ملف خاصّ عن جائزة جوديت بتلر: عبد الرحيم الشيخ، رنا بركات، بيان فلسطيني داعم وردّ بتلر

نالت الفيلسوفة العالمية جوديث بتلر “جائزة أدورنو” في 11 أيلول 2012، بعد ضجة افتعلتها جهات صهيونية وداعمة لإسرائيل، بادعاء أنها تدعم “حماس” و”حزب الله” وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وبأنها معادية للسّاميَّة

ملف خاصّ عن جائزة جوديت بتلر: عبد الرحيم الشيخ، رنا بركات، بيان فلسطيني داعم وردّ بتلر

بتلر تتسلم الجائزة

ننشر هنا ثلاث موادّ تتعلق بالمطالبة التي علت مؤخرا ضد تسلم الفيلسوفة العالمية جوديت بتلر “جائزة أدورنو”، حيث تقرأون بحسب الترتيب: جوديث بلتر في إهاب أدورنو: “بَسْ الوفا عَ الحُر”؛ “إنني أدعو إلى يهودية غير مرتبطة بعنف الدولة”؛ وبيان فلسطيني داعم لها

جوديث بلتر في إهاب أدورنو: “بَسْ الوفا عَ الحُر”

|عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات|

إنّ نيل الفيلسوفة العالمية جوديث بتلر جائزة أدورنو في 11 أيلول 2012، وما أثير حول استحقاقها “أخلاقياً” لتلك الجائزة الألمانية الرفيعة من سجال، يقتضي من المتأمل، وبخاصة غير اليهودي، في هذه المسألة الإتيان على ثلاث قضايا مركزية وعلائقية: أولاها، السياق الفكري والسياسي، الأوروبي عموماً والألماني بخاصة، الذي تثار فيه هذه السجالات ذات العلاقة باليهود وإسرائيل وما يكتنفها من سرديات “أخلاقية” احتكارية كبرى ممركزة أوروبياً؛ وثانيتها، موقف المثقفين اليهود وغير اليهود من هذه السجالات بمن فيهم بتلر في إهاب أدورنو وجائزته؛ وثالثتها، المحاولات البائسة لابتكار لاهوت معياري، وريشة “معات” أوروبية ذات هوية يهودية حصرية واحتكارية لوزن قلوب المثقفين غير اليهود، ومطاردة نواياهم، ودوافع أفعالهم التي لا ينبغي لها أن تجترئ على اللاهوت الغربي، الممركز أوربياً، تجاه إسرائيل.

مدرسة فرانكفورت والثورة على الأداء اليهودي حسب النوتة الألمانية

كمجاز مبكر لمآلات التلقِّي لنتاجات مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية، يمكن للمرء أن يستدعي القصة الأثيرة عن الشاعر الألماني-الفرنسي (بولندي الأصل) بول سيلان (1920-1970)، الذي كان الحاضر الأكبر في مشهدية الشعر الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وهي قصة إلقائه للشعر، إذ كان سيلان، يهودي الهوية والهوى، يلقي الشعر المكتوب بالألمانية بتنغيم توراتي التقطه، كسائر الأطفال اليهود، في الكُنس والمناسبات التي تُتلى فيها الترانيم الدينية بالعبرية القديمة: لفظاً وأداءً. غير إن الذائقة الشوفينية للسياق النازي ألزمت أساتذة سيلان وسامعيه بإرغامه على إعادة الإلقاء “بشكل صحيح”… مراراً وتكراراً، حتى يشرع الطفل بالبكاء. بكى بول سيلان، ويا لبكائه المرِّ، لكن مرارة البكاء تلك كانت قدح الزند لمقولته الشهيرة: “ما من شيء يمكن أن يمنع المرء من الكتابة حتى لو كان الشاعر يهودياً واللغة التي يكتب بها قصائده هي الألمانية.”

بعد أقل من نصف عقد من ولادة سيلان، ولدت مدرسة فرانكفورت، التي توالت سلالاتها من المفكرين والفلاسفة الذين ولدوا لعائلات يهودية أوروبية، نسباً أو انتساباً، من أدورنو حتى بتلر، بين الحربين العالميتين كردة فعل على أمرين: الأول هو ثورتها على الاستغراق في الأسئلة النظرية وما تُرمى به الفلسفة من تعقيبية غير منتِجة، تفسِّر الحدث ولا تشارك في صناعته وتوجيهيه حالها حال “بومة منيرفا” التي أحسن هيغل (1770-1831) حين وصفها بأنها “لا تحلِّق إلا في الغسق.” والآخر، هو ثورتها على مآلات مشروع تنوير كانط (1724-1804) الرومانسي الذي ابتدأ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، في جانب مهم منه، كمحاولة لمصالحة الهسكلاه اليهودية على حصرية “العقلانية” الممركزة أوروبياً ضمن “دولة القومية،” وانتهى باستيقاظ العقلانية الانتحاري على أفظع مذابح دولة القومية في أوشفيتس ومثائله في أواخر النصف الأول من القرن العشرين. غير إنه لمن الإجحاف الكبير وسم مدرسة فرانكفورت، بأجيالها الثلاثة، أو وصمها بأنها كانت ردة فعل وحسب، إذ جاءت بالعديد من المنظومات النظرية والاجتماعية والإنسانية والجمالية التي لا تزال مدارس “الفلسفة القارِّيَّة” تتناسل من رحمها. ولعل أبرز ما ولَّدته تلك المنظومات، أخذاً بعين الاعتبار يهودية المولد لأبرز منظِّريها، هو الحقل الموسوعي والإشكالي في آن معاً، والموسوم بـ”الأخلاقيات اليهودية” التي مارست باقتدار نظرية-التطبيق.

لا شك أن قيام دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيونية في فلسطين، كإحدى الاستطالات الأكثر إشكالية في التاريخ العالمي الحديث لاستعمارية المركز الأوربي، وبوصفها، كما وصفت نفسها، “الوطن القومي ليهود العالم” وحاميتهم ضد “نزعات اللاسامية ومعاداة اليهود،” كان مثار جدل واسع لسلالات هذه المدرسة، وبخاصة فيما يتعلق بمصير الشعب الفلسطيني الذي كسرت دولةُ الاحتلال حداثَته، وشرَّدته، وحالت دون قيام دولته وتقرير مصيره. وفيما بدا وكأنه اكتفاء بإعلاء سؤال النظرية على سؤال التطبيق في كتابات آباء مدرسة فرانكفورت من أمثال تيودور أدورنو (1903-1969) وفالتر بنيامين (1892-1940)، انخرط آخرون من سلالاتها الفرعية، من المنظرين يهود المولد، في التطبيق الأخلاقي للأسئلة من حنه آرنت (1906-1975) ومارتن بوبر (1878-1965) وغيرشوم شوليم (1887-1982) إلى بريمو ليفي (1919-1987) وجوديث بتلر (1956-) وجيل النجار. وعليه، فقد كان مصير شعب فلسطين، والسياسات الاستعمارية العنصرية التي تقترفها دولة إسرائيل في صميم اهتمامات هؤلاء كلُّ باسمه ورسمه كـ”مثقف يهودي.” لكن اللافت، في هذه النسابية (المختزلة لضرورات المقام) أنه على الرغم من مرور قرابة قرن من الزمان على ولادة بول سيلان ومدرسة فرانكفورت، إلا إن معادلة “الأداء اليهودي حسب النوتة الألمانية” لم تغيِّر اتجاهها، بل عززته بعد أن أتـمَّت الماكينة السياسية والثقافية الألمانية “تحوُّلها” إلى الدور الجديد كجبهة أولى في حماية دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والدفاع حتى عن سياسات الفصل العنصري، وجرائم الحرب التي تقترفها ضد الفلسطينيين والعرب من رفح حتى قانا.

وراثة أدورنو “في موطنه،” وتهويد اليهودي

سعيد على بوابة فاطمة

لم يكن مفاجئاً، إذن، أن تنطلق حملة الاحتجاج على منح بتلر جائزة أدورنو من ألمانيا. لكن المفاجئ الذي لا يفقد خاصية الدَهش، هو المزايدة على حساسيات بتلر كـ”مثقفة يهودية،” إذ لا بد للمثقف اليهودي أن يحظى بـ”شهادة منشأ ألمانية” حتى يُقبَل في النادي الفعلي أو “الفخري” لمدرسة فرانكفورت التي لم تعد كذلك على أية حال. وهنا، لا يتسع المقام لاستعراض سيرة بتلر الفكرية والسياسية، ولا نقاش التعالقات الشائكة لكتابتها مؤخراً حول إسرائيل والقضية الفلسطينية، إذ عالجنا ذلك على نحو  تفصيلي في دراستنا المنشورة في (العدد 87/2011) من مجلة الدراسات الفلسطينية، بعنوان: “المثقفة اليهودية الأخيرة: جوديث بتلر قارئة لسعيد ودرويش.. حول المقاطعة والحرية الأكاديمية”  والتي عمدت إلى تحليل النسيج الثقافي الذي ولَّد تقاطعاً إشكالياً بين “المسألة اليهودية” و”المسألة الفلسطينية” لدى بتلر، وما نتج عن هذا التقاطع من مواقف أخلاقية تجاه قضايا مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين. وقد قرأت الدراسة هذا التقاطع، رأسياً، على ثلاثة مستويات: أولها، ظهور تيار تقدُّمي عالمي في الثقافة اليهودية الناقدة لحصرية الفكرة الصهيونية وتمثُّلات تلك الحصرية في التحقق الفعلي للفكرة بالأنموذج الدولاني لإسرائيل وما اقترفته بحق فلسطين والفلسطينيين؛ وثانيها؛ تجدد هذا التيار في الثقافة والأكاديميا الإسرائيلية ابتداءً من عقد الثمانينات في القرن الماضي وحتى اللحظة؛ وثالثها، كيفية تلقِّي هذين التيارين في الثقافة الفلسطينية، وما أحدثه من أثر على خطاب المثقفين اليهود المؤيدين لسياسات مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين. هناك، اتخذت الدراسة من بتلر، فكراً وممارسة، مثالاً للإجابة على ثلاثة أسئلة مركزية في هذا السياق تستقرئ كتابات إدوارد سعيد ومحمود درويش ذات العلاقة، وهي: ما معنى أن يكون المثقف يهودياً؟ وما معنى أن يكون اليهودي مثقفاً؟ وما معنى “مسؤولية المثقف اليهودي الأخير،” بالمفهوم السعيدي، على مستوى المثقفيَّة والفعل الثقافي في آن معاً تجاه القضية الفلسطينية؟

وفي هذا المقام، سنكتفي بالإشارة إلى بتلر في ردها على من وصفوها بـ”اليهودية الكارهة لذاتها” و”المعادية للسامية،” وبخاصة ردُّها المنشور على موقع “موندووايس” الإلكتروني بتاريخ 27 آب 2012، بعنوان: “أنا أؤكد يهوديةً لا علاقة لها بعنف الدولة” على المقالة الاحتجاجية المنشورة في صحيفة الـ جيروساليم بوست الصهيونية بتاريخ 26 آب 2012، بعنوان: “فرانكفورت تمنح (جائزة) لداعية أمريكية لمقاطعة إسرائيل.” في مقالتها اللامعة، قدًّمت بتلر دفاعاً بليغاً عن نفسها كمفكرة وكيهودية، إذ بقيت الأفكار الناظمة لما يعرف بـ”الأخلاقيات اليهودية” المحرِّك الأساس وذروة السنام في معظم أعمالها. وحسب بتلر، فقد منحها وجودها ضمن مَعين يهودي، وفي حاضنة الأخلاقيات اليهودية، أساس التزامها الفكري والسياسي بقضايا العدالة الاجتماعية. فقد لعبت بتلر دوراً محورياً في الدفاع عن حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، وكانت بتلر على الدوام صوتاً مدوياً ولافتاً في دوائر الفكر الغربي، وبخاصة في المعاقل المعادية لفلسطين في العواصم الأوروبية والأمريكية.

وكما يظهر من النداء الذي وجهته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، بتاريخ 11 أيلول 2012، فإن السجال الدائر حول نيل بتلر لجائزة أدورنو وما أثير حوله من جدل، شأنه شأن أعمال بتلر نفسها ومواقفها، استوقف الفلسطينيين عموماً قراءة، وتقديراً، ودعماً، واستوقف بخاصة تجمعات فكرية ونقابية مرموقة كالاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، واتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن وسم السجال الدائر وتأطيره في حلقة يهودية داخلية، أخذاً بعين الاعتبار اللاعبين الأساسيين فيه (من أدورنو الذي تُخلِّد الجائزة ذكراه، إلى مانحي الجائزة، إلى بتلر نفسها، إلى المحتجين على نيلها الجائزة)، يسهم في قصر السجال الدائر على فحوى وتبعات “الهوية اليهودية.” ولا شك أن تأسيس دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل)، التي تعمل على نحو هستيري أن تكون “دولة لليهود” بأكثر من كونها “دولة يهودية” تحقيقاً لحلم هرتزل الكابوسي، وأن يتم الاعتراف بها كذلك (وطلبه، للمفارقة الجارحة، حتى من الفلسطينيين أنفسهم شرطاً للعودة إلى المفاوضات!)… لقد كان تأسيس إسرائيل وهوس يهوديتها فيصلاً مركزياً بين داعمي هذه الدولة ويهوديتها (أي حصريتها العنصرية) والمعادين لها جرَّاء هذه الحصرية سواء كان ذلك على نحو جزئي أو كلِّي.

صحيح أن الحرية وحق تقرير المصير لم تكن يوماً حكراً على الأخلاقيات اليهودية، وصحيح أن بتلر لم تقصد، في ردِّها بطبيعة الحال، أن تدشِّن ذلك الادعاء… ولكن السياق السجالي يظهر وكأنه حشر للموضوع برمته في هذه الزاوية الخطابية، ما يعني أنه حتى تشارك في هكذا سجال، فإنه ينبغي عليك أن تدشِّن مألوفية من نوع خاص مع “هويتك اليهودية” التي لا بد وأن توجد في مكان ما من ضميرك الخاص والجمعي، أي أن تكون واحداً ممن “يعنيهم” السجال كيهود يريدونه، ويديرونه، ويدورون حوله، ويدور حولهم!

قد يكون “سؤال العنف،” أي المقاومة المسلحة وبخاصة التي يقوم بها كل من حزب الله في لبنان وحركة حماس وفصائل المقاومة المسلحة في فلسطين، والموقف منها، بأكثر من ذلك، هو أحد القضايا الحساسة التي تندرج ضمن هذا التأطير السجالي الذي وقفت منه بتلر موقفاً واضحاً ومنحازاً بلا تلعثم إلى خيار “المقاومة السلمية.” لكن بتلر ضمنت لنفسها موقعاً متقدماً في جينيالوجيا الفلسفة الأوروبية الحديثة كوريثة لأدورنو وآرنت وبنيامين الذين كان السياق الأوروبي في القرن العشرين حاضنتهم الفكرية ومناطهم التراجيدي بامتياز. وفي ظل هذا السياق الفاشي، فقد لعبت الهوية اليهودية دوراً مركزياً، وبخاصة لمن يحاولون منا الاشتباك سجالياً مع المنظومات الفكرية المركَّبة لهؤلاء الفلاسفة الذين أسسوا مدرستهم الفكرية على أنقاض مشروع التنوير الأوروبي الكلاسيكي الذي كانت أوشفيتس، بالقطع، واحدة من كبريات دلائل استحالته، ولمن يحاولون، كذلك، نقض أو نقد ما يوصف بـ “تقاطع المصائر” النتائج عن المسألتين “اليهودية” و”الفلسطينية.”

إن حقيقة أننا لا نزال في ذلك السياق الأوروبي تعزز، بلا شك، مأساة “الحداثة” الأوربية، وتؤكد الاتجاه المركزي في تعريفها ونقدها بأنها لم تكن إلا حكاية سيادة للمركزية الأوروبية التي كان الاستعمار ذروة سنامها. وعليه، فإن اشتراكنا في هذا السجال، بوصفنا “يهوداً” (فكريين!) غير يهود، يعمِّق هذه المأساة، إذ إن أصداء الوسم الأوروبي الاستعماري لنا (في تصريح بلفور مثلاً) كـ”غير يهود” لن يذهب هدراً! وعليه، فإن هذه اللحظة، “الآن” و”هنا”، هي موعد الثورة على هذا السجال وإخراجه من دائرة معاداة اليهودية واللاسامية إلى دائرة معاداة الحصرية الناتجة عن استخدام متطرف لإحدى نسخ الهوية اليهودية واللاسامية التي يتبناها كيان الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل ومناصروه في العالم.

وراثة أدورنو في “منفاه،” وتهويد الفلسطيني

أدورنو

إن التناقض في هذا الخطاب الديني الحصري، ذي البعد الصميمي في هذا المقام “المتعالق” بالأخلاقيات اليهودية والهوية سياسياً، وإن لم “يتعلَّق” بها فلسفياً، يبقى بطبيعة الحال مكنوناً في مفهوم “العلماني” الذي دشَّنه إدوارد سعيد في الإنسانوية العلمانية… هذا إن أخذنا بعين الاعتبار إرث أدورنو كأحد الأساطين الفكرية المقاومة للفاشية الألمانية (والغربية عموماً)، إذ كانت أطروحته حول الإنسانوية والعداء للسامية من أبرز الإسهامات الفكرية في السياق الأوروبي المتوحش. إنه الإرث الذي جسَّدته بتلر عبر العديد من التجليات، نظريةً وممارسة. أما سعيد، فلم يعترف وحسب بهذا الإرث، بل وضع نفسه وبشكل سافر ضمنه سواء حين كان يكتب عن الغرب أو عن فلسطين، وسواء كان في المنفى أو في الوطن. لقد كان سعيد، وبمحض إرادته، المثقف اليهودي-غير اليهودي الذي اشتغل بموضوعة أوروبا واللاسامية على الرغم من علمه بالامتدادات والتداعيات الهائلة لهذا الموضوع خارج أوروبا، وخارج المكوِّن اليهودي للسامية واللاسامية على حدِّ السواء. لقد جاوز سعيد ذلك ونعت نفسه بـ”المثقف اليهودي الأخير، والوريث الحقيقي الوحيد لأدورنو،” وذلك على الرغم من، ولربما بسبب، انتمائه، من حيث الهوية الوطنية، إلى الفلسطينيين العرب الذي كانوا ضحايا “الضحايا” التي أفرزها السياق الأوروبي في غمرة الانشغال الفكري والسياسي بـ”المسألة اليهودية” ليس على شكل “دولة يهودية” عنصرية وحصرية وحسب، بل وعلى شكل لاهوت آخذ في التنامي يؤبد لها دور الضحية حتى في أقسى لحظات جنون قوتها ضد الفلسطينيين والعرب وأقصاها، ويزيد من “حجم دماغها العسكري الأكبر من جسمها” كما وصفه محمود درويش مرةً. لقد كان على “ضحايا الضحايا،” كما وصف سعيد الفلسطينيين، وعلى سعيد نفسه للمفارقة، أن يدخلوا حظيرة “الهوية اليهودية” حتى يجوز لهم المشاركة في هذا السجال.

ولعلّ هذا يعيدنا إلى المسألة الفلسطينية في هذا السياق الموسوم بـ”العلمانية” لنسأل: هل السجال الدائر حول الدين، والأخلاقيات الدينية، وإرث الأساطير الدينية، هو سجال مفتوح حول الإنسانوية، أم يمكنه أن يكون كذلك؟  وهل يمكننا الحديث عن فلسطين دون الحديث عن الأخلاقيات الدينية، أو عن الدين على الإطلاق؟ ربما كانت  هذه النتيجة الفرويدية التي أراد سعيد الوصول إليها مراراً، لكنه لم يعلنها تماماً. لقد فنَّد جيل النجار، التلميذ الفعلي لبتلر والمعنوي لسعيد والذي ربما يكون قد تجاوزهما، باقتدار هذه الدائرة المغلقة للهوية اليهودية (الممركزة أوروبياً) عبر قراءته الشجاعة لجينيالوجيات المثقفين الأوربيين. وقد نشرنا ترجمة لأطروحته الهائلة في (العددين الثالث والرابع، 2012) من مجلة الكرمل الجديد، بعنوان: “اليهودي العربي: تاريخ العدو.” لم ينقد النجار “المثقفين” بالمفهوم الأنجلو-ساكسوني وحسب، بل ونقض لاهوت المثقفين بالمفهوم الفرانكفوني، الكلاسيكي ممثلاً بجوليان بندا (1867-1965) والحديث ممثلاً بجاك دريدا (1930-2004) في آن معاً، وذلك بتدشينه للمقولة الجريئة بأن العلمانية الغربية (والألمانية جزء صميمي منها بلا شك) إنما هي مكوِّن أساسي من مكوَّنات المسيحية الغربية التي تمت علمنتها، لإقصاء اليهودي العربي من المنظومة الأوروبية، في دولة القومية منذ العام 1492 الذي شهد هدم الدولة العربية في الأندلس وبدء حملة الاستعمار الأوروبي الذي دشَّن مشروع الهيمنة الذي أفرزته المركزية الأوروبية. هنا، لا بد من القول، إنه على تلامذة بتلر وسعيد أن ينتبهوا، كما انتبه النجار، إلى البعد “العلماني” في هذه الدائرة، الذي ينبغي أن يتم كسر حاضنته الأوروبية التي تحيطه بهالة من اللاهوت الأخلاقي والحصري شكلاً ومضموناً.

هنا، للمرء أن يتساءل كيف يمكن للفلسطيني، غير اليهودي، أن يدخل هذا السجال ويحقق انتصاراً دون أن يلتحق بجموع المثقفين اليهود الرافضين لحصرية “شهادة المنشأ” الألمانية والصهيونية لأخلاقية المثقف اليهودي، والمثقفين غير اليهود الذين يجري “تهويد” مرجعياتهم الفكرية وحساسياتهم الجمالية لنيل تلك “الشهادة”؟ قد نجد إجابة فكرية شافية عند إدوارد سعيد، وأخرى شعرية وافية عند محمود درويش. لكن كلاً منهما، حين حاول ذلك باقتدار، جرت محاولة تهويده في أكثر من سياق: سواء في فلم سيمون بيطون الذي غدا فيه درويش “موسى على جبل نبو” أو “يهودا هاليفي على تلة زفرة العربي الأخيرة في الأندلس” (1997)، أو في مقابلة آري شفيط مع إدوارد سعيد التي انساق فيها سعيد نفسه إلى الإعلان أنه “المثقف اليهودي الأخير، ووريث أدورنو الوحيد” (2000)؛ أو كتابات أنجليكا نويفرت التي أحالت محمود درويش إلى شاعر يهودي من “سليمان النبي إلى بول سيلان المتنبي” (2010)، أو مقابلة ساره أدلر التي بدا فيها درويش “يهودياً دون قيد أو شرط” (2007)!

وعلى الرغم من ذلك، ومن ترديد محمود درويش، وفي أكثر مناسبة، لصرخة أدورنو الشهيرة حول “إمكانية كتابة الشعر بعد أوشفيتس،” الصرخة التي أفاض روبرت كوفمان في القول عليها وتفنيد لاهوتها اليهودي باقتدار في كتابه “الشعر بعد (الشعر بعد أوشفيتس)” (2010)، واقتراب إدوارد سعيد في سيرته ومسيرته من إريك أورباخ (1892-1957)، المثقف المنفي من برلين إلى إسطنبول في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا إن إدوارد سعيد أعاد إنتاج أدورنو فكرياً، وربما تجاوزه، عبر كثير من كتاباته، ومواقفه التي نستذكر منها هنا، لضيق المقام، موقفين اثنين. أما الموقف الأول، فيتبدَّى في محاضرات ريث التي إذاعتها محطة الـ BBC البريطانية، التي صارت كتاباً، بعنوان: “صور المثقف” (1996)، وذلك حين طُلب منه إلقاء محاضرات ريث الشهيرة في العام 1993، وأثيرت، حينها، ضجة اعتراضية مشابهة للضجة المثارة حول استحقاق بتلر لجائزة أدورنو حالياً. في محاضراته الست، استخدم سعيد خطاباً نقدياً إنسانياً لإدانة ما حلَّ باليهود من كارثة سببتها حداثة أوروبا، لنقد موقف المثقفين من ضحايا آخرين واقعين تحت الاحتلال ويحتاجون إلى اصطفاف المثقفين الذين لا يعرفون لون من يطلب الحرية ويناضل من أجلها، بل يلتفتون إلى مظلمته وحسب. وبذا يستوي الفلسطيني المضطهد إسرائيلياً باليهودي المضطهد أوروبياً.

وأما الموقف الآخر، فيتمثل في الضجيج الإعلامي الغربي والسعار السياسي الصهيوني حول زيارة إدوارد سعيد للبنان في مطلع تموز من عام تحرير الجنوب اللبناني، في العام 2000. إذ رغب إدوارد سعيد، ضمن هذه الزيارة العائلية التي ألقى على هامشها محاضرتين أكاديميتين، في زيارة الجنوب المحرر بعد اثنين وعشرين عاماً من الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وقد بدأ سعيد زيارته إلى الجنوب بزيارة إلى معسكر التعذيب الرهيب، سجن الخيام، الذي ردد سعيد بعد رؤيته، فارغاً، صرخات أعلى من صرخات أدورنو حول أوشفيتس سمعها الكثيرون على صفحات “ذا نيشن” و”الأهرام ويكلي” وغيرهما. واستمرت الزيارة إلى حين وصول سعيد إلى بوابة فاطمة الحدودية مع شمال فلسطين حيث مكث مدة لا تزيد على عشر دقائق، وشاركَ ابنَهُ، ومجموعة من الشباب اللبنانيين، في إلقاء حجرٍ صغير على الجانب الجنوبي للسياج المعرَّف على أنه “إسرائيلي.” وبغير علم سعيد، قام أحد مراسلي وكالة الأنباء الفرنسية بتصويره، ومن ثم قام بترويج الصورة التي أعقبتها موجة انتقادات وتهديدات شرسة على إدوارد سعيد طالب بعض أدعيائها بمحاكمته بتهمة “المشاركة في إلقاء الحجارة لقتل يهود إسرائيل،” وطالب آخرون بفصله من جامعة كولومبيا التي درَّس فيها ثمانية وثلاثين عاماً، ونجح فريق ثالث في التأليب عليه وإلغاء محاضرته الأخيرة، قبل رحيله، حول “فرويد وغير الأوروبيين” التي كان قد دُعي لإلقائها في معهد فرويد في فينا، وألقاها بعدئذ في متحف فرويد في لندن، ونشرت بعدها في كتاب، قدَّمه كيستوفر بولاس (2004).

واجه إدوارد سعيد الهجمة المسعورة التي شُنَّت عليه، جرَّاء هذه الحادثة، بشجاعة وجذرية قل نظيرهما، وعلى جبهتين: دافع في الأولى، إعلامياً، عن “سلوكه،” وحقه في إلقاء حجر كإشارة رمزية على الحق في المقاومة التي تستمد شرعيتها من إنسانية من يقومون بها في وجه الاحتلال الذي يفرض الموت والمعاناة، ويحرم الآخرين من حريتهم وحقهم في تقرير مصيرهم، إلى جانب حقوقهم السياسية والإنسانية الأخرى. ودافع في الجبهة الأخرى، فكرياً، بقلمه الفذ حين فاجأ العالم بتناوله النقدي لمفهوم “حصرية الهوية” كما ناقشها فرويد في شخصية موسى النبي كـ”مصري،” ووظف ذلك النقد للقول على حصرية الهوية الثيو-قومية لإسرائيل وكون ذلك عقبة كأداء في وجه حل القضية الفلسطينية. ذلك أن تلقي قراءة إدوارد سعيد الطِّباقية لفرويد وغير الأوروبيين كان ذا علاقة بالسياق الذي كتب فيه سعيد ذلك العمل بأكثر مما كان ذا علاقة بالقراءة نفسها. فقراءة سعيد لعمل فرويد عموماً، و”موسى والتوحيد” بشكل خاص، وغيره من الكتابات إنما كانت قراءة سافرة في معاداتها للصهيونية عبر قراءة فرويد الخاصة ونظريته حول يهودية اليهود. وقد هوجمت تلك القراءة، السعيدية، بوصفها قراءة غير مراعية للحساسيات اليهودية التي كان من المفترض، وللمفارقة مرة أخرى، أن تتم في إهاب الفلسفة الأوروبية الحديثة. أي إنه بالرغم من كافة التناقضات والسجالات “الداخلية،” كان على هذا السجال بالتحديد (حول فرويد، وموسى، وغير الأوروبيين) ألا يبارح دوائر “الهوية اليهودية،” أي الفلاسفة اليهود، وبخاصة من لم تشب تاريخهم “شائبة” نقد إسرائيل كدولة استعمار استيطاني والحركة الصهيونية كحركة عنصرية حصرية.

لا حدَّ لمديح مثقفي الموقف، ولا حدَّ لاستذكارهم وإن بتحية عابرة. وهذه تحية عابرة من فلسطين ولبنان إلى جوديث بتلر في إهاب أدورنو، وإلى أدورنو في إهاب جوديث بتلر، وفاءً للأحرار المنافحين عن قضية الإنسان في فلسطين ولبنان والعالم، بلساننا ولسان أحمد فؤاد نجم وغناء الشيخ إمام، إذ “مُرِّ الكلام زَيْ الحسام يقطع مكان ما يمر، أما المديح سهل ومريح، يخدع لكن بيضُر، والكلمة دِيْنْ من غير إيدين، بَسْ الوفا عَ الحُر.”

.

“إنني أدعو إلى يهودية غير مرتبطة بعنف الدولة”

|جوديث بتلر|

|ترجمة عبد الرحيم الشيخ|

خطاب بتلر في الجائزة

لقد نشرت صحيفة الجيروساليم بوست حديثاً مقالة تفيد بأن بعض المنظمات تعارض حصولي على جائزة أدورنو، وهي جائزة تُمْنَحُ كل ثلاث سنوات لواحد ممن يعملون في مجال النظرية النقدية على اتساعه. الاتهامات ضدِّي هي أنني أدعم حماس وحزب الله (وهو أمر غير صحيح)، وإنني أدعم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (وهو أمر صحيح جزئياً)، وأنني معادية للساميَّة (وهو زعم باطل تماماً).

ربما لا ينبغي أن أكون متفاجئةً كما أنا متفاجئة (الآن) بأن هؤلاء المعارضين لحصولي على جائزة أدورنو قد لجأوا إلى اختيار هذه الاتهامات الباطلة والفضائحية لعرض موقفهم. فأنا باحثة تلقَّت مدخلها إلى الفلسفة عبر الفكر اليهودي، وأرى نفسي كمن ينافح عن الأخلاقيات اليهودية ويكمل إرثها الذي يشمل أعلاماً نحو مارتن بوبر وحنه آرنت. فقد تلقَّيت تعليماً يهودياً في كليفلاند-أوهايو في (كنيس) تيمبل على يدي الرابي دانييل سلفر، حيث طوَّرتُ آراء أخلاقية صلبة مستندة إلى الفكر الفلسفي اليهودي.

لقد تعلَّمت، وقبلتُ من ثَمَّ، أننا مدعوُّن من قبل الآخرين، ومن قبل أنفسنا، إلى الرد على المعاناة والدعوة إلى الخلاص منها. ولكننا حتى  نقوم بذلك، يتوجب علينا أن نصغي إلى (تلك) الدعوة، ونوجد المقوِّمات التي تمكِّننا من الرد، وفي بعض الأحيان يتوجب علينا أن نعاني التبعات (المترتبة) على جهرنا (بما لدينا) كما نفعل. لقد تعلَّمت في كل خطوة من خطوات تربيتي اليهودية أنه ليس من المقبول البقاء صامتةً في وجه الظلم. إن ظلماً على هذه الشاكلة هو ظلم قاس، إذ إنه لا يقول لنا كيف ومتى ينبغي علينا الكلام، أو كيف نتكلَّم على نحو لا يولِّدُ ظلماً جديداً، أو كيف نتكلَّم بطريقة يتم تلقِّيها وتسجيلها على نحو صحيح. إن موقفي الحقيقي لم يُسمع من قبل هؤلاء (النقَّاد) المتنطِّعين، ولربما لا ينبغي لذلك أن يدهشني، ذلك أن تكتيكهم هو تدمير الظروف (الموضوعية) للسماع.

لقد درست الفلسفة في جامعة ييل وواصلت تناول أسئلة الأخلاقيات اليهودية على امتداد دراستي. وأنا ممتنَّة لهذه المصادر الأخلاقية للبنية (الفكرية) التي حظيت بها والتي لا أزال أحيا بها. إنه لمن غير الصحيح والعبثي والمؤلم لأي كان أن يجادل بأن من لديهم نقداً على دولة إسرائيل هم معادون للسامية، أو يهود كارهون لأنفسهم، إن كانوا يهوداً. إذ إن اتهامات من هذه الشاكلة تسعى إلى شيطنة من لديه رأي نقدي، وبالتالي التبخيس في هذا الرأي مسبقاً. إنه تكتيك إسكاتي: فهذا الشخص منذور للصمت، ومهما قال ينبغي أن يتم دحضه سلفاً أو لَيُّه على نحو ينفي صدقية فعل الكلام ذاته (وجدواه).

إن الاتهام يرفض اعتبار الفكرة، أو مساجلة صدقيَّتها، أو فحص صور دلائلها، والإتيان على نتيجة منطقية على أساس السماع والتحليل. والاتهام ليس هجوماً على أشخاص لديهم أفكار قد يجدها البعض خلافية وحسب، بل هو هجوم على السجال العقلاني، على محض إمكانية السماع والكلام في سياق يمكن للمرء (من خلاله)، في الواقع، أن ينظر فيما لدى الآخر ليقول. فحين تَسِمُ مجموعةٌ من اليهود مجموعةً أخرى من اليهود بأنهم “معادين للسامية،” فإنهم يحالون احتكار الحق للتكلُّم باسم اليهود. ولذا، فإن تهمة معادة السامية هي، في حقيقة الأمر، غطاء لعراك يهودي داخلي (على نحو حصري).

في الولايات المتحدة ذهلت من عدد اليهود الذين يسعون إلى التنكُّر من يهوديتهم لخيبة أملهم من السياسات الإسرائيلية بما فيها الاحتلال، وممارسات الاعتقال الإداري غير محدد الأمد، وقصف التجمعات المدنية في غزة. لقد اقترفوا خطأ بالاعتقاد أن دولة إسرائيل تمثَّل يهوديَّة عصرنا، وأنه إذا عرَّف المرء نفسه كيهودي، فإنه (حكماً) يؤيد إسرائيل وأفعالها. ومع ذلك، فلن تزال ثمة تقاليد يهودية تعارض عنف الدولة، وتدعو إلى تعددية ثقافية وعيش مشترك، وتدافع عن مبادئ المساواة، وهذا الإرث الأخلاقي الحيوي يُنسى أو يُهَمَّشُ حين يقبل أي منا إسرائيل كمعيار للتعريف أو القيم اليهودية.

فاليهود الذين ينتقدون إسرائيل، من ناحية، يعتقدون أنهم ربما لن يمكنهم أن يكونوا يهوداً بأكثر من ذلك إذا كانت إسرائيل تمثَّل اليهودية؛ ومن ناحية أخرى، فإن من يبتغون سحق أيِّ ممن ينتقدون إسرائيل، يساوون بين إسرائيل واليهودية كذلك، ما يقود إلى نتيجة مؤدَّاها أن الناقد لا بد وأن يكون معادياً للسامية، وإن كان يهودياً، فلا بد أن يكون يهودياً كارهاً لذاته. إن جهودي البحثية والعامة لن تزال مكرَّسة نحو الخروج من هذه العقدة. فمن وجهة نظري، ثمة تقاليد يهودية، وحتى تقاليد صهيونية مبكِّرة، تقدِّر العيش المشترك وتقترح طرقاً تعارض العنف على اختلاف أشكاله، بما في ذلك عنف الدولة. ولعل من الأهمية البالغة أن يتم تقدير هذه التقاليد وبعثها لعصرنا، إذ إنها تعبِّر عن القيم الشتاتية، وتكافح من أجل العدالة الاجتماعية، والقيمة اليهودية ذات الأهمية القصوى (الساعية إلى)”إصلاح العالم.”

إنه لمن الجليِّ بالنسبة لي أن المشاعر تُسْتَنْفَرُ على نحو عال تجاه هذه المسائل التي تجعل الكلام والسماع (أمراً) بالغ الصعوبة، إذ يتم أخذ بضع كلمات خارج السياق، ويتم تحريف المعنى، ومن ثم يصبح بإمكانهم وسم شخص، أو بالأحرى، تصنيفه. وهذا يحدث لأناس كثيرين حين يقدمون رأياً نقدياً لإسرائيل، إذ يتم تصنيفهم كمعادين للسامية أو حتى كعملاء نازيين. إن هذه الصور من الاتهام يقصد بها أن تؤسس لأكثر الأشكال الدائمة والقاتلة من الوصم والشيطنة. إنهم يستهدفون الشخص بنزع الكلمات من سياقها، وعكس معانيها على نحو يجعلها تدين صاحبها، وهم، بالفعل، يبطلون آراء ذلك الشخص دون أدنى اعتبار لفحوى تلك الآراء.

إنها لأكبر الإساءات والتجريح المؤلم أن يوصف، من يتحدَّرون منا من اليهود الأوروبيين الذين قضوا خلال الإبادة النازية (وقد أبيدت عائلة جدتي في قرية صغيرة جنوب بودابست)، بالتواطؤ مع العداء لليهود أو يُدْعَوْنَ بالكارهين للذات. وكذلك فإنه لأصعب من ذلك تحمُّل هكذا اتهام حين يسعى المرء إلى التأكيد على أثمن ما في اليهودية للتفكير في الأخلاقيات المعاصرة، بما في ذلك الرابط الأخلاقي مع أولئك الذين جُرِّدوا من أرضهم، وحقِّهم في تقرير المصير؛ ومع أولئك الذين يحافظون على ذاكرة ظلمهم حيَّة؛ ومع أولئك الذين يسعون إلى عيش حياة سوف، ويجب، أن تستحق أن يؤسَّى عليها. إنني أؤكد أن هذه القيم كافة إنما تنبع من مصادر يهودية هامة، ما لا ينبغي أن يعني أنها مشتقَّة فقط من هذه المصادر. ولكن، بالنظر إلى التاريخ الذي تحدَّرْتُ منه، فإنه لمن الأهمية القصوى بالنسبة لي، كيهودية، أن أجاهر بالقول ضد الظلم، وأن أكافح ضد كافة أشكال العنصرية. إن هذا لا يجعلني يهودية كارهةً لذاتها. إنه يجعلني واحدة ترغب في التأكيد على يهوديةٍ لا يشوب تعريفها عنفٌ الدولة، ويهودية تُعْرَفُ بـ(انحيازها) إلى جانب نضال واسع من أجل العدالة الاجتماعية.

لقد نُزِعَت أقوالي حول حماس وحزب الله من سياقها وحُرِّفت آرائي المعروفة والمتواصلة على نحو سيئ. فقد كنت دوماً ميَّالة إلى الفعل السياسي اللاعنفي، وقد كان هذا المبدأ على الدوام مميزاً لآرائي. قبل عدة سنوات، سُئلتُ من قبل أحد أفراد جمهور أكاديمي إذا كنت أعتقد أن حماس وحزب الله ينتميان لليسار العالمي، فرددت بنقطتين. أما نقطتي الأولى، فكانت وصفية: هذه المنظمات تعرِّف نفسها كمنظمات معادية للامبريالية، ومعاداة الامبريالية هي إحدى مميزات اليسار العالمي؛ وأما نقطتي الثانية، فكانت نقدية: كما في أي جماعة في اليسار، على المرء أن يقرر إذا ما كان مع الجماعة أو ضدها، كما ينبغي أن يقيِّم مواقفهم على نحو نقدي. أنا لا أقبل ولا أصادق على جماعات اليسار العالمي برمتها.

لقد جاءت هذه الملاحظات، في الواقع، في أعقاب محاضرة أعطيتها في ذلك المساء ركَّزت على أهمية العزاء الجماعي والممارسات السياسية للاعنف، المبدأ الذي وضَّحته ودافعت عنه في ثلاثة من كتبي التي ظهرت حديثاً، وهي:  حياة قلقة-مستباحة: قوى العنف والعزاء؛ وأطر الحرب: متى يؤسى على الحياة؟؛ وطرق متفرقة: اليهودية ونقد الصهيونية. لقد أجريت معي مقابلات حول آرائي بخصوص اللاعنف من قبل مجلة “غيرنكا” ومجلات إلكترونية أخرى، وهذه آراء من السهل إيجادها، إذ كان المرء معنياً بمعرفة موقفي من هذه المسائل. وفي الواقع فإني محط سخرية بعض أعضاء اليسار، ممن يؤيدون أشكالاً من المقاومة العنفية، إذ يعتقدون أنني فشلت في فهم هذه الممارسات.

إنه لصحيح أنني لا أؤيد ممارسات المقاومة العنفية، كما لا أؤيد عنف الدولة، ولا يمكنني تأييد ذلك، ولم أفعل ذلك يوماً. قد يجعلني هذا ساذجة بأكثر من كوني خطيرة، لكن هذا هو رأيي. ولذا، فقد بدا لي على الدوام أنه من العبث أن تُجَيَّرَ ملاحظاتي لتعني أنني أؤيد أو أدعم حماس وحزب الله! لم يسبق لي أبداً أن اتخذت موقفاً من أي من هاتين المنظمتين، تماماً كما لم أقم أبدأ بدعم أية منظمة (يدور الجدل حولها) كجزء من اليسار العالمي. إنني وبصورة غير مطلقة داعمة لكافة الجماعات المشكِّلة حالياً لليسار العالمي. إن القول بأن هذه المنظمات تنمي إلى اليسار لا يعني القول إنه ينبغي لها أن تنتمي له، أو إنني أؤيدها أو أدعمها بأية طريقة من الطرق.

ثمة نقطتان أخريان: إنني أدعم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها بطريقة جدّ محددة. إنني أرفض بعض النسخ وأقبل أخرى. بالنسبة لي، فإن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات  تعني أنني أعارض الاستثمار في شركات تصنِّع معدات عسكرية هدفها الوحيد هو هدم البيوت. إنها تعني أنني لا أتحدث في المؤسسات الإسرائيلية إلا إذا اتخذت موقفاً حازماً ضد الاحتلال. إنني لا أقبل أي نسخة من المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تمارس التمييز ضد أفراد بناء على مواطنتهم في دولة، وأحافظ على علاقات تعاون وثيقة مع كثير من الباحثين الإسرائيليين. أحد الأسباب التي تدفعني إلى تأييد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ولا تجعلني أؤيد حماس أو حزب الله هي أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات هي أكبر حركة سياسية مدنية لاعنفية تسعى إلى منح الفلسطينيين المساواة وحق تقرير المصير.

من وجهة نظري أن شعوب هذه الأراضي، يهوداً وفلسطينيين، يجب أن يجدوا طريقة للعيش سوية على أساس المساواة. ومثل الكثيرين، أتطلع إلى كيان ديمقراطي على هذه الأراضي وأؤيد مبدأ تقرير المصير والعيش المشترك لكلا الشعبين، وفي الواقع، لكل الشعوب. وأمنيتي، كما هي أمنية عدد متزايد من اليهود وغير اليهود، أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف بكافة أشكاله، وأن يتم ضمان الحقوق السياسية الأساسية لكافة الشعوب في (هذه) الأرض عبر تركيبة سياسية جديدة.

ثمة ملاحظتان أخيرتان: إن الجماعة الداعمة لهذا النداء هي “باحثون من أجل السلام في الشرق الأوسط”، وهي تسمية خاطئة في أحسن أحوالها، والتي تزعم على موقعها الإلكتروني أن “الإسلام تاريخياً (وبالتوارث)” هو “دين معاد للسامية.” إن هذه الجماعة، وليس كما أفادت جريدة الجيروساليم بوست، ليست جماعة كبيرة من الباحثين اليهود في ألمانيا، ولكنها منظمة عالمية مقرها أستراليا وكاليفورنيا. إنهم منظمة من أقصى-اليمين، وهم لذلك جزء من الحرب اليهودية الداخلية. إن أحد أعضاء هيئتها (الإدارية) السابقين، جيرالد ستينبيرغ، معروف بمهاجمته لمنظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، شأنها شأن منظمة العفو الدولية، ومرصد حقوق الإنسان. إن رغبتهم في شمل منظمات مراقبة خرق حقوق الإنسان في إسرائيل (في هجومهم) تجعلهم بوضوح مؤهلين للاتسام بـ”معادة السامية.”

ختاماً، إنني لست أداة لأية منظمة غير حكومية. إنني عضوة في الهيئة الاستشارية لـ”الصوت اليهودي من أجل السلام”، وفي كنيس كيهيللاه في أوكلاند كاليفورنيا، وفي اللجنة التنفيذية لـ”أساتذة من أجل السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، في الولايات المتحدة الأمريكية”، و”مؤسسة مسرح الحرية في جنين.” لقد تنوعت آرائي السياسية حول طيف واسع من الموضوعات، ولم تقتصر على الشرق الأوسط ودولة إسرائيل. وفي الواقع، فقد كتبت عن العنف والظلم في أنحاء أخرى من العالم مركِّزة بشكل خاص على الحروب التي شُنَّت من قبل الولايات المتحدة. وقد كتبت، كذلك، عن العنف الممارس ضد الأشخاص عابري-التصنيفات-الجندرية في تركيا، والعنف النفسي والتعذيب في غوانتانامو، وحول عنف الشرطة ضد المتظاهرين بشكل سلمي في الولايات المتحدة… على سبيل المثال لا الحصر. كما كتبت، أيضاً، ضد معاداة السامية في ألمانيا والتمييز العنصري في الولايات المتحدة.

(هذه المقالة هي رد جوديث بتلر المنشور على موقع “موندووايس-حرب الأفكار في الشرق الأوسط” الإلكتروني بتاريخ 27 آب 2012، على المقالة الاحتجاجية المنشورة في صحيفة جيروساليم بوست الصهيونية بتاريخ 26 آب 2012، بعنوان: “فرانكفورت تمنح (جائزة) لداعية أمريكية لمقاطعة إسرائيل،” بعد أن رفضت الصحيفة المذكورة نشره في اليوم التالي- المحرّر.)

.

إمنحوا جوديث بتلر جائزة أدورنو: فهي ستضيف إلى قيمتها

فلسطين المحتلة، 11 سبتمبر 2012 – إننا في اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وجمعية أساتذة الجامعات-غزة والحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل نعلن تضامننا الكامل مع جوديث بتلر في مواجهة الهجمات الشرسة الأخيرة، وحملات التشويه وكم الأفواه، التي تتعرض لها الفيلسوفة الأمريكية الشهيرة من قبل إسرائيل والجماعات الصهيونية في الغرب في محاولة منها لحرمان بتلر من الجائزة الألمانية المرموقة. لقد استحقت جوديث بتلر، بإنسانيتها وفكرها النقدي وإنتاجها الثقافي المتميز، بجدارة هذه الجائزة وجوائز أخرى عديدة.

إن السبب الرئيسي الكامن وراء هذه الحملة العدوانية ضد جوديث بتلر هو دعمها الصريح لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، الحركة ذات القيادة الفلسطينية والحضور العالمي المتنامي باضطراد، والتي تدعو إلى حملات ضغط فعالة ومستدامة في كافة المجالات ضد إسرائيل ومؤسساتها المتواطئة، وتقف كذلك ضد جميع المؤسسات والشركات الدولية المتواطئة في جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي. وتهدف حركة المقاطعة إلى ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير عبر إنهاء احتلال إسرائيل واستعمارها للأراضي العربية، وتفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي تطبقه ضد الشعب الفلسطيني، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من حقهم في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها. إن بتلر، بتأييدها لحركة المقاطعة (BDS)، تنسجم مع مبادئها التي طالما عبرت عنها في كتاباتها وفي وقوفها إلى جانب النضالات العديدة من أجل الحرية والعدالة وتقرير المصير والمساواة في الحقوق.

إن إثارة جوديث بتلر لهويتها اليهودية ومبادئ العدالة الاجتماعية المرتبطة بها لتحدي الهيمنة المقيتة من قبل إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية على مفهوم اليهودية واحتكارهما له، جعل منها هدفاً مُلحّاً على نحو خاص لحملات الدعاية التي تشنها إسرائيل وجماعات الضغط الموالية لها حول العالم.

لقد كتب المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد ذات مرة: “ليس في ذهني ما يستحق الشجب أكثر من تلك العادات الفكرية لدى المثقف الباعثة على التَجنُّب، ذلك الابتعاد المعتاد عن اتخاذ موقف صعب ومبدئي يعرف المرء أنه الموقف الصحيح، ولكنه الموقف الذي يقرر عدم اتخاذه…. إن عادات العقل هذه، للمثقف، هي مُفْسِدة بامتياز. لقد واجهت [هذه العادات] شخصياً في واحدة من أعقد القضايا المعاصرة كلِّها، فلسطين، حيث أعاق الخوف من التحدث علناً ​​عن أحد أعظم أشكال الظلم في التاريخ الحديث الكثيرين ممن يعرفون الحقيقة وموقعهم يسمح لهم بأن يخدموها، وأغشى أعينهم، وكمَّمَ أفواههم. فبالرغم من سوء المعاملة وتشويه السمعة اللذين يتعرض لهما كل من يجهر بمناصرته للحقوق الفلسطينية وحق تقرير المصير، تستحق الحقيقة أن تُروى، وأن يمثّلها مثقف جريء ومتعاطف”.

جوديث بتلر هي مثال لـ”المثقفة الجريئة المتعاطفة.” ونحن إذ نحيي شجاعتها، ندعو كل أكاديمي/ة ومثقف/ة يـ/تحترم نفسه/ا للوقوف معها ضد المحاولة اليائسة والانتقامية – على الرغم من كلفتها العالية  – لإسكات صوتها.

- اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية

- الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين

- جمعية أساتذة الجامعات-غزة

- الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل

 

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>