عن تفكيكِ الرّمل، وحداثةِ السّفر / علي أبو عجميّة

عن تفكيكِ الرّمل، وحداثةِ السّفر / علي أبو عجميّة

فصول المجموعة متأرجحة، تجنح للتأمّل الحميم، والرؤية البديعة، كما في “كوميديا الشهوة”، و “تحولات الثلج”، و “رؤية ورؤيا”، وتجنحُ للخفّة المحبّبة، والاختزال المتقن، كما في “الزيارات”، و “هايكو فيثاغورس”، و “هالوين” ومشاهدها.

qaditta - an tafkeek al raml

.

|علي أبو عجميّة|

(قراءة في “صحراء في المترو” للشاعر: أشرف الزغل).

.

- 1-

هكذا يبدو أشرف الزغل، مُسافرًا في الأمكنةِ الخصبة، الحديثة والغريبةِ والنائية, مُقيمًا في فصحاه، القريبة والأليفة والمتوالدة، لغةً وهُويّةً وإرثا. الصحراء عنده: كائن شرقيّ متحرّك، أو راكبٌ شائك، بأمتعة، وحمولاتٍ أصيلة، كالقبيلةِ وخيامها، ونخلها، وعسلها، ولبنها، حيث تمضي كلّها ­­على ظهر راحلةٍ عصريّة هي “المترو”، تمضي في “رأسِ قيس”  كما يقول، وتمضي في رأسِ الشاعر المسافر؛ إذ بكثيرٍ من الجرأة والاقتدار في التجريب، يفكّكُ رملهُ ويحاوره؛ وبكثير من المعالجات الفنيّة والسرد، يشحذ سفرهُ ويمرّرُ حداثته.

أَرْكُضُ خلف قيسْ

أَمْسَحُ الغبارَ عن رأسهِ

وأُحصي دَمهُ على الرَّملْ

خلفي القبيلةُ تحملُ قلبَ قَيسْ

ورأسي” ( كوميديا الشهوة، ص 7 – 8).

فصول المجموعة متأرجحة، تجنح للتأمّل الحميم، والرؤية البديعة، كما في “كوميديا الشهوة”، و “تحولات الثلج”، و “رؤية ورؤيا”، وتجنحُ للخفّة المحبّبة، والاختزال المتقن، كما في “الزيارات”،  و “هايكو فيثاغورس”، و “هالوين” ومشاهدها.

 .

-2-

في قصيدته“أفعال الريح”، يُغيّب الزغل الريحَ، كمفردة حسيّة في العمل الشعريّ، أعني يُغيّبها كمقولة، ليجعل مكانها: الأثر، وليتركها للكائنِ إذ يكرّسها؛ بأفعاله الدائرةِ عليه. فتنطق (الريح) بكونها ذاتًا أو كائنًا، وتلتهم رأس”دالي” فتكون الوصايا، وتكون الكتابة. إنّ الريح لا تكاد تُبين، لكنّ تصييرها بائن. إنّها تضرب باب الأسئلة، وتُحيلنا إلى ميتافيزيقيّة اللهاث، وسليقةِ الوعي الشِعري. يقول:

دَعْ تلك الساعاتِ على الشاطىء كغسيلٍ قذرٍ

والصحراءْ … ضَعْها في ظلّ فَراشَةْ

أما الوردة … فازرَعْها في عيني.” (أفعال الريح، ص33).

ليواصل في مقطعها الثاني:

لعلّها دودةٌ شرهةٌ

لعلها قوة الجذب: الوحشُ القابعُ تحت كلِّ شيء

لعلها الفصولُ: فلسفة المسافةِ بين اللونِ واللونِ

لعلها الحواسُّ أو اللغةُ،

هل اللغة حاسةٌ من الحواسْ؟

تتشابه الفصول على الحواسِّ

تتشابه الحواسُّ على اللغةِ

تسقط كلمةٌ أو كلمتان،

يسقط فصلٌ ويصعدُ فصلْ” (أفعال الريح، ص 35 – 36.)

إنّه الاشتباه الكبير بين اللغة والحواس والفصول، وهذا كلّه من “أفعال الريح” الأكيدة.

أمّا في “تحولات الثلج”، فيلج الزغل إلى الإيقاع، ويعقد بيانًا شتويًّا بين “شفة المحبّ وصدره وكتفه”، وأشياء الصحراء التي أسّس لها، وأسّس عليها؛ ويحيل في الوقت ذاته إلى النص القرآنيّ، إذ يقول: “ستعجبُ الزرّاع نخلتها التي دلقتْ على عَجَلٍ مرايا المُؤمنينْ” ، لينتهي إلى صورة صقر البادية، واقفًا، متروكًا على كتف المُحبّ يلوك الثلج. تلك هي ثنائية الحرّ والبرد، الجفاف (الصحراويّ) ونقيضه، وبينهما: برزخٌ يبغي كل واحد منهما الآخر، فلإيلافِ الشِعْر إيلافه، رحلة الشتاء والصيف!

الثلجُ متروكٌ على شَفَةِ المُحبِّ

وفوقَ رملٍ عالقٍ في الغيم زبدتُها التي

سالتْ من الصيفِ المُخبأ في معاطفها، الحميمِ

كشالِها المسكوبِ في بحرٍ تمدَّدَ

فوق صَخرتها ونامَ

ستُعجب الزُرّاعَ نخلتُها التي

دلقت على عَجَلٍ مرايا المؤمنينْ

 .

الثلجُ متروكٌ على صَدرِ المُحبِّ

فلا ينامُ ولا يُنيمُ ولا يُقيمُ رسومَ وحيٍ آخرٍ

إلا منازلها التي

حرَثَت بيادرَه طقوسًا لليبابِ لكي تزورَ جفافَها

قبل انتهاءِ صعودِها لمنابعِ الجَوعى

سَتُؤانسُ القطعانُ عشبَتَها التي

وَثَبتْ على نَقْشِ اليبابْ

 .

الثلجُ متروكٌ على كتفِ المحبِّ

كصقرِ باديةٍ يلوكُ الثلجْ” (تحولات الثلج، ص 48 – 49).

 .

-3-

 يركب أشرف الزغل “المترو”، ويتأمل تلك العجوز التي تلتقط الأجرة، بكثير من الحميميّة، والإسقاط المُباشر، غير أنّ المفارقة بين طبقة العجوز، وطبقة الملكة، تُحيله إلى مفارقة “القفلة” التي تجعل مفتاح الشِعر في النهاية، وتجعل من البسيط، اليوميّ، متحدثًا باسمنا الشخصيّ، وتجعل من المسكوت عنه، منطوقًا، ومنطقًا، وحكاية.

“… العجوزُ في المترو

لا تحملُ ضغينةً لأحدٍ

غير أنّها – حديثًا -

بدأت تملُّ من رؤية الملكةِ

صباحَ كلِّ يومْ” (تَفاضَلْ، ص 24).

.

ثمّ يحضر المعلّم، الذي ترك أثرًا كبيرًا – على المستوى الفكريّ والشِعريّ – في الجيل الذي سبق جيلنا، جيل التسعينات، الذي ينتمي له أشرف الزغل؛ ففي فصله “زيارات” الذي يهديه إلى روح حسين البرغوثيّ، يلّخص الزغل أيّامه الأولى، العميقة، الكثيفة، بحنينٍ يأخذ منحى التأمّل والسرد في الذكرى، لا منحى الألم الفجّ، والتكلّف المُكابر.

يأتي نيرودا بالقهوةِ

ينظر حسين في فنجانهِ

يبتسمُ

ويختفي” (زيارة أولى، ص60).

هذا فنجان حسين، الذي يدفعني لتذكّر الضوء الأزرق، الذي يقول فيه المفكّر الراحل: هذا هو الذهن :فنجانك الذهبي.”

 يمضي الزغل في الزيارة الثانية ليصف حسين وهو يتأمل تراب حديقته ويخاطب زوجته “بترا”، ثم يأخذنا إلى “حجر الورد”، وهو الكتاب الأخير الذي صدر لحسين البرغوثي بعد موته، لينتقل أخيرًا إلى الزيارة الثالثة، حيث الوصف القديم، وصف المدينة، حالها، ولحمها، وأيام انتظار طعامها المشتهى، طعام الراحل الكبير:

“المُشاة على الرصيفِ

يأكلونَ لحمَ المدينةِ

قِطعةً قِطعة

على رصيفٍ آخرَ

لا زلنا ننتظرهُ

منذ أن جاءَنا بطعامٍ آخرَ

لا دمَ فيه

ولا غبارَ عليه” (زيارة ثالثة، ص62).

 .

-4-

يمكن القول إنّ هذه المجموعة، تقدّم نموذجًا هامًّا، ولافتًا، ومرتبطًا بأنساق القصيدة العربيّة الحديثة. لغتها: متداخلة، ومتماوجة؛ مُؤسِّسةٌ، ومقترِحة، وغزيرة بمفردات المهجر أو الغربة، ومفردات الشاعر الأكاديميّة، بصفته مُهندسًا بوجهينِ وحياة واحدة.

الإحالات الذهنيّة، والاستعارات الفنيّة، فيها قدر كبير من المعرفة والتدقيق الشِعريّ، رغم تفلّت بعض النصوص من حبائلها، أو معمارها، لمصلحة التجريب في الكتابة الأفقية المفتوحة، التي تتمنّع على شهوة التنظيم. ربما هذا يُحيل إلى كلام سوزان برنار حول قصيدة النثر، والشكل الشِعري، إذ تشترط على قصيدة النثر أن تحقق قدرًا  كافيًا من “الفوضى المدمّرة والتنظيم الفنيّ.”

لنختم، بالشِعْر، إذًا:

اللائي نَعْرِفْهنَ بأسماءِ الليلْ

نُهديهنَّ شخوصَ الليلْ

المُشفِقَةُ لأنَّ الشَفَقَ رماها في الشمس فسَكَبَتْ ماءَ الشمسِ

علينا

نُهْدِيها كأسَ نبيذٍ، تفاحًا ومناديلْ

 .

المُعتمةُ لأنَّ العتمة أَرْخَتْ موجَ البحرِ عليها وتَمَطَّتْ

نُهديها شَطاً وشِباكاً وقناديلْ

 .

والساحرةُ لأنَّ السِحْرَ الساحرَ ترك أرانِبَهُ في كاحِلِها

نُهْدِيها قبعةً وعصًا وشناشيلْ” (هبة، ص 55.)

 .

شكراً لأشرف الزغل على هِباته، شكرًا “لقبّعة” الشِعْر، “وعصا” الغِياب، “وشناشيل” فنيّته المدلّاة.

.

(“صحراء في المترو”، للشاعر أشرف الزغل، منشورات المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى، 2013.)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>