توتّر الجدار واللحظة التاريخية في “القاهرة 11″/ مليحة مسلماني

13 مايو 2013

DSC02914

.

DSC02933

.

DSC04403

.

|مليحة مسلماني|

يشير المعنى الانطباعيّ للفن إلى أنّ الفنان يستمدّ المؤثرات الجمالية من الواقع ليعيد إنتاجه في عمل فنيّ، بحيث تتم العملية الإبداعية عبر مراحل ثلاث: مرحلة التلقّي من الخارج، ثم مرحلة معالجة ما تلقاه الفنان وإعادة بناء علاقات جديدة بين ما تلقاه فيحوّله إلى مُركّب جديد، ثم مرحلة تقديم العمل الفنيّ[1].

ينطبق هذا التعريف للعملية الفنية على أعمال الفنان محمد أبو النجا للمعرض المُعنوَن بـ “القاهرة 11″ إلى حدٍّ كبير. أبو النجا الذي تابع أحداث ثورة مصر من خلال شاشة التلفاز حيث يعمل في الدوحة، استغلّ كلّ فرصة ممكنة للذهاب إلى القاهرة حاملًا كاميرته ليلتقط الصورة الجديدة للمكان: جدران تزخر بشعارات ورسوم وملصقات تؤرّخ لأحداث الثورة وتطرح مختلف القضايا التي برزت بعد اندلاعها. يوثّق أبو النجا اللحظة التاريخية الثورية، يصحبها إلى معمله، ليعيد صياغة الصورة الجديدة للمكان وفق رؤيته للحدث.

يقع معرض “القاهرة 11″، والذي أقيم في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، في “جاليري المرخية للفنون التشكيلية” بالدوحة في مجموعات ثلاث: لوحات ومعلّقات وأعمال فوتوغرافية معالَجة تقنيًا لأربع شجرات في ميدان التحرير. يظهر في المجموعتيْن الأولى والثانية اشتغال كبير على إعادة إنتاج الجرافيتي- الرسوم والشعارات التي انتشرت على جدران المدن المصرية بعد اندلاع الثورة. يعيد أبو النجا عمل رسومات “الاستنسل” -المنفّذة بالقوالب المفرّغة- الخاصة بالثورة، لتبثّ تلك الرسومات المرشوشة بـ “الإسبراي” روحَ الثورة والحدث في العمل الفنيّ. لقد تدفقت رسوم الجرافيتي الذي كان فنًا مقموعًا في معظم البلدان العربية، كما في مصر، بشكل ملحوظ على الجدران لتعيد تشكيل المشهد البصري للمكان، ولتمنح الفنانين الفرصة لإعادة إنتاجها تشكيليًا، وهو ما يبادر إليه أبو النجا في معرضه هذا.

يعطي جرافيتي “الإستنسل” الذي امتلأت به طبقات أعمال أبو النجا بُعدًا سياسيًا واضحًا للعمل، وبعدًا آخر يؤدّي بالمتلقّي إلى الإحساس بأنه موجودٌ في الحيّز العام- الشارع. لقد رافقت تقنية “الإستنسل” حركات التحرّر والمقاومة في بلدان عدّة في العالم خلال العقود الماضية، وهي التقنية الأسرع انتشارًا والأكثر فعالية في أوقات الأزمات والثورات، لقدرتها على إيصال الرسائل السياسية والتحريض على المشاركة في الفعاليات السياسية من تظاهرات واعتصامات وغيرها[2].

يزاوج أبو النجا في أعماله بين عنصريْ الزمان والمكان لتكتمل رؤيته لما يحدث في مصر بعد الثورة. يبدو الاشتغال على الزمن من خلال العنوان الذي وضعه الفنان للمعرض “القاهرة 11″، أي القاهرة عام 2011، محاورًا الفيلم الدرامي “القاهرة 30″ من إنتاج عام 1966. تدور أحداث الفيلم، المأخوذ عن رواية للأديب نجيب محفوظ، والذي قامت ببطولته الفنانة سعاد حسني التي تظهر لها أيضًا رسوم “إستنسل” في أعمال الفنان، حول المجتمع ونظام الحكم في مصر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ومحاولات الشباب للثورة على الفساد والنظام الديكتاتوري. تظهر في بعض الأعمال يافطة زرقاء لشارع “طلعت حرب” المتفرّع من ميدان التحرير، حيث يحيل اسم الشارع “حرب” إلى الصراع المرتبط بتلك الفترة من تاريخ مصر، وبمكانها -ميدان التحرير- كقلبٍ للثورة.

يحشد أبو النجا في العمل الواحد مفردات من القاموس الثوريّ الثقافيّ المصريّ: شعارات الثورة، حرية، ثورة مستمرة، الموت ولا المذلّة، لا تصالح، بورتريهات الشهداء، ملصقات مرشّحي الرئاسة، الرموز والشعارات الانتخابية، ليبدو سطح العمل متوترًا بطبقات راكمتها الأحداث المتسارعة والعنيفة التي مرّت بها مصر بعد اندلاع الثورة. تُظهر أعمال أبو النجا هذا المزيج بين مشاعر الغضب الشعبيّ والطموح في التغيير والآمال المحاصَرة بالأطماع وبصراع الأطراف من تيارات وأفراد حول السلطة.

في العمل المُعنوَن بـ “أفراح الحرية” تعمل الزخارف الإسلامية كإطار للّوحة التي تكرّرت فيها كلمة “حرية”. وفي حين أنّ المكان الذي تدل عليه يافطة “السادات” Sadat في العمل، في إشارة إلى “محطة السادات” في مترو الأنفاق وسط القاهرة، ينبض بصوت هتافات الحرية، لكنه محاصرٌ بمساعي التيارات الإسلامية للسيطرة على الحكم والهوية في مصر. وتحتل مساحة من الأسود نصف العمل تقريبًا، في إشارة إلى رؤية الفنان لهذا الواقع المرير، في حين تعطي الحليّ الموجودة أسفل اللوحة -وهي “الشخاليل” التي تُعلّق في أعناق الحيوانات- بُعدًا صوتيًا للعمل: ضجيج المكان وعبثية المشهد ككُلّ. الإسلام، الذي تشير اليه الزخارف هنا، هو عنصر أساسي في الهوية المصرية، لكنّ الجماعات الإسلامية أقحمته بعد الثورة في الصّراع السياسيّ، ليصبح وسيلة للسيطرة ومحاصرة الثورة ومطالبها.

في عمل آخر تظهر طبقة تحتية باهتة وقاتمة تحشد رموزًا دالّة على المكان -ميدان التحرير-وعلى مطالب الثورة وشهدائها، في حين تسيطر سجادة الصلاة على العمل واضحة بارزة في مركزه، بينما توجد على السجادة نجوم ذهبية مع شعار النسر في إشارة الى الحكم العسكري، في دلالة على سيطرة الطرفيْن “العسكر والإخوان المسلمين” على الحكم وتحالفهما على حساب مطالب الثورة.

إنّ إعادة صورة جديدة لمكانٍ يثور تحدٍّ ليس بالسهل، ولكنه ممكن على يد فنان احترف تقنيات صنع الورق والمواد المختلطة وتشكيل أعمال تزدحم برموز الهوية كطبقات تتراءى للناظر في عمل واحد. يستخدم الفنان قماش الحرير الشفاف والأسود كطبقة أخيرة تغلّف أسطح أعماله ليبدو العمل ضبابيًا قاتمًا غيرَ مستقرّ موضوعَه، في إشارة إلى حالة الارتباك التي سادت بعد الثورة وتناقض وتضارب تصريحات الأطرف المختلفة، ليشعر المتلقي بأنه يتابع كلّ الأحداث من خلال شاشة تلفاز لا تبث رؤية واضحة للحدث.

إنّ إعادة صورة جديدة لمكانٍ يثور تحدٍّ ليس بالسهل، ولكنه ممكن على يد فنان احترف تقنيات صنع الورق والمواد المختلطة وتشكيل أعمال تزدحم برموز الهوية كطبقات تتراءى للناظر في عمل واحد

يؤكد الفنان على الرؤية المرتبكة من خلال أعماله “أربع شجرات التحرير”، وهي صور التقطها لأربع شجرات في ميدان التحرير عُلّقت عليها يافطات كُتبت فيها مطالب الثورة. يوثق الفنان في المجموعة الأولى من صور الشجرات لعودة المصري الفطرية خلال الثورة إلى بناء علاقة مع الشجرة. الشجرة المباركة في الأديان، والتي كان يقدسها قدماء المصريين، تعود إلى مركز الاهتمام بعد قطيعة معها ومع الطبيعة خلال العقود الماضية، نتيجة الفساد والفقر والتحوّل الى الحياة المادية البحتة في سعي مستمرّ وراء الرزق وسط ازدحام المباني والمركبات. تحضر الشجرة في المجموعة الأولى كهالة من النور وسط دائرة من الأسود، إنها كشجرة عيد الميلاد التي أُضيئت بمطالب الثورة وسط حلكة ظلام الفساد. تبدو الأشجار في المجموعة الثانية في مشهد ضبابي مهتزّ في دلالة، مرة أخرى، على اهتزاز الثورة ومطالبها نتيجة الصراعات السياسية. المطالب ما زالت معلّقة، تبهت مع الزمن وتمّحي، وتهتز برياح الأحداث المتسارعة التي لم تؤدِّ إلى تحقّقها كاملة.

يسجّل أبو النجا في “القاهرة 11″ توتر المشهد البصري في مصر في إشارة إلى الاهتزاز العنيف في الشارع المصري بعد اندلاع الثورة. وتحضر الجدران في أعمال أبو النجا بزخمها وحكاياتها وارتباكها وصراعات الأطراف حولها وحول الثورة. تشهد الجدران في مصر، منذ 25 كانون الثاني/ يناير 2011 وحتى الوقت الراهن، معركةً مستمرّة بين الرسم والإزالة، إذ يرسم الفنانون والنشطاء على الجدران صور الشهداء ويدوّنون الشعارات والمطالب التي تُزال بشكل فوريّ، كما يسجّل أبو النجا لتلك المعركة على الجدران، من خلال الطلاء الأبيض الذي يسيطر بعشوائية لإزالة بعض الأعمال، ومن خلال الخطوط السوداء العريضة التي تغطي رسومات الشهداء في أعمال أخرى.


[1] ميخائيل أسعد، سيكولوجية الإبداع في الفن والأدب، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ص ص 8 – 12.

[2] أنظر: Tristan Manco, Stencil Graffiti, (London: Thames & Hudson Ltd, 2002), pp. 7 – 15.

0 تعليق على “توتّر الجدار واللحظة التاريخية في “القاهرة 11″/ مليحة مسلماني”

أضف تعليق