خلق البداية أو سردها/ حسن نصّور

30 ديسمبر 2015

 

بعدسة: عز درويش، مصر

بعدسة: عز درويش، مصر

| حسن نصّور* |

هذه ليست بدايةً يا سناء. أنتِ محقّة. هذه بداية تفوقُ الوصف. إنّه نفقٌ مسكينٌ ومكينٌ سوف يكون موضوع الصوت والصورة (بالأبيض والأسود) والكتابة ولو بمعجم مفارق، ولو عاريا من النوستالجيا ولا أعرف على وجه الدقة ما الرابط بين اعتباره بداية وبين ما يلي أدناه. فليكن تعويذة للدخول!:  “توقّفت البومة عن النعيب. حطّت فوق أحد السطوح. لا بدّ أن العجوز كرونر قد ماتت، يفكر فينديش”  / هيرتا موللر، عشبة الذئب.

كتابة، بداية

المهمّ، قد أبدأ على هذا النحو: لا تنجز الكتابة أيّ بدايةٍ حميمة مفترضة. الكتابة فعلٌ لاحق وخاتمٌ وفجائيّ ربّما بوجه من الوجوه. إنها تطريزٌ مفتعل على البداية، على الدفء الغائر في المفاصل والعظام. لا تنجز الكتابة أيّ بداية. إنها فعلُ تسكير الابواب التي انفتحت تحت الجلد. الكتابة تقطيب نهائيّ أو مرآة أخيرة للبداية الفائقة التي ما فتئتْ تلمعُ من بعيد وسط النفق.

إنشاءٌ أو كلام

أو على هذا النحو: لا أنشئ البداية حتّى بالكلام القبليّ. إنّها سيالة ولا أحسبها واقعة في التحديد، أو هي الحجارة الأثرية المشلوحة في الصحراء ومن شأن الواحد أن يحدس بشهوتها لأن تكون مجموعة في ألبوم الرحالة أو الشخص النائم على كنز من الكلام الثريّ والفاحش والمتوثّب لأن يكون ابتداءً. إنّها، بوجوه من الوجوه، استيهامُ المسافة بين السرد وفنائه الخلفيّ قبل أن يحتكم السرد لراوية الواحد اللماح. إنها، أيضا، العري إذ ينبح في الخلاء المدينيّ  قبل انفتاحه المفترض على أسئلة الدفء المشكّلة التي سوف تتسلّل من أفنية الكتابة والنصوص، من عيون عالقةٍ على الواجهات الزجاجية تحفّزها أصنافٌ بديعة من الضجر والكآبة. أصناف تغدو صالحة، في كلّ الأحوال، ولو بعد حين، لبدايةٍ يقتنصها العابر المريض.

ولادة، ألف

أو كذا: تنجِزُ البداية ألفًا كتابيّة تضجر بعد حين. اللفظ الجلاليّ الناريّ المهيب. ألف القدس ومعمار الحروف الملحقة بنسلها. ألفُ فاطمة تأكل ابتداءً ما حولها، ثمّ تبقى.

إذن، لا أنشئ البداية بل أحسبها تلدني من حيث أنها ألفٌ تفعل في الوجود فعلَ الاسماء. إنها رحم الأشياء والمفاهيم التي صارت، من قبل ومن بعد، بلا زمن أو حقبة، تصاويرَ تنقدح داخل الرؤوس والجماجم المتكاثرة في العالم السفليّ. مفاهيم من قبيل: بداية فصل الرواية. بداية فصل الأرق. بداية فصل الرأس المركبة  فوق ألفٍ اسمها “الجسد”. بداية انتشال النهار من الملل، ومن ثمّ بداية انتشال الليل من منام كارثيّ قائم بالذات.

تخليص فاطمة بالسرد

ولا أختم: تقول فاطمة ليست البداية بدايةً إلا أن نحسن تأليف وأخذ صور لها، مناسبةٍ بالابيض والأسود، أو أن تكون صالحة للسرد الممتع بعد ثانية ونصف من حدوثها في النفس. تقول ذلك بدرجة فاضحة من اللامبالاة ثمّ تباشر تجميعَ بدايات لها معطوبة إنما بالغة الفتنة والدلالة. تمسك دفترا صغيرا متقادما بدرجة خلابة حتى صار يوحي بالقداسة وحتى صار مؤهلا لأن يخْلدَ قليلا في شنطتها الحمراء سنينَ مقبلةً على الاقل، يراقبُ ويتملّى عيون صاحبته الجميلة وهي تفتعل مشاهد أو بدايات مع أشياء وأماكن تافهة: بداية حديث شاق مع ظاهر الكف/ صورته البليدة الغامضة كلَّ يوم أو تخيله يستطيلُ  مليميترات بين السكون والهواء بعينين مجهريّتين، بداية اعتزال كلّ عشر دقائق عن الخلق والناس/ تصوير رعب أنّهم موجودون وقادرون على فتح أحاديث مع قاع حجري يغلي في جوف فاطمة، بداية دوامات شجريّة في رأس كل ليلة/ تدخين النهار الممل والشاقّ البلامعنى وإسماعه شطرا من السباب الأنيق اللائق بهذا البؤس العميم.. وهلمّ جرا.

*كاتب وصحافي لبنانيّ

0 تعليق على “خلق البداية أو سردها/ حسن نصّور”

أضف تعليق