להיות ערבי: أغنية في سوسيولوجيا السياسية وديالكتيك الصراع/ فايد بدرانة

23 أغسطس 2015

jowan

| فايد بدارنة |

إن الصراع من أجل التحرر الاجتماعي من الاستغلال الطبقي مرتبط على الدوام بالصراع من اجل التحرر القومي“*

هل تستحق أغنية واحدة تعليقًا طويلًا أو مقالة؟ كلما تجاوزت الأغنية معالجة الأنا الفردية وكبر حجم الفكرة  وحجم المجموعة في العمل الموسيقي، كلما كبرت حظوظه في إشغال حيز كتابي ونقدي. والأغنية سرعان ما تتحول لقيمة، لجدل ولكلمة مستفزة.  حول ما تحمله الأغنية، نظّم سميح القاسم بيت القصيد: “بعض الأغاني صرخة لا تطرب/ لكن إذا استفزتكم أغانّي اطربوا..”.

حين تحاول الأغنية اختصار ثلاث سنوات من التعليم الأكاديمي حول الطبقية الاجتماعية في الصراعات القومية وكيفية تطويع هذه الطبقية لتتحول لأداة تثبيت، ترسيخ وتأجيج للصراع في خدمة الطبقة العليا النخبوية الحاكمة وخصوصًا المُستعمِرة من تلك الطبقة، تصبح الأغنية مقالًا، وتتدحرج الأغنية نحو نبس ثنايا ومنحدرات الإقصاء والاستعلاء الكولنيالي.

قد يبدو للوهلة الأولى إننا نبالغ بتحميل المعاني للكلمة وللحن في بعض الأغاني المتناولة في الكتابة النقدية. في هذه المقالة أقوم بقراءة لأغنية جديدة ينازل فيها العرب الفلسطينيون اليهود العرب الشرقيون “المزراحيم”. لقد درج في الخطاب الاجتماعي الأكاديمي الإسرائيلي حصر النقاش اليهودي الداخلي بداخلية الكيان، وإن تم تحليل الواقع الشرقي “المزراحي” من خلال جذوره ومصادره في الدول العربية، إلى أن العرب أنفسهم في البلاد كانوا خارج المشاركة بهذا النقاش ولم يبادروا لرفع سقف خطابهم الداخلي بهذا السياق نحو إظهار وتأجيج التناقضات الطبقية للدولة وكيف سُخرت هذه التناقضات لشرعية ولهيمنة الرواية اليهودية الغربية “الأشكنازيت”.

نشهد في الأغنية الجديدة للفنان جوان صفدي تقدمًا فنيًا ملموسًا نحو جدل ومصارحة تتم من قبل أهل البلاد العرب مع اليهودي الشرقي الذي يقوم بدور الوسيط لقمع العربي في سوق العمل: في ورشات البناء، في المصانع، في المطاعم، في سيارات الأجرة والكراجات.

الإشكنازي قائم على نفي تراث المواطن المزراحي  ونفي تاريخ الإنسان العربي. الشرقي يخرج للفضاء بثقافة شرقية مشوهة نتيجة محاولاته لنفي ارتباطه بالفضاء العربي، هذا النفي قائم على القصد والإدراك من قبل النخبة الأشكنازيت وقائم على الإنكار وتذويت الدونية من قبل الشرقي للأشكنازي. وهذا النفي نفسه لليهود الشرقي هو نفسه نفي للعربي وثقافته. فاليهودي الشرقي يستمع لفريد الأطرش وأم كلثوم من لا مكان، هكذا هبطا عليه من المريخ، وهذا الاستماع الموسيقي الذي يعيش حالة الإنكار هو سلخ لهذا التراث الموسيقي العربي من فضائه الثقافي الإقليمي والمحلي. هذا النفي الواعي واللاواعي للغة وللهوية الثقافية لليهود الشرقيين مذهل بمدى تأثيره وذلك إن حاولنا فهم غسيل الدماغ الممنهج الذي اتبعته وتتبعه الطبقة الغربية تجاه المزراحيم. فأن تستمع لأغنية أم كلثوم “إنت عمري”  بهذا الشغف والهيمان مع نفي لجوهر الصلة والمكان في تشكّل الهوية والانتماء لدى اليهودي الشرقي يشكّل حالة بحثية مثيرة، وهذا الإقصاء للعلاقة بالمكان والزمان يشكّل مركبًا للتغذية القومجية – الثقافية القسرية اللاواعية للفئات الاجتماعية. وامعان الغربي الأشكنازي بتسخير الشرقي خدمة للمشروع الصهيوني الغربي لم يقف عند حد نفي جذور اليهودي الشرقي، بل تتطور لتمارس تحطيم وترخيص هذه الثقافة مشوهة للجذور والارتباط، ويمارس آلياته الثقافية الغربية المعتمدة على عليوية الإنتاج الفني الغربي أمام ” بساطة وسذاجة ” الإنتاج الشرقي حسب تعريفه.

على خارطة هذه الصراعات والتناقضات تولد الأغنية. تقوم الأغنية على نفي النفي ورفع سقف الخطاب نحو المواجهة مؤكدًا هوية جذور البلاد التي قام عليها المشروع الصهيوني ومواجهة أصول التراث المزراحي (العربي). وتركز الأغنية على عملية الإنكار والنفي الممنهجة وتتقدم نحو تفعيل الإدراك.

يظهر الصفدي بمظهر شخصية “الكبارا عليخا” (“כפרה עליך״) الشرقية وفي Yيحاء لشخصيات مغنين كحاييم موشيه وزوهر أرچوڤ في سيارة “فخمة”  تظهر شكلية النمط لـ”المزراحي الاستهلاكي” وعلى جانبية اثنتين من نمط الفريخوت ” פריחות”. وهي أنماط لأفكار مسبقة أطلقتها الطبقات اليهودية الغربية في مسعى لخلق دونية الشرائح الشرقية. وتبرز قومجية وشوفينيتة الشرقي بتصورين أساسسيين وهما “الهوموفوبيا”  و”العربفوبيا”. مستعينة بكل رموز اللبس، الحلي والمظهر الفاشي للجسد، وتسير الأغنية ببساطة الكلمة  واللحن  والتمثيل الغنائي نحو خلق حالة تحالف تلقائية طربية بين العربي الفلسطيني والعربي اليهودي، لكن ليس قبل أن يعلن الصفدي أمام “المزراحي” : “على أرض فلسطين” رجوعًا إلى نظرية الحتمية التاريخية في نظرية الصراع الماركسية.

تشكّل الأغنية تطويرًا للكلمة السياسية وتطويرًا للمادة الموسيقية الغنائية في تشكيل الخطابات القومية والثقافية في البلاد، ويبدو واضحًا أنها تساهم بقصد أو غير قصد في تعميق تناقضات المجتمع الإسرائيلي وطرح إشكاليات في جوهرية المبنى.

*سمير أمين. الطبقة والأمة: في التاريخ وفي المرحلة المرحلة الامبريالية. دار الطليعة، بيروت، 1981.

2 تعليقات على “להיות ערבי: أغنية في سوسيولوجيا السياسية وديالكتيك الصراع/ فايد بدرانة”

  1. هشام عبدو قال / قالت:

    هذا أحلى فيديو كليب رأيته وسمعته منذ زمنٍ طويل جدا!كل الإحترام وأحلى تحيّة للمغنّي جواد صفدي ولطاقم الممثلين والمخرجين وللملحّن طبعا!

  2. جابي طنوس قال / قالت:

    اجزت واحسنت اخ فايز

أضف تعليق