيث إنّ الفكرة الحداثيّة التي مُفادُها أنّ صفات الفرد نابعة من مكوّناته الداخليّة، النفس أو أيّ بنْية أخرى، ليست إلاّ جزءًا من المشروع الحداثيّ ذاته. في السابق، سادت أفكار شتّى حول كيفيّة اكتساب الأفراد صفاتهم وهي تختلف عن الفكرة الحداثيّة، وذلك تبعًا لأشكال البناء الاجتماعيّ ومنظومات الوعي المنبثقة عنه. إنّ استخدام أنيسة لهذه التقنيّة في الأداء، أي حملها لرموز /أشياء مادّيّة مباشرة كإشارة لصفاتها، عوضًا عن تشكيل آخر حداثيّ مثل حركة راقصة أو تعبيريّة وما شابه، كان في ثلاثة أشكال ثابتة وشكل رابع جرى في مشهد أدائه. الأشكال الثابتة والتي لم تتغيّر عبْر العمل ككلّ هي الكتابة على وجهها ورشّ اللون المسحوق الذهبيّ ذي البريق وذلك الأزرق بطيفيه، أغصان القطن المحمولة بيديها، والعباءة السوداء. أمّا الشكل الرابع، فكان في المحطّة قبل الأخيرة من العمل حيث جلست أنيسة على الرصيف وغسلت وجهها بالحليب وسكبت بعضًا منه على باقة القطن التي كانت في حضنها. هذه التقنيّات التعبيريّة لها مضامين مباشرة ومحدّدة، وهي تشير إلى حقول من المعاني بدرجات متفاوتة من العموميّة، وكذلك هي مركّبة بحركة جماليّة تعبيريّة. قبل الدخول في تفاصيل هذه التقنيات وأشكال علائقيّتها ببعضها البعض، من الأهمية الإشارة إلى أنّ هذه التقنيّات تصبح ذات معنى بكونها وضعت على الجسد /المادّة /التقنيّة الأولى.[7]

أريد أن أبدأ من القطن، لا لأنّه المعلم الأبرز بصريًّا فحسب، وإنّما لأنّه يشكّل المفصل الجماليّ الأوّل في العمل، أو على الأقلّ هذه المداخلة التي سأحاول عرضها هنا.[8] القطن، في لغة صناعة الفنّ، هو إحدى الموادّ الأساسيّة التي يُصنع منها قماش الرسم الـ Canvas (بالإضافة إلى الكتّان Linen  وَ Cannabis وَ Jute هذا بالطبع بالإضافة إلى الورق وموادّ مصنَّعة أخرى). فإن كان المضمون هو القطن، فإنّ حقل المعنى الأوّل في حمله هو الإشارة إلى إرجاع القاعدة، القماش، التي ينبني عليها العمل الفنّيّ إلى مركّباته الأولى، القطن. وبشكل مُوازٍ إرجاع وعي العمل الفنّـيّ ككلّ إلى جسد العاملة الفنّانة؛ فجسد الفنّانة هو بمثابة القماش الذي يُرسم عليه العمل الفنّـيّ، ولكن في الرجوع تفكيك للمركّبات، فالحركة الأولى للعاملة ليست الحركة الراسمة /الراقصة بل المشي والتأشير، وهذا ما تقوم به أنيسة؛ تمشي وتشير، لتدلّنا على مركّبات الحركة المُشكّلة. وكما ذكرت أعلاه، إنّ المشي والإشارة في هذا العمل تمّا عبْر استحضار شخصيّة بنت البلد /بنت (الـ)غريبة بإتقان لافت للنظر. هذا الإتقان يحملنا إلى الحقل الثاني في مضمون القطن من حيث الصفات والصنعة التي تُنسب إليه عبْر طبقات من الممارسات الفنّـيّة الحديثة، وأخرى قديمة تستحضرها التراكيب التي تبنيها أنيسة فنّـيًّا.

ما يميّز هذه اللحظة الجماليّة في عمل أنيسة هو استحضارها لنشوة ليلة ما قبل العيد بكرنفاليّتها الطفوليّة في أزقّة وحواري المدينة العربيّة الإسلاميّة من حيث زمنها القمريّ

يبرز استخدام القطن في الفنّ التشكيليّ الحديث بالأساس في الرسومات التي تناولت مشاهد من جنوب الولايات المتّحدة الأمريكيّة في القرن التاسع عشر، تحديدًا، قبل الحرب الأهليّة وبعدها (1861-1865).[9] نلاحظ أنّه في هذه الفترة ازدهرت الأعمال الفنّـيّة التي تتناول مشاهد من الحياة اليوميّة في الجنوب الزراعيّ /العبوديّ، حيث كانت مزارع القطن العصبَ الأساسيّ في الحياة الاقتصاديّة الاجتماعيّة للكونفدراليّة، قبل الحرب، ولتسخير الجنوب للشمال الصناعيّ بعد الحرب. بعض الفنّانين كان متواطئًا مع النظام العبوديّ، ونرى ذلك بوضوح من خلال أعمالهم. على سبيل المثال، ويليام إيكن ووكر (1838-1921) William Aiken Walker الذي شارك في الحرب الأهليّة كجندي وكموظّف، ومن ثَمّ انتقل لرسم مشاهد جنوبيّة وبيعها للسيّاح ولأصحاب الحنين إلى الجنوب الذي “فُقِد” بعد الحرب الأهليّة. ففي أغلب أعماله، نجد رجلاً وامرأة من أصول أفريقيّة يقفان في مواجهة الناظر، وبعضهم يحمل سلال تجميع القطن بعد قطفه، والخلفيّة العامّة هي حقول شاسعة من القطن. وبينما تبدو الطبيعة والحقول في وضع مزدهر ومليء بالحيويّة والنشاط والحركة، يبدو الأفارقة في وضع بائس من الذلّ والمَهانة من حيث حضورهم الجسديّ إلى جانب قناع تعبيريّ على الوجه للسعادة التي هي من نصيب الأغبياء فطريًّا، وكأنّ الرسام شكّلهم/نّ في حالة هي أقرب للطبيعة الحيوانيّة منها إلى الطبيعة الإنسانيّة. أمّا ونسلو هومر (1836-1910) Winslow Homer، فهو معروف كرسّام للمَشاهد الطبيعيّة عامّة، ولم يركِّز في أعماله على الجنوب بشكل محدّد. بل من الممكن القول إنّ قاطفات القطن (1876) The Cotton Pickers هي لوحة من سلسلة أعماله التي تتناول مِهَنًا قامت بها نساء من أعراق مختلفة، مثل نساء صائدات سمك، واللافت للنظر أيضًا هو أنّ تركيب قاطفات القطن الداخليّ ينسجم مع سائر الأعمال الأخرى لهومر.[10] فالشابّتان تقفان في وسط حقل القطن، تحمل كلّ منهما سلّة لتجميع القطن، ملابسهنّ عاديّة وليست بأسمال بالية -كما جرت العادة عند رسم عبيد مزارع القطن-، جسداهما معافَيان وطافحان حيويّة وقوّة ونشاطًا، التي تقف إلى اليمين تحمل كيسًا مليئًا بالقطن وتنظر إلى اليسار باتّجاه الأفق بنظرة حازمة وكأنّ بها رؤيا، أمّا الشابّة التي تقف إلى اليسار فهي تحمل سلّة مليئة بالقطن تنظر إلى زهرات القطن بجانبها وأصابع يدها اليمنى تداعبها، وهي تبدو حالمة تركض وراء خيالها برومانسيّة عالية، ولكن هناك في جسدها ما يوحي بالتصميم والإرادة القويّة. الخلفيّة هي حقل قطن ممتدّ إلى نهاية الأفق، بينما السماء ترتدي الأبيض والرمادّيّ الخفيف حدّ الأزرق يتخلّلهما بداية نور الغروب الأصفر شبه البرتقاليّ. تقول اللوحة بصريًّا إنّ التحوّل أصبح قاب قوسين أو أدنى. وأرى أنّ أنيسة في استخدامها للقطن، استحضرت هاتين الشخصيّتين من قاطفات القطن، صاحبة الرؤيا التي تنظر إلى الأفق، والحالمة التي على شحنة عواطفها تقف المحارِبة الأولى صاحبة الرؤيا. ولعلّ خروج أنيسة من حقل عملها/عبوديّتها (المتحف الإسرائيليّ) هو ما يحتّم هذا التفسير من العلاقة بين القطن والمهنة والتحرّر من القمع. إلاّ أنّ أنيسة في عملها المُركَّب لا تكتفي بهذه الطبقة من المعاني، بل تأخذنا إلى ما هو أعمقُ تاريخيًّا من السياق الاستعماريّ المباشر، وذلك بغية تفكيك القاعدة الاستعماريّة-الأبويّة للنظام القائم والذي يشكّل المتحفُ الأبيضُ تحويرًا مؤسّساتيًّا عليه. تأخذنا أنيسة، في هذا الجانب من العمل، إلى الأدوار التي قامت بها المرأة قبل صعود النظام الأبويّ-التوحيديّ وسيطرته على المجتمعات المختلفة.

القطن يشكّل مادّة الملابس الأساسيّة التي تمنح الدفء والأمان والصحّة، وهو كذلك يُستخدم لمداواة الجروح وللتطبيب. في مجموعة التداعيات الأولى،  استحضرت أنيسة دَوْرَ الزعيمة والقائدة الاجتماعيّة التي تهتمّ بشؤون رعيّتها عن طريق تلبية احتياجاتهم الأساسيّة من دفء وأمان وصحّة. أمّا المجموعة الثانية من التداعيات، فهي تستحضر دَوْر الحكيمة، وهي هنا خليط من مفهومَي الحكمة والطبّ الحديثيْن، فهذا الدوْر الذي قامت به المرأة مارست من خلاله وظائف طبّـيّة ووظائف المرشدة “الروحيّة” إن جاز التعبير. واختيار القطن في هذه الطبقة من المعاني هو لافت للنظر من حيث مفصليّته الجماليّة الاجتماعيّة القادرة على أن تحمل أوجهًا شتّى من حقول المعاني وتراكيبها المختلفة. أمّا الدور الثالث القبل-أبويّ الذي تستحضره أنيسة فهو دور النبيّة، والذي يعبّر عنه من خلال الكتابة على الوجه، الرسالة، والذي سأتطرّق إليه في القسم التالي. سأتوجّه الآن لربط طبقات المعاني (القطن) لكي أستخلص مفصليّته في العمل ككلّ.

تتناسل مؤسّسة المقدّس التي تقوم على وساطتها بين المقدّس عينه وبين متلقّيه، وذلك عبر توحيد المعنى واحتكاره. إنّ المزاوجة بين هذه العلامات لا تترك مجالاً للشكّ بأنّنا أمام حدث تشكيليّ يقف في مركزه فعل النبوّة

يشكّل القطن، مادّيًّا رمزيًّا ودلاليًّا، المثالَ الأنموذج للظاهرة المسمّاة over determination؛ فأوّليّة هذه النبتة في إنتاج الحياة الاجتماعيّة تجعلها تأخذ أدوارًا شتّى عبر العصور التاريخيّة المختلفة. لم يختفِ القطن منذ تدجينه اجتماعيًّا، وإنّما تمفْصَل من حيث هو مركّب في الإنتاج المادّيّ الاجتماعيّ، ومن حيث هو عنصر علائقيّ في حقول للمعاني المتناقضة، في كلّ تحوّل من جديد حاملاً الأشكال السّابقة لمعانيه. ومن هنا، فإنّ استخدامه الفنّـيّ في سياق العمل الذي نحن بصدده، مكّنه من أن يحمل هذه الأوجه المتعدّدة، بدءًا من كونه المادّة الخام لقماش الرّسم، ولاستحضاره لإرث العبوديّة في رسومات الفنّانين الأمريكان في القرن التاسع عشر، ومن ثَمّ استحضار الأدوار القبل-أبويّة التي مارستها المرأة. لقد شكّلت شخصيّة بنت البلد /بنت (ألـ)غريبة القاعدة التي بُنيت عليها هذه الطبقات الثلاث من المعاني لتعطينا الحركة الجماليّة العامّة لأداء أنيسة في العمل بمجْمله. فلقد شكّلت بنت البلد المركّب الأساس في شخصيّة الفنّانة أنيسة مثلما شكّل القطن المركّب الأساس في قطعة القماش التي نرسم عليها، وبنت البلد هي الوحيدة التي تستطيع أن تمشي وتشير في الفضاء الاجتماعيّ دون أن تكون بحاجة إلى وعي مَدْرسيّ مُستورَد، وَ/أو مُكتسَب، فإن كان سطح القماش بحاجة للمدرسة لكي تستطيع أن تبني حركة الرسم، فإنّ المشي والإشارة هما حركتان أوّليّتان فطريّتان لمن هي بنت البلد، ولكلّ بنت بلد. لكن هذا المشي وتلك الإشارة لبنت البلد، كشكل من أشكال العمل الاجتماعيّ، مأسوران بسبب أنّ البنت والبلد يخضعان لنظام يستحضر نظام قطن آخر، ذلك النظام العبوديّ في أمريكا القرن التاسع عشر. تَستحضر أنيسة عبْر حملها للقطن بشكل معيّن وتحديد علاقتها بالفضاء الاجتماعيّ الذي تسير فيه، تستحضر لحظة جماليّة مفصليّة هي لحظة نشوة ما قبل الانعتاق الواعية تمامًا لحدثيّة الانعتاق الحتميّة كما في قاطفات القطن  لونسلو هومر. إنّ أبرز ما يميّز هذه اللحظة الجماليّة في عمل أنيسة هو استحضارها لنشوة ليلة ما قبل العيد بكرنفاليّتها الطفوليّة في أزقّة وحواري المدينة العربيّة الإسلاميّة من حيث زمنها القمريّ؛ فبالرغم من أنّ كلّ ما في الدنيا جاهز لقدومه، فهو غير أكيد، يتملّص منّا: عيد أم ليس بعد؟ انعتاق أم ليس بعد؟ إنّها نشوة الاستشراف.[11] إنّ اكتمال هذا التركيب الجماليّ يصطدم مباشرة بالإرث الفنّيّ الحديث الذي رسم فيه الفنّان الرجل الأبيض في الحداثة الأوروبيّة مشهدَ العاملات، في مجتمعه الأوروبيّ كما في المستعمرات، في الحقول مرارًا وتكرارًا. لقد استطاع أن يرسمها تحديدًا لأنّه امتلك نظامًا أجبرها على العمل اليدويّ، من جانب، ومَوْضَعَها كشيء يَنظر إليه الرجل ليعيد سيطرته عبر شهوة لا تشبع، من جهة ثانية. في عمل أنيسة شيء ما لا يقبل أن يعمل في الآن /الهنا الرأسماليّة /الأبويّة، فهي تمشي وتشير حاملة أغصان القطن، معطيات ما قبل العمل المنتج في السوق. وفي هذا التقاطع يردّنا القطن، حفرًا، إلى الزعيمة /الحكيمة وسائر تلك الأدوار الما-قبل أبويّة التي قامت بها المرأة.

3.

يتميّز العديد من الأدوار الاجتماعيّة والأخرى بما يضعه الشخص الذي يقوم بالدور على جسده من ملابس وزينة، وبعض الأدوار تتميّز وتتمايز بحسب الملابس والزينة التي يرتدي صاحب الدور. في مجال التصوير والتشكيل الفنّيّ، تأسّس إرث دلاليّ ثريّ للملابس والزينة وألوانها المختلفة بحسب السياقات الحضاريّة العينيّة.[12] هذا الإرث هو بمثابة لغة نستطيع من خلالها قراءة التراكيب الفنّيّة المختلفة، محدّدين بذلك الدراما الجماليّة للحدث التشكيليّ. وفي تاريخ الفنّ، الغربيّ على الأقلّ، أصبحت مسألة العلاقة بين الجسم والملابس والزينة وعمليّة إتقان تشكيل هذه العلاقة فنّـيًّا، أحدَ معايير قياس مدى “تطوّر” فترة فنّـيّة ما. تستخدم أنيسة، في عملها “احفظ التاريخ: بعد الظهر”، هذا الإرث بتحوير محدّد يجمع الإرثيْن البيزنطيّ والإسلاميّ معًا كطبقات مختلطة ومتداخلة، تُذكِّر إلى حدّ بعيد بالإرث المعماريّ العثمانيّ في إسطنبول، وتستحضر بعضًا من ملامحه. فكما استخدم المماليك في مصر الآثار الفرعونيّة في بناء أسس المساجد، قام العثمانيّون، في بداية حكمهم على الأقلّ، ببناء عمارتهم مع ومن خلال الإرث البيزنطيّ من حيث المعرفة ومن حيث الموقع والأبنية عينها، ولعلّ آيا صوفيا هي المَعْلَم الأبرز في ذلك.[13] فمن جانب الملابس هنالك العباءة، وهي سوداء، أي لا لون لها، وهنالك اللون الذهبيّ واللون الأزرق النيليّ بطيفين زاهٍ وقاتم (وكلاهما في هيئة مادّيّة مسحوقة) المرشوقان فوق النصّ المكتوب ومن حوله على الوجه والجبين والصدر. بهذا، يتكوّن بلاتيو العمل من أربعة عناصر لونيّة أساسيّة: الأبيض؛ الأسود؛ الذهبيّ؛ الأزرق النيليّ بطيفيه؛ بالإضافة إلى أحمر الشفاه لدى أنيسة وجزمتها ذات اللون الأحمر القاني. هذه الألوان وترتيبها تعطي خلفيّة مؤسّساتيّة مقدّسة للعمل. المؤسّسة تبرز من عدم اختلاط الألوان ووضوحها، أمّا المقدّس فيتأتّى من ماهيّة الألوان المحدّدة. فمنذ نهاية العهد الذهبيّ الأوّل لبيزنطة، تأسَّسَ شكل محدّد لأصحاب النبوّة، مريم العذراء وابنها عيسى، فهي تجلس على كرسيّ وتحمله في حضنها، هي تلبس العباءة الزرقاء النيليّة وهو طفل حول رأسه هالة ذهبيّة اللون، وعلى الأغلب ملابسه أيضًا ذات لون ذهبيّ، وعادة يبدأ بتأريخ هذا الشكل من عمل الفسيفساء العذراء والطفل المتوّج مع قديسين وملائكة في دير القديسة كاترينا في سيناء المصريّة،[14] ومن ثَمّ العمل المشابه في وسط القبّة الرئيسيّة لآيا صوفيا العذراء والطفل المتوّج.[15] أمّا بالنسبة للنصّ، وفعل القراءة والكتابة، كعلامة النبوّة الفارقة في الإرث الإسلاميّ، فهذا راسخ ولا يختلف فيه اثنان. العلاقة البصريّة بين المساحيق والنصّ المكتوب تبدو علاقة خلفيّة وبؤرة، حيث تعمل ألوان المساحيق كخلفية عكسية للنصّ المكتوب بالحبر الأسود، فتحضنه لتُبرِز ما في انسيّابيته من رونق وجمال. إلاّ أنّ إبراز هذا النصّ هو بصريّ بحت وليس وظيفيًّا، فهذه المساحيق لا تساعدنا على قراءة النصّ بل تزيد في غموضه الموجود أصلاً في نوع الخطّ المستخدم. ومن هذا التركيب تتناسل مؤسّسة المقدّس التي تقوم على وساطتها بين المقدّس عينه وبين متلقّيه، وذلك عبر توحيد المعنى واحتكاره. إنّ المزاوجة بين هذه العلامات لا تترك مجالاً للشكّ بأنّنا أمام حدث تشكيليّ يقف في مركزه فعل النبوّة.

يحمل الأنبياء نبوّتهم في سمات وجوههم، وإذ يسيرون ويسعون في مناكب الأرض، شرقًا وغربًا، لا يبرحون النبوّة مهما واجهوا من قمع واضطهاد. ولكلّ نبيّ أصحاب وتلاميذ ومريدون وأتباع، يسيرون خلفه، في السرّاء والضرّاء، ذلك إلى أن تتحقّق نبوّته، أو يخلفه نبيّ جديد. ومن المتعارَف عليه اليوم أنّه في لحظةٍ ما من تاريخ ظاهرة النبوّة حصل تحوُّل أساسيّ، حيث مُنِعَت النساء من ممارسة النبوّة، ضمن وظائف اجتماعيّة أخرى، وساد تقسيم عمل جديد موضع الرجل، البطريارك، في مركز الحياة الاجتماعيّة المادّيّة والرمزيّة. خلال هذا التحوّل، وعلى الأغلب عقبه بفترات طويلة، لوحقت النساء وجرى نفي وقتل مَن اختيرت لتُتَّهَم بالنبوّة /السحر، بغية تثبيت وتأصيل النظام الأبويّ القائم على الملكيّة الخاصّة عبْر آليّات العائلة ومن ثَمّ الدولة. وكما هو معروف، أُطلِق الاصطلاح صيد السّاحرات على هذه الظاهرة التاريخيّة.[16] لقد جرت إعادة قراءة هذا التاريخ بعدّة منظومات نقديّة نسويّة وأخرى بمجال التأريخ الاجتماعيّ ذاته كما بمجال الأعمال الفنّـيّة والأدبيّة، ولسنا بصدد التعرّض لهذا التاريخ، وإنّما لتأطير الخلفيّة التي تنطلق منها أنيسة في هذا الجانب من عملها الذي نحن بصدده هنا. فإن كانت العديد من الفنّانات النسويّات يتّخذن من الجسد المادّة الأولى ليُعدن صياغة التحرّر جسدًا، فإنّ أنيسة استخدمت ذات الجسد في محاولة منها لتحرّر نظام الجسد /المجتمع. ودعونا ننظر، بدايةً، إلى تركيبة هذه الطبقة من “احفظ التاريخ: بعد الظهر“.[17]

في هذا العمل مقوّمات الفعل الدراميّ النبوئيّ كلّها، فهنالك النبوءة، النبيّة وأصحابها وتلاميذها، المعبد القديم، العامّة الذين يجب نقل النبوّة إليهم وتحريرهم من ديانة المعبد القديم في أعلى الجبل، مسار الخروج من المكان الأوّل إلى المكان الثاني، والجمهور الذي يشاهد ويرفض النبوّة ويقاتلها، العودة إلى المكان الأوّل التي تقفل عهد النبوّة. لقد اختارت أنيسة وجهها وحواشيه، التي هي وجوه المؤدّين/ات بما هم أصحابها وتلاميذها، ليكون الفضاء الذي تكتب عليه نبوءتها، والوجه هو ذلك الفضاء الاجتماعيّ الذي تحدث عليه فعّاليّاته الزمنيّة حيث تجري اجتماعيّة الجماعة مجراها وصيرورتها أساسًا عبر الفضاء الوجهيّ، ومن هنا يصبح الوجه مربط الوجود. بهذا فإنّ كتابة النبوءة الخارجة على النظام على الوجه هي الفعل الأوّل في مواجَهة القائم والخروج عليه عبر الإعلان عن النبوءة حضورًا جماعيًّا. قد يردُّ البعض، مثل عبد الله الغذامي، بأنّ إمساكَ المرأة بالقلم والكتابة كفعل تحرُّر لم يكتمل بعد لأنّها تمسك به وتكتب بطريقة الرجل، بهذا فهي تنسخ علاقة القوى بينهما، ولا تتحرّر.[18] إلاّ أنّ تحليل الغذامي تحليل مضامينيّ، وهو لن ينفعنا في سياق عمل أنيسة حيث إنّ الكتابة على الوجه في هذه الحالة تخضع لمنطق أيقونيّ لا لمنطق كتابة معرفيّة عن الواقع أو حامل الكتابة بما هو جزء من ذلك الواقع. فالكتابة هنا هي أقرب إلى حفر النحت منها إلى الكتابة على الورق المألوفة لنا من حياتنا اليوميّة، وبالرغم من أنّها تتناصّ مع فنون كتابة الخطّ العربيّ فإنّها تنزاح عنها من حيث لا فنّـيّتها بالمعنى التقليديّ لإرث فنّ الخطّ العربيّ وقواعده، فمن حيث شكل كتابتها تبدو الكلمات كأنّها من الحالة القبل-حرفيّة التي نعرفها، أقرب -إن شئت- إلى ما يُكتب في الحُجُب والرقيم والوشم القبائليّ العتيق. من هنا ففعل الكتابة بذاته ومن ثَمّ هيئة ومكان ظهوره/حضوره هي الأساس في هذا النوع من العمل الفنّيّ. فكما بالوشم، نجد هنا كذلك أنّ فنّـيّة الشكل تنبع من الموقع على الجسد ومن حركة الرسم ذاته في الموقع. فبدايةً، من الأهمية لفت النظر إلى أنّ الرسم الكتابيّ لدى أنيسة يختلف عن سائر تلاميذها، فهو يبدأ من أسفل منطقة العين اليمنى بـِ “احفظ التاريخ:”، ليستمرّ في وسط الذقن “بعد الظهر”. أمّا المشارِكون/ات، فالكتابة لدى أغلبهم لا تقع إلاّ على طرف الوجه الأيسر أسفل نهاية العين، وتمتدّ إلى الأمام السفليّ قليلاً. البعض منهم أكمل جملته بأنْ أضاف كلمة في الجهة اليمنى من الوجه. والجمل التي كُتبت على الوجوه هي: “فش حيفا في تل أبيب”؛ “وادي المحامل”؛ “جرح الأحبّة”؛ “أنا ذاهبة لحيفا”؛ “شوق وحنين”؛ “منيح إللي في بحر”؛ “الباطون الفاخر”؛ “بالطريق …”؛ “حيفا وبحرها”؛ “ما بين بحرها …”. فالنبوءة كُتبت على وجه النبيّة، بحيث أنّ عين النبيّة ترى إلى ما سيأتي ليقولها ذقنها/فمها، وهذه الحركة الدلاليّة بين البصيرة والقول هي المجاز الأساسيّ الذي تقوم عليه كلّ نبوّة ممكنة؛ فموقع الكتابة على الوجه هنا ليس إلاّ استحضارًا بصريًّا للمجاز القائم أدبيًّا في اللغة العربيّة.[19] أمّا بالنسبة لموقع الكتابة على وجوه التلاميذ فهم/نّ يرون/يبصرون نورًا يقع في قلوبهم ولكنّهم ليسوا أصحاب نبوءة وإنّما تلاميذها، فلذا لا يقع قول البصيرة ضمن عملهم، وتبقى بصيرتهم في عين الفؤاد.

لقد أوقعتهم أنيسة في مصيدة لم يحسبوا لها حسابًا، مصيدة الوقوف بين أداءٍ يستردّ النبوّة/الزمن/التاريخ ومكانٍ لا يكون إلاّ بأهله. لم يتنفّس هؤلاء الصعداء إلاّ بعودة أنيسة إلى المتحف، والفضاء الإسرائيليّ المألوف

إنّ مضمون النبوّة التي كُتبت على وجه أنيسة يحمل عدّة أوجه من المعاني، وليس مغلقًا على معنى واحد. ولذلك من الممكن أن نتطرّق إلى هذه النبوءة من عدّة مداخل، وذلك تبعًا لحقول المعاني المتعدّدة التي تجري إثارتها في هذه التسمية. وهذه الحقول تبدأ من أنّ العنوان يحتمل القراءة بالعامّـيّة أو بالفصحى أو بكليهما معًا، أو جزء بالعامّـيّة وجزء بالفصحى وبتراكيب متعدّدة. ففي اللهجة الفلسطينيّة الدارجة في المناطق المحتلّة عام 1948، تُستخدم هذه الصيغة “احفظ التاريخ: بعد الظهر” عندما ندعو شخصًا ما، أو حين نريد تذكير أحدهم/إحداهنّ بموعد هامّ وما إلى ذلك. وفي الغالب، في هذه اللهجة الدارجة استخدامُ هذه الصيغة يجرّس ويرن مع اللغة العبريّة وتأثيرها على العربيّة المحكيّة في هذه المناطق.[20] أمّا بالفصحى، فإنّنا نقرأ هنا نوعًا من الطباق في العنوان، حيث لدينا عمليّة حفظ التاريخ التي قد تحمل موعدًا محدّدًا ولكنّها قد تحمل كلّ التاريخ. هذا في الشقّ الأوّل منه، أمّا الشقّ الثاني فعندما نربطه في تاريخ ما فإنّه يبدو سلسًا من حيث المعنى، ولكن الطباق يبرز إنْ أخذنا التاريخ العامّ حيث إنّ الخاصّ “بعد الظهر” يبدو في هذه الحالة وكأنّه لا يجوز أن يفاجأ، حيث في المعتاد الـ”بعد الظهر” يأتي بعد تحديد تاريخ يوم ما. ففي هذه القراءة، من الممكن القول إنّ التاريخ الذي يجب أن نحفظه هو الصنف الذي يمكن وصفه بالخاصّ اليوميّ المباشر وما يحمل من أشخاص وأحداث. وهذه الدلالة تحيل في سياق هذا العمل أوّلاً إلى شخصيّة بنت البلد التي تحمل الخاصّ فيها ليصبح هو العامّ لها، وثانيًا أنّ تاريخ المكان لا يكون إلاّ بخصوصيّة أهله، وذلك أنّ بعد الظهر في سياق الثقافة الفلسطينيّة كخانة زمنيّة يحمل في العادة حميميّة التقاء العائلة لترتّب من ثَمّ خروجها الثاني إلى فضاء اجتماعيّتها الأرحب. بعبارة أخرى، حفظ تاريخ فلسطين يجري عبْر مدنها، مثل حيفا، ومن ثَمّ عبْر حاراتها، مثل وادي النساس، ومن ثَمّ أهل هذه الحارات، مثل بنت البلد.[21]

اللافت للنظر أنّه بالرغم من التعدّد يبقى المحور الأساسيّ للتسمية هو أمر “احفظ”، والمضمون زمنيّ “التاريخ” “بعد الظهر”، هذا ممّا يحدّد ملامح النبوّة الزمنيّة، وهو ميزتها الفارقة. في مقابل ذلك، إنّ العلامة الفارقة لدى التلاميذ والأصحاب هي في تَحقُّق النبوّة في مكان محدّد هو حيفا وبحرها وواديها والطريق منها وإليها، وحتّى غيابها في المدن الأخرى. في هذا العمل، اختارت أنيسة الاسم وحاورت طلاّبها وأصدقاءَها حول ما قد تكتبه على وجوههم، أي إنّ الكتابة من حيث المضمون هي نتيجة للعلاقة بين النبيّة ومَن يتبعها، من تلميذ وَ/أو صاحب، بهذا فمن الممكن القول إنّ النبوّة فعل في الزمن بينما تحقيقها فعل في المكان. والسّؤال حول إمكانيّة فصلهما بهذه الصّيغة غير مهمّ للحدث الجماليّ بعينه، ففي الأداء الجّماعيّ للعمل بقيادة أنيسة كان المكتوب على الوجه جزءًا من جسد عامّ متحرّك رأسه أنيسة وجسده التلاميذ معًا.

إنّ جسد هذا العمل يتركّب من أربع بؤر متشابكة: النبيّة؛ تلاميذها؛ جمهور المشاهدين/ات؛ المجتمع المحلّـيّ في وادي النسناس. سأتطرّق هنا إلى العلاقة القائمة بين البؤر الثلاث الأولى، أمّا البؤرة الرابعة فسأخصّص لها القسم التالي من هذا المقال. ممّا لا شكّ فيه أنّ النبيّة القائدة لهذا العمل قامت بهذا الدور على أكمل وجه من حيث علاقاتها بالبؤرة الثانية، أي تلاميذها. فهي تحمل متن النصّ النبوئيّ، تحدّد التلاميذ والأصحاب وتفسيراتهم للنبوءة، تختار لهم الملابس، تلبسهم وتكتب على وجوههم وتزيّنهم، وتقرّر متى ستخرج بهم إلى العلن. وممّا لا شكّ فيه أنّ لحظة الخروج على المعبد/الدّين القديم هي اللحظة الثوريّة بالسّياق الإسلاميّ على مختلف مَشاربه؛ فالخروج على الطغاة والتغلّب عليهم هما ركن أساسيّ في مذاهب الفقه المختلفة ذات الصّلة بمفهوم وممارسة الحاكميّة في مؤسّسة الخلافة الإسلاميّة.[22] تمشي أنيسة في رأس تلاميذها وأصحابها منذ لحظة خروجهم من المتحف، تحدّد اتّجاه المسيرة سرعة إيقاعها ونمط وقوفها ومكانه، كما البدء ثانية. تقف أنيسة كلّ بضعة أمتار وتطلب من أحد التلاميذ الأصحاب قراءة ما كتبه، فيُخرج هذا ورقةً ويقرأها بصوت عالٍ ليسمع الجمهور المُرافق، وأحيانًا عابرو السبيل وبعض من أهل الحيّ الجالسين في شرفات منازلهم، وبعض من أصحاب الدكاكين. تحدّد أنيسة أيّ تلميذ سيقرأ ومتى يبدأ، وفي الغالب كانت توقفه قبل أن ينهي النصّ وتعلِّق على ما قاله بمداعبة ساخرة، وتبدأ بالسّير ليتبعها التلاميذ والأصحاب وجمهور المشاهدين. في مرحلة ما من المسيرة، تدخل أنيسة إلى بقالة صغيرة تشتري عبوة حليب تشرب منها، ومن ثَمّ تُناول بعضًا من التلاميذ والأصحاب ليشربوا، لتكمل من ثَمّ المسيرة، إلى أن تصل الدّرج المؤدّي إلى مدخل المتحف، فتجلس على الرصيف المقابل له، يقف الجميع حولها، تسكب الحليب على وجهها ويديها، وتطلب من أحد التلاميذ أن يقرأ نصّه، لا تعطيه فرصة ليكمل القراءة وتقاطعه لتعلن نهاية الجلوس وتقوم لتكمل المسيرة باتّجاه الدرج المؤدّي إلى المتحف فنهاية المسيرة. في كلّ هذا، يتبعها التلاميذ دونَ اعتراض أو مساءَلة، بل بقبول وبطاعة، وأغلبهم كان منفعلاً وفي حالة من الانبهار بأنيسة والعمل، وينتظر إشارة منها ليقوم بدوره على أكمل وجه. والملابس الموحّدة دليل على أنّ هؤلاء التلاميذ والأصحاب مجتمعون على ميزة واحدة وموحِّدة وهي تبعيّتهم للنبيّة أنيسة. لقد قرأ التلاميذ والأصحاب نصوصًا تعطي صورة عن علاقاتهم بحيفا، وكان أن برز اختلاف كبير بين التلاميذ والأصحاب الفلسطينيّين/ات الذين تحدّثوا عن علاقات ذات إحداثيّات مكانيّة، مثل القدوم إلى حيفا من عكّا ومن يافا، بينما تحدّث التلاميذ والأصحاب اليهود عن علاقاتهم بأهل المكان، الفلسطينيّين، بوصفهم إيّاهم بصور نمطيّة: “بائع لطيف ومبتسم”؛ “أدعوك أيّتها المخرّبة لتشربي قهوة معي”؛ وما إلى ذلك. لقد أحدثت هذه النصوص انفجارات كلاميّة لدى أنيسة من مختلف الاتّجاهات في تعليقاتها وإن كانت أكثر حدّة ورفضًا للنصوص التي أظهرت ملامح صهيونيّة في طريقة تعبيرها وسردها. فبينما كان من الملاحظ تقبُّل التلاميذ والأصحاب إعادة التعريف والتأطير من طرف أنيسة لنصوصهم، خلق تأطيرها النقديّ واللاذع درجة توتّر عالية بينها وبين جمهور المشاهدين اليهود الإسرائيليّين.

لم يكن مفاجئًا أنّ أغلب جمهور المشاهدين، عدا الكاتب ومشاهِدة أخرى،[23] كانوا من اليهود الإسرائيليّين الأشكناز الذين يعملون في المجال الفنّيّ. هؤلاء شكّلوا منذ بداية المسيرة نوعًا من الحلقة التي رافقتها وفصلت بينها وبين الحيّ وأهله. فبينما كانت أنيسة “بنت البلد” تتعانق بحميميّة مع مكانها وطُرُقه وأزقّته، كان مشي هذا الجمهور متوتّرًا متبعثرًا وغير منضبط في إيقاع ما، بل كثيرًا ما كان هذا الجمهور يبحث عن جمهرته/جمهوريّته التي توقّع أن تنسكب مباشرة في لحظة وضع قدمه في الوادي؛ إلاّ أن ذلك لم يحصل. كانت أنصاف المحادثات بين الجمهور تشير إلى اتّهام أنيسة بأنّها لا تدري ما هي فاعلة، وأنّ ما تعمله لا يبدو فنًّا، وما إلى ذلك من جمل تسحب الإرادة والقصديّة والفاعليّة الفنّـيّة من أنيسة. هذا الخطاب المتشنّج العدوانيّ من الجمهور ينبع مباشرة من قدرة أنيسة وأدائها الزمنيّ في المكان بما هي ابنته، فهي كالنبيّات عادت إلى أصل تهجّرَت منه قسرًا. إنّ علنيّة الأداء الفنّيّ، في هذا الشكل من الفنّ، لم تترك مجالاً أمام الجمهور إلاّ أن يستمرّ بمرافقة أنيسة دون قدرتهم على الاختباء أو الهرب في أزقّة الوادي. بالفعل، لقد أوقعتهم أنيسة في مصيدة لم يحسبوا لها حسابًا، مصيدة الوقوف بين أداءٍ يستردّ النبوّة/الزمن/التاريخ ومكانٍ لا يكون إلاّ بأهله. لم يتنفّس هؤلاء الصعداء إلاّ بعودة أنيسة إلى المتحف، والفضاء الإسرائيليّ المألوف. فما هو كنه هذه العودة؟

4.    

هنالك العديد من أشكال التجمّعات السكّانيّة للفلسطينيّين في المناطق التي احتُلّت عام 1948. ومن هذه الأشكال المدنُ الفلسطينيّة التي طُرد وهُجِّر جلّ سكّانها في نكبة 48، والتي بقي فيها جزء بسيط من أهلها لأسباب شتّى، وهي: الرملة، اللدّ، يافا، حيفا وعكّا. لقد نما هذا الجزء البسيط الباقي، حيث نجد أنّ الفلسطينيّين الذين يسكنون هذه المدن أصبحوا مجتمعًا مميّزًا ولهم تجربتهم الخاصّة، والتي تختلف عن تجربة المدن والقرى الفلسطينيّة الأخرى. وبالرغم من حضور هذه التجربة في الأدب والفنّ الفلسطينيّين، مثل متشائل إميل حبيبي وبعض أعمال الفنّان عبد عابدي، لم تبدأ تجربة هذه المدن تنعكس في الإنتاجات الفنّـيّة المختلفة على نحوٍ أكثر مركزيّةً، إلاّ في العقد الأخير، بحيث أصبحت التجربة ذاتها في بؤرة هذه الأعمال، مثل فيلم عجمي لإسكندر قبطي وفيلم ميناء الذاكرة لكمال الجعفري، وكلاهما كبرا وترعرعا في يافا والرملة على التوالي. كبرت أنيسة وترعرعت في عكّا؛ وهي ممّا لا شكّ فيه تحمل هذا المخزون المدينيّ الاجتماعيّ السياسيّ بكامل ثقله وخفّته.

تجمّع الفلسطينيّون في حيفا في ثلاثة أحياء رئيسة: عبّاس؛ وادي النسناس؛ الحلّيصة. مارست سلطات الاحتلال ومؤسّساته المختلفة إستراتيجيّات مختلفة لاحتواء هذه الأحياء، وخصّت وادي النسناس -بالإضافة إلى تحويله إلى حيّ محاصر من حيث علاقته بسائر الفضاء المدينيّ- بإستراتيجيّة المَتْحَفَة، وهي إستراتيجيّة سيطرة وزيادة للربح الذي تجنيه المؤسّسة الاستعماريّة من عمليّة تفكيك وإعادة ترتيب الفضاء الاجتماعيّ الفلسطينيّ.[24] وتعمل المَتْحَفَة على تحويل المُستعمَر إلى ضحيّة صوريّة من الممكن عرضها وممارسة النظر (Gaze) عليها، وإذ نحن لسنا بصدد الخوض في تاريخ إستراتيجية المَتْحَفة في النظام الصهيونيّ، نودّ التشديد على أنّ المَتحفة في أساسها تُقْصي الفلسطينيّ من التاريخ الذي يقف فيه الصهيونيّ ويمتلكه، وبذلك يصبح من الممكن “أكل” الفلسطينيّ واستهلاكه، مجازًا وحرفيًّا، من طرف النظام وأفراده.[25] وبهذا، لعلّ تاريخ وادي النسناس هو من حيفا أكثر ما فيها من عين ومن موقع للنظر فيها، ولقد جرى تعميم هذه التجربة على سائر فلسطينيّي 48. فممّا لا شكّ فيه أنّ طور الصراع الاستعماريّ الأخير يتميّز بكون فلسطينيّي المناطق المحتلّة عام 1948 أصبحوا يتشكّلون عبْر عملهم كعين على ومن خلال كونهم صورة لمأساة تتكرّر.[26]

ترجّل الله من على عرشه على شواطئ فلسطين، وانغمس بين جموع عباده ولم يعثر له على أثر منذ ذلك الحين. والآن/هنا في فلسطين قد تظهر نبيّات… لا يعدن إلى السجن/المعبد الأوّل بل على الأغلب يقمن بإحراق النظام القديم، بدءًا من معابده إلى آخر كفّاره

تُضْبَط الحركة من وإلى وادي النسناس بعدّة أشكال من الرقابة والعقاب، قد تكون الشوارع والأبنية من أهمّ الإستراتيجيّات التي تحوّله إلى منطقة محجوبة لكونه بؤرة مُقلِقَة بعلاقاته للفضاء الصهيونيّ. إنّ البناء الذي تنطلق منه أنيسة في بداية العمل، ولتعود إليه في نهايته هو متحف حيفا، الذي بالإضافة إلى رمزيّته الاستعماريّة كفضاء مكعب أبيض مخصّص للجماليّة النظاميّة، له وظائف في ترتيب الفضاء ككلّ. يمتدّ من تقاطع شارع الجبل مع زقاق حداد صفٌّ من المباني يشمل عمارة حديثة البناء وهي تبرز في غربتها من حيث موادّ البناء ونسيجها كما من حيث الأسلوب، لتأتي بعدها بنايتا بيت الكرمة، ومن ثَمّ على الزاوية بين شارع الجبل وشبتاي ليفي بناية المتحف التي تمتدّ يسارًا في ليفي حيث أمامها ساحة. هذه السلسلة من العمارات هي عبارة عن زاوية شبه قائمة، وهي تفصل الوادي عن سائر الفضاء وتحجب الرؤية من الوادي كما تحجب رؤيته اليوميّة. إنّ مسار “احفظ التاريخ: بعد الظهر” هو في الفضاء المحجوب من حيث الوجود الاجتماعيّ التاريخيّ كجماعة لها شكل حياة، والقائم في المشهد الصهيونيّ كمتحف عكسيّ، أي لا-شكل-ثلاثيّ أسود. للوهلة الأولى، يبدو أنّ الشكل الهندسيّ لمسار “احفظ التاريخ” هو ثنائيّ الأبعاد وهو ظلّ عكسيّ للزاوية القائمة التي تغلق سجن الوادي باتّجاه إمكانيّة صعود الوادي إلى أعلى الجبل. إلاّ أنّ مسار أنيسة شكل هندسيّ ثلاثيّ الأبعاد مغلق، هو أقرب إلى الهرم منه إلى أيّ شكل آخر، وهذا نتيجة لطبوغرافيا الموقع الموضوعيّة، سفح جبل وواد، وإلى خيارات قامت بها أنيسة لتلتحم عبرها بالجسد المحجوب. فتخيّل معي، أيّها القارئ، مسار العمل نقطة البداية المتحف، يبدأ المسار /الخطّ الراسم للشكل الهندسيّ بالنزول في درج دور وانحداره يقترب من 45 درجة، في أسفله تُعرِّج إلى اليسار لتشكّل الضلع الأولى من قاعدة الهرم المربّعة، وهو شارع الوادي، في نهايته تَلتَفّ إلى اليسار لتدخل شارع الخوري وهو يشكّل الضلع الثانية لقاعدة الهرم المربعة، ومن ثَمّ في نهايته تأخذ اليسار ثانية في شارع الجبل، الضلع الثالثة والموازية للأولى (شارع الوادي) من حيث الطول، وعندما تصل زقاق حدّاد تأخذ يسارك للمرّة الثالثة لتدخل الضلع الرابعة الموازية للضلع الثانية (شارع الخوري) طولاً، في نهايته تتّجه إلى اليمين في شارع الوادي إلى أن تصل درج دور فتصعد إلى باحة المتحف لتغلق الهرم. الخطوة التالية في التجريد الهندسيّ هو ربط الحركة المتأتّية من صفّ البنايات التي تلتفّ على الوادي بزاوية شبه قائمة بجسد الهرم المتأتّي من العمل الفنّيّ خاصّتنا، فنرى بصريًّا حركة ساعد يلتفّ على رقبة ليخنقها، بينما تحاول الرقبة وجسدها الإفلات من هذه القبضة عبر المشي في الفضاء الذي يحجبه هذا “السّاعد”. إنّ ما يخلق جماليّة هذا المشهد هو كون الجسد الهرميّ في حركة مشي مستمرّة في مقابل “سكون” الأبنية التي تشكّل “السّاعد”، حيث إنّنا -في المعتاد- نرى الجسد ساكنًا والذراع متحرّكة. والحركة الأساسيّة هنا هي العودة للسعي ومن ثَمّ السعي في مناكب الحيّ كفعل في الحياة، لينهض من ثَمّ الهرمُ باتّجاه الإفلات من “فتلة” عضلة ساعِد النظام الصهيونيّ. إلاّ أن هذا السّعي الفنّيّ يعود لينهي مساره في ذات المعبد /المتحف الذي انطلق منه.

كما في كلّ عمل، إنّ حركة الإغلاق أساسيّة في إتمام المقولة الجماليّة للعمل الفنّيّ، وحتّى إن كانت المقولة في عدم الإغلاق، أي استمرار العمل في توليد التجربة الجماليّة، فإنّ هذه المقولة لتصبح كذلك عليها أن “تُلْفَظ” بلغة الوسيط المستخدم في العمل. مقارنة مع “طاقة” بداية العرض، لم يكن مفاجئًا أنْ عادت أنيسة إلى المتحف، أمّا مقارنة مع تطوّر العمل الفنّيّ خلال سعيه فممّا لا شكّ فيه أنّ العودة إلى ذات مكان الانطلاق، الوقوف أمام البناية ودخولها والخروج “العاديّ” منها، كانت حلاًّ شكليًّا لا يرتقي إلى المسار الكلّيّ من حيث جماليّة العمل. إنّ الحلّ الجماليّ المتمثّل في الخروج إلى السّعي النبويّ وقيادة التلاميذ والأصحاب ليعود إلى المعبد المؤسّسة، أي يدور دورة النبوّة المألوفة من الثورة على السلطة إلى التدثّر بخيمة السلطة إلى تجسيد السلطة في ذات الشكل الجماليّ، هو حلّ يبدو وكأنّه يحمل ضروريّة جماليّة ما تكسو آليّة أساسيّة في تكريس القائم الجماليّ النظاميّ. والحمولة السياسيّة لهذا الحلّ/الشكل الجماليّ التكريسيّ من حيث القفلة، تعني في السّياق الفلسطينيّ تكريس نظام القوى القائم، أي النظام الاستعماريّ في فلسطين.

5.

المتحف الإسرائيليّ ليس بيتًا للفنّ الفلسطينيّ، وغياب المتحف الفلسطينيّ لا يعني استئجار مكعب الاستعمار الأبيض. إنّ هذا الغياب النافي يثير العطش إلى جماليّة حياتيّة لا-متحفيّة، شيء من قبيل حدث الفنّ هو الحياة المتدفّقة. يتميّز الحقل الجماليّ بكونه يحمل الصراعات الاجتماعيّة التاريخيّة غير القابلة للحلّ، يترجمها من حالتها “الخام” إلى لغة الوسيط العينيّ ليتمكّن من ثَمّ من تصويرها أشكالاً متحرّكة قد تولِّد آفاقًا لحلول إنسانيّة ممكنة. إنّ مَأْسسة هذه العمليّة في السّياق الرأسماليّ/الاستعماريّ هو سيف ذو حدَّيْن، على الأقلّ؛ فمن جانبٍ تَحرَّرَ الفنّانون/ات من أسر تبعيّتهم المباشرة للدينيّ والسّياسيّ، ومن جانب آخر، تجذّرت تبعيّتهم بمستوييْن: الأوّل بمؤسّسات دولة القوميّة من أكاديميّات ومتاحف، والمستوى الثاني لأصحاب السّوق الرأسماليّين على طبعاتهم المتعدّدة. في السّياق الفلسطينيّ، هنالك عدة قوى اجتماعيّة تاريخيّة تعمل في الحقل الفنّيّ الفلسطينيّ، وهي تعمل وعيًا ومادّةً وعلى الأغلب بكليْهما معًا. لهذا، وفي سياق تحليل عمل أنيسة، يصبح لزامًا علينا طرح السؤال حول كيفيّة ربط وتَمَفْصُل الصّراعات الاجتماعيّة التاريخيّة، الرؤيا التي يحملها الفنّان، باللغة التقنيّة للوسيط، بالشكل الجماليّ المنبثق من هذا الالتحام، وطُرق تداول هذا الشكل، بما فيها عمليّة تفسيره.

منذ أواسط سنوات التسعين من القرن الماضي، بدأ نمط جديد محدَّد من أصحاب المهن الأكاديميّة والفنّـيّة بالتمأسس في أوساط الفلسطينيّين في المناطق المحتلّة عام 1948. يتميّز هذا النمط بمهنيّة حداثيّة عالية ومتقنة جدًّا، من جانب، وبفقر مدقع من حيث القالب الحضاريّ التاريخيّ الذي قد يحمل وعيًا نقديًّا بالشرط الاستعماريّ، من جانب آخر. وبالرغم من أنّ هذا النمط هو عبْر-مهنيّ، فقد نال اهتمامًا خاصًّا في المجالات الفنّـيّة وذلك لأهمّـيّتها في تعريف حدود الجماعة القوميّة والحضاريّة، بحسب تقسيم العمل الحداثيّ. فالطبيب المختصّ في جراحة القلب، مثلاً، لا تقلُّ أهمّـيّته المهنيّة في تعريف حدود جماعته عن أيّ فنّان أو مغنٍّ أو ممثّل، ولكنّه يُقَنْوَن على أنّه إنسانيّ كونيّ بناءً على موقعه في عمليّة الإنتاج العامّة للمجتمع. ففي سياق المناطق المحتلّة عام 1948، برزت في السنوات الأخيرة قضيّة الفنّانة ميرا عوض التي مثّلت النظام الإسرائيليّ في مهرجان اليوروفيزيون في موسكو عام 2009 ولقد جرى تناول هذه القضيّة في الحيّز العامّ الإعلاميّ والسياسيّ لعدّة أسابيع. ممّا لا شكّ فيه أنّ ميرا عوض فنّانة مهنيّة وموهوبة وتقوم بأداء فنّها بدرجة عالية من الإتقان، إلاّ أنّه من الصعب تحديد مشروعها الفنّيّ من حيث الرؤى والإضافة الجماليّة له، حيث إنّ الانغماس بآليّات السّوق أدّى إلى نوع من الوسطيّة الذوقيّة النظاميّة.[27] ويرافق هذه الازدواجيّةَ نوعٌ من التواطؤ مع الجاني الاستعماريّ عبْر مسوّغات شتّى، حيث إنّ هذه الوسطيّة هي هي القالب الذي يكرِّس النظام، ويُكرَّس من قبله. في سياق الثقافة الفلسطينيّة عامّة، يرُدّ هذا النمط لِما تأسّس على يد محمود درويش عامّة، وإلى ما أسّسه إميل حبيبي في سياق المناطق المحتلّة عام 1948 خاصّة. فالأوّل، لم يفتأ يغازل النظامَ القائمَ في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، أمّا الثاني فلم يفتأ يسوِّغ متشائله بتحويله إلى الرواية الوحيدة الممكنة لهذا الجزء من المجتمع الفلسطينيّ.[28] أمّا أنيسة فلقد أدخلت هذه الصراعات إلى بنْية العمل، الخروج من المتحف المسار في حطام المدينة/التاريخ والعودة إلى المتحف، وبإدخالها الصراع إلى بنْية العمل، لم تملك نيّة أو قصديّة ذاتيّة بل هذه هي المادّة التاريخيّة التي يجب ترجمتها إلى لغة الوسيط، ومن ثَمّ عمليّة تشكيلها.

إنّ الحكيمة/الزّعيمة/النبيّة ليست بمهن حديثة، ولا تحتاج إلى مؤسّسات الدولة، ولا السّوق، لكي تستطيع هذه الأدوار الاجتماعيّة أن تتكلّم. كذلك إنّ هذه الأدوار غائبة عن الثقافة الفلسطينيّة المباشرة، أي المُعلنة، وهي مبطّنة أكثر في احتمالات اللاوعي الجماعيّ، واستحضارها في العمل الفنّيّ هذا يرشقها على أفق الحلول الجماليّة الممكنة للصراعات الاجتماعيّة التاريخيّة غير القابلة للحلّ. هكذا يصبح السّؤال: هل يحتاج المجتمع الفلسطينيّ إلى حكيمة، أم إلى زعيمة أم إلى نبيّة لتقوده من ورطته /مأساته إلى آفاق الانعتاق؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ أنيسة اختارت النبوّة لتحتضن بها الحكيمة والزعيمة، بدلالة الكتابة على الوجه والعباءة كما جاء أعلاه، هذا ممّا أدخلها في ورطة العودة إلى المتحف /المعبد. فمشكلة النبوّة الأولى هي احتمال عزوف الإله عنها، فتصبح يتيمة حدّ الشعوذة. من ناحية تاريخيّة، إنّ الله ترجّل من على عرشه على شواطئ فلسطين، في بداية القرن التاسع عشر، وانغمس بين جموع عباده ولم يعثر له على أثر منذ ذلك الحين. والآن /هنا في فلسطين قد تظهر نبيّات، إلاّ أنّ النبيّات في التاريخ هنّ الزعيمات، اللاتي لا يعدن إلى السجن /المعبد الأوّل بل على الأغلب يقمن بإحراق النظام القديم، بدءًا من معابده إلى آخر كفّاره.


[1] للتوسّع حول المتحف، تاريخه، ومواقعه المختلفة، يُنظر التالي:

Macdonald, S., 2006. A Companion to Museum Studies. London: Blackwell.

Hooper-Greenhill, E., 1992. Museums and the Shaping of Knowledge. London: Routledge.

[2] حول الأداء عامّة ومفهوم الفنّ الأدائيّ، يُنظر:

Goldberg, R., 2011. Performance Art: From Futurism to the present. London: Thames and Hudson.

Carlson, M., 2003. Performance: A critical introduction. London: Routledge.

أمّا بالنسبة لتاريخ حيفا، فهنالك شُحٌّ في الموارد عامّة، يُنظر:

صيقلي، ميّ، 1998. حيفا العربيّة: 1918-1939: التطوّر الاجتماعيّ الاقتصاديّ. بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة.

[3] يُنظر -على سبيل المثال-:

Stone, M., 1978. When God was a Women. Orlando, FL: Mariner Press.

Barber, E., 1995. Women’s Work: The first 20,000 years women, cloth, and society in early times. N.Y.: W. W. Norton.

[4] ليس ثمّة أبحاث وافية عن أدوار المرأة في الثقافة الفلسطينيّة في ما هو “قبل السياسيّ” أو “في ما وراءه”. كلّ بحث في المرأة يضبط حركتها في الفضاء السياسيّ السائد. للوهلة الأولى، شخصيّة “بنت البلد” هي مجال قبل-سياسيّ، بمعناه المشتقّ من الخطاب الوطنيّ، ولذلك حدّها الأقصى في السياسيّ هو خانة التراث، أي ليست فاعلة في التاريخ.

[5] في سياق الثقافة الفلسطينيّة، يُقال في المرأة التي تتزوّج رجلاً من خارج قريتها /مدينتها، وأحيانًا عائلتها، إنّها تغرّبت. أمّا أهل القرية /المدينة التي تَفِدُ إليهم فيسمّونها الغريبة، وذلك إلى أن تموت. وهنالك الكثير من الأغاني التي تُسمَّى “شعبيّة” تندب حظّ المغتربة /الغريـبة.

[6] للتوسّع حول هذا الموضوع، يُنظر التالي:

Osborne, R., 1998. Archaic and Classical Greek Art. Oxford: Oxford University Press.

Henig, M., (ed.) 1983. A Handbook of Roman Art: A survey of visual arts of the Roman world. London: Phaidon.

[7] لعرض أوّليّ حول موقع الجسد في الفنّ، يُنظر:

Orielly, S., 2009. The Body in Contemporary Art. London: Thames and Hudson.

Jones, A., 1998. Body Art\Performing the Subject. Minneapolis: University of Minnesota Press.

[8] حول التاريخ الاجتماعيّ للقطن، يُنظر:

Yafa, S., 2006. Cotton: Biography of a revolutionary fiber. London: Penguin.

[9] للاطّلاع على تاريخ الولايات المتّحدة في القرن التاسع، يُنظر:

Barney, W., (ed.) 2006. A Companion to 19th Century America. London: Blackwell.

[10] حول الفنّ الأمريكيّ في القرن التاسع عشر، يُنظر:

Novak, B., 2007. American Painting of the Nineteenth Century: Realism, Idealism and the American experience. Oxford: Oxford University Press.

[11] للتعرّف على مدخل تحليليّ للجماليّات العربيّة الإسلاميّة، تُمْكن مراجعةُ التالي:

شربل، داغر، 1998. مذاهب الحسن: قراءة معجميّة-تاريخيّة للفنون العربيّة. بيروت وعمّان: المركز الثقافيّ العربيّ والجمعية الملكيّة للفنون الجميلة.

[12] للتوسّع في هذا الموضوع، يُنظر:

Hollander, A., 1993. Seeing through Clothes. Berkeley: University of California Press.

[13] يُنظر التالي -على سبيل المثال-:

Kleinbauer, E., et. Al., 2004. Hagia Sophia. London: Scala.

[14]  Janson, H. W., 1995. History of Art. London: Thames and Hudson, p. 231.

[15] المصدر السابق، ص 236.

[16] للتوسّع حول هذا الموضوع، يُنظر:

Behringer, W., 2004. Witches and Witch-Hunts: A global history. London: Polity.

[17] في سياق الفنّ الفلسطينيّ، قارن/ي تعامل منى حاطوم مع الجسد في أعمالها الأولى.

[18] الغذامي، عبد الله، 2006. المرأة واللغة. بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ (ط3).

[19] من المهمّ التنويه للعلاقة المركّبة بين الكلمة والصورة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، عامّة، والثقافة الفلسطينيّة، خاصّة. فنرى أنّ سطوة سلطة الكلمة، في شكلها الشعريّ تحديدًا، كانت سائدة لغاية أواسط العقد الأخير من القرن العشرين في الثقافة الفلسطينيّة، حيث باستثناءات قليلة كانت الصورة ترجمة تشكيليّة لِما هو الكلمة الشعريّة. أمّا اليوم، فنرى أنّ هنالك محاولة لخلق لغة صوريّة لا تبدأ بكونها ملحقًا على الكلمة، بل من مبدأ صوريّ ناظم يشتقّ من طبيعة الصورة ذاتها. ولعلّ الكمّ الكبير من العاملين في الحقول ذات الصلة بالعمل البصريّ الصوريّ هو دليل على هذا التوجّه.

[20] إنّ الحالة الاستعماريّة الثقافيّة الهجينة hybrid التي تميّز الفلسطينيّين الذين يقعون تحت الاحتلال المباشر للنظام الإسرائيليّ، مناطق 48، وفي الضفة الغربيّة وقطاع غزّة، لم تُدرس بعمق. وعلى الأغلب تتّسم الدراسات بطابع تصنيفيّ على قاعدة “من أنت؟” وَ/أو “ما هذا؟”. فعلى سبيل المثال، يجري استخدام مفهوم الأسرلة لوصف التأثيرات التي تطال الفلسطينيّين في المناطق المحتلّة عام 1948، فبالإضافة إلى مفارقة كونه مصطلحًا نحته إيلي ريخس، حيث إنّ الفلسطينيّين إما يصبحون أكثر إسرائيليّة أو أكثر فلسطينيّة، وكأنّ هذه خارج التاريخ. إنّ التركيبات الثقافيّة هي عمليّة تاريخيّة متدفّقة باستمرار، ولعلّ اللغة المستخدَمة هي من أبرز ما يدلّ على التركيبات الجديدة والتي لا تخضع لسؤال سياسة الهُويّة الليبراليّ.

[21] هذا الشكل السرديّ إلى حدّ ما يحمل الخطاب الوطنيّ إلى ما هو أبعد منه، حيث يسائل الحدث الاجتماعيّ عن “أوّليّة” الحارة.

[22] للتعرّف بشكل أوّليّ وملخّص على مفهومَي الخروج والتغلّب كأنماط في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، يُنظر:

بشارة، عزمي، 2011. الثورة والقابليّة للثورة. الدوحة: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

[23] هي الممثّلة خلود طنّوس.

[24] يُمارِس النظام الصهيونيّ عدّة إستراتيجيّات سيطرةٍ مادّتُها الأساسيّة الفضاء الاجتماعيّ، لغاية اليوم ليس ثمّة بحث وافٍ عن هذه الإستراتيجيّات. مؤخَّرًا، هنالك اهتمام خاصّ بما يمارسه النظام في الضفّة وغزّة، وذلك بسبب الطابع “المرئيّ” لهذه الممارسات، مثل الجدار. حول المَتْحَفَة، يُنظر الكتاب التالي لسوزان سلايموفيتش (وهو إشكاليّ من الدرجة الأولى، حيث يوازي بين الجاني والضحيّة ليصبح المخيّم وقرية الفنّانين “عين حوض” على ذات المستوى الأخلاقيّ التاريخيّ:

Slyomovics, S., 1998. The Object of Memory: Arab and Jew narrate a Palestinian village. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

[25] حول كون إستراتيجيّات الإقصاء جزءًا تمهيديًّا مُؤسِّسًا لعمليّات القتل المنظّمة من طرف الغرب الرأسماليّ للشرق المستعمَر عامّة، يُنظر التالي:

Wolf, E., 1982. Europe and the People without History. Berkeley: University of California Press.

[26] ممّا لا شكّ فيه أنّ تحوّلاً جذريًّا حصل بين الفلسطينيّين في المناطق المحتلّة عام 1948 والشكل الذي يروون به حكايتهم عن ذاتهم. فإن كان من الممكن أن ننسب جزءًا من هذا التحوّل إلى تطوّر التكنولوجيا الاتّصاليّة البصريّة، فإنّ فهمهم لذاتهم كحالة بصريّة-صوريّة (وهو ما لم يكن سابقًا) أصبح هو المنافس الأشدّ لفهمهم لذاتهم عبر السرد النصّيّ المكتوب.

[27] حول مفهوم النظاميّة في السياق الاستعماريّ في فلسطين، يُنظر:

ناشف، إسماعيل، 2011. حول إمكانيّة دراسة النظم الاستعماريّة: فلسطين نموذجًا. في: إسماعيل ناشف (محرّرًا)، النفي في كتابة إسرائيل. رام الله: مدار المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة.

[28] للتوسّع في هذه القضيّة، راجع التالي:

درّاج، فيصل، 1996. بؤس الثقافة في المؤسّسة الفلسطينيّة. بيروت: دار الآداب.

0 تعليق على “مأساة نبيّة؛ أو، تفاصيل فشل عودة البنت الضائعة/ إسماعيل ناشف”

أضف تعليق