لاسا، الفنانة العابرة للحدود/ وائل قبيسي

4 نوفمبر 2015

lhasa

| بيروت – وائل قبيسي |

رحلت بسلام بعد مضي الأعياد، كما لو أنها لم تكن تريد إثقال كاهل عائلتها برحيلها في فترة الأعياد، أغمضت عينيها للمرّة الأخيرة قبيل منتصف ليل الأول من كانون الثاني 2010، تساقطت الثلوج لمدة 4 أيام متتالية في مونتريال بعد ذلك اليوم الحزين الذي أرخى بثقله على محبيها حول العالم.

إسمها لاسا دي سالا، مكسيكية الأصل، أميركية المولد، كندية الجنسية، غنت الأحلام والترحال والعلاقات والحزن والحب، غنت بالفرنسية والإنكليزية والإسبانية، غنّت في المقاهي والحانات والملاهي، عكست أغانيها ثقافتها الأميركية والمكسيكية واللبنانية والفرنسية، غنّت منذ نعومة أظافرها حتى الرمق الأخير.

ولدت لاسا في 27 أيلول عام 1972 في مدينة نيويورك من أب مكسيكي وأم أميركية وتنقلت في طفولتها بين الولايات المتحدة والمكسيك حتى استقرت في سان فرانسيسكو مع والدتها وأخواتها في سنّ الـ 13 سنة بعد انفصال والدَيها، وبدأت هناك الغناء في أحد المقاهي، انتقلت عام 1991 للعيش في مونتريال لتغني لمدة 5 سنوات في الحانات حتى لمحها أحد المنتجين تغني أمام جمهور صغير في أحد الملاهي فأعجب بخامة صوتها وشخصيتها والكاريزما التي تتمتع بها فأنتج لها ألبومها الأول la llorona  الذي صدر عام 1997.

غنت لاسا باللغة الإسبانية في ألبومها الأول الذي لاقى نجاحاً ملفتاً في كندا وفرنسا وباع أكثر من 700 ألف نسخة وهو إنجاز مفاجئ لألبوم غير تجاري باللغة الإسبانية، فاز الألبوم المتأثر بالموسيقى المكسيكية وموسيقى الكليزمر والأغاني العاطفية وموسيقى الجاز والموسيقى الغجرية بجائزتَي فيليكس وجونو الكنديتَين وأطلق النجمة في سماء العالمية بأغانٍ غير تقليدية وأسلوب مختلف ومميّز.

بعد جولة في أوروبا وأمريكا الشمالية دامت عدّة سنوات، انتقلت لاسا الى فرنسا عام 1999 للانضمام إلى أخواتها اللواتي يعملن في السيرك .غنت لاسا في عرض الفرقة وعاشت في المقطورات مع أخواتها منتقلة من مكان إلى آخر مكررة حياة الترحال التي عاشتها في طفولتها حتى وصلت في نهاية المطاف إلى مرسيليا حيث شرعت بكتابة الأغاني مجدداً.

بعد تأليف ما يكفي من المواد، عادت لاسا الى مونتريال مع أغانيها الجديدة لإنتاج ألبومها الثاني “الحياة على الطريق” الذي صدر عام 2003 وضمّ أغانٍ باللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. كان الألبوم مختلفاً تماماً عن ألبومها الأول الذي أصدرته قبل 7 سنوات حيث جاء شخصياً ومتنوعاً من حيث مضمون الكلمات والألحان فتنوعت الأغاني من الرانشيرا العذبة والأنثوية إلى اللحن الإنجيلي الصاخب، ومن أغاني البلوز الإيقاعية إلى التهويدات الهادئة.

طافت لاسا 17 بلداً في جولة دامت سنتَين بعد تسجيل ألبومها الثاني وتعاونت مع مجموعة متنوعة من الفنانين كان أبرزهم المؤلف الموسيقي اللبناني ابراهيم معلوف، ألفت من بعدها كتاب “الطريق يغني” باللغة الفرنسية الذي يتكلم عن تجارب وانطباعات في حياة المغنية على الطريق مع أخواتها وعن الموسيقى وعن حياتها.

أدت عام 2006 أغنية السيدة فيروز “أعطني الناي وغني” التي كتبها جبران خليل جبران، تكريماً لجذورها اللبنانية وحبها الكبير للبنان الذي زارته في العام نفسه، كما وأدت الأغنية مجدداً في حفل موسيقي خيري في مونتريال تضامناً مع لبنان في الحرب التي شنها العدو الإسرائيلي عليه عام 2006.

سجلت لاسا ألبومها الثالث والأخير “لاسا” عام 2009 الذي أنتجته وكتبت جميع كلمات أغانيه باللغة الإنكليزية. أظهر الألبوم الذي  بذلت فيها المغنية جهداً واضحاً نضوجاً فنياً لدى لاسا، حيث استخدمت آلات موسيقية بسيطة لكن غير عادية فجاءت الألحان حميمية ودافئة كما جاءت الكلمات مرهفة وشفافة. بعد تسجيل الألبوم وقبل إصداره، تمّ تشخيص سرطان الثدي لدى المغنية الثلاثينية، فألغت جولتها العالمية التي كانت ستبدأ في نهاية عام 2009 بسبب مرضها.

بعد معركة دامت 21 شهراً مع سرطان الثدي، رحلت لاسا مساء الأول من كانون الثاني عام 2010 عن عمر يناهز الـ 37 سنة في منزلها في مونتريال. غابت الفنانة التي أغنت الموسيقى العالمية بصوتها الدافئ وأغنياتها المميزة والبعيدة عن صخب الأعمال الموسيقية الحديثة، والتي لو قدر لحياتها الفنية أن تستمرّ، لأضحت واحدة من أفضل فنانات جيلها.

0 تعليق على “لاسا، الفنانة العابرة للحدود/ وائل قبيسي”

أضف تعليق