على هامش إقامة منتدى فكريّ/ بروفسور مروان دويري

12 أبريل 2013

intellectual

>

|مروان دويري|

marwan

بروفسور مروان دويري

إجتمع قبل أسبوع عدد من الأكاديميين والمثقفين والكتاب والفنانين والأدباء، الذين ساهموا من قبل في صياغة ما أطلق عليه “التصورات المستقبلية” للعرب في البلاد، وبحثوا دور المثقف في هذا الواقع المأزوم وتوصلوا إلى ضرورة إقامة “منتدى فكريّ” يبادر إلى حراك فكري من شأنه المساهمة في الخروج من حالة الركود السياسي والاجتماعي القائم.

من بين المؤشرات على حالة الركود: استمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب أفق مستقبلي، انفلات العنف، هيمنة الاصطفافات الطائفية والحمائلية وتراجع ثقة الناس بالأحزاب والقيادات، تراجع المشاركة الجماهيرية في النضالات السياسية والقومية، وبقاء تردي مكانة المرأة وغيرها من المؤشرات.

لا شك أن حالة الركود هذه تأتي في ظل سياسة الحكومة اليمينية وعوامل خارجية أخرى، لكن ما يهمني في هذا السياق التركز في مسؤوليتنا الذاتية في فهم التحديات وفي كيفية مواجهتها. طبعا تقع على عاتق الأحزاب ولجنة المتابعة واللجنة القطرية والسلطات المحلية والقيادات الاجتماعية والتربوية والجمعيات المدنية مسؤولية كبيرة في تردي الأوضاع. وفي هذا السياق يُسأل: ما هو دور المثقف؟ وما علاقة المثقف بالسياسي؟

مجتمعنا بحاجة ماسة إلى متعلمين ومثقفين مهنيين وتخنوقراطيين يثرون أداء مجتمعنا في المجالات المهنية المختلفة، لكنني هنا في هذا المقال أتناول دور المثقف الذي وصفه المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي بال”مثقف العضوي” المرتبط بقضايا شعبه ويستخدم ثقافته ومعرفته وفكره في تحليل وفهم واقع شعبه ويقوم بصياغة مشروع تغيير ثقافي وأخلاقي ويشارك فيه.

طبعا هناك مثقفون كثيرون يحتلون مواقع قيادية في الأطر الحزبية والسياسية والجمعيات ويقومون هناك بعطاء فكري هام، وهناك مثقفون آخرون غير محزبين وينشطون في الجامعات والكليات وفي البحث والكتابة والإبداع في مجالات علمية واجتماعية وثقافية.

معظم النقاشات والأبحاث التي تجري حول مواضيع تخص مجتمعنا العربي في إسرائيل تكون براغماتية وعملية من أجل اتخاذ قرار أو وضع خطة عمل تقع ضمن مواقف سياسية وأيديولوجية محددة. لقد اتخذت النقاشات التي دارت في المجموعات التي صاغت ما أطلق عليه “التصورات المستقبلية” للعرب في إسرائيل، طابعا آخر فيه زخم فكري ورؤية مستقبلية تتخطى اتخاذ القرارات والخطط البراغماتية لكنها، حسب رأيي بقيت تدور في فلك ما يسمى الثوابت الوطنية والإجماع الذي يوحد المواطنين العرب، ولم تتجرأ على التفكير خارج القوالب وخارج الإجماع الثوابت.

مدى التفكير الإبداعي خارج القوالب، هو ما يفرق بين المثقف الملتزم في إطار حزبي أو مؤسسة أو جمعية والذي تتميز مساهمته، بطبيعة الحال، بالبراغماتية المطلوبة للعمل الحزبي أو التنفيذي، وبين المثقف غير المؤطر والذي يتيح لنفسه بحث القضايا في فضاءات تتخطى القوالب والإجماع والثوابت وتتخطى الأفق البراغماتي. وهنا لا أفضل فريقًا على فريق، بل أطرح ضرورة التكامل والتعاون بين الفريقين الذين يكملان بعضهما البعض، علما بأن ما يُرى من هناك، لا يُرى من هنا.

في بحثنا للقضايا التي تهمنا مثل العولمة والحداثة والتراث، الثورات العربية، الدين والسياسة، قضايا المواطنة ومعناها، المساواة القومية ومعناها، حل الدولتين وإسقاطاتها، يهودية الدولة، الأسرلة، المفاوضات، الكفاح المسلح، قتل المدنيين، الخدمة المدنية، حق العودة للاجئين الفلسطينيين، العنف، الفقر، مكانة المرأة وغيرها من القضايا، هناك ضرورة للخروج عن حدود قوالب التفكير السائدة القوميّة والأيديولوجيّة، والتحلي بالجرأة على بحث بدائل قد تقع ضمن التابو الوطني. هناك ضرورة ملحة مثلا لبحث مفهوم المواطنة في إسرائيل، والتي نتمسك بها، وعلاقته برفض يهودية الدولة، ورفض الخدمة المدنية، والتمسك بحق العودة، وبعلاقتنا مع الحركة القومية الفلسطينية. طبعا أنا مدرك لوجود إجابات متداولة حول هذه القضايا، ربما تكون ردًّا شافيًا على الادعاءات الصهيونية، لكنني أدّعي أنّ النقاش المعمق والجريء في هذه القضايا وتفكيك التناقضات بداخل هذه الإجابات هو الأمر الغائب. وهنا أجدني على اتّفاق تامّ مع تعريف إدوارد سعيد للمفكّر وللمثقّف الذي يجرؤ على “الطعن في المعايير والأعراف السائدة” والخروج على “التشكيلة الجماعيّة”، ويستطيع “تمثيل المعاناة الجماعيّة لأبناء شعبه” لا من منطلق تعصّبيّ شوفينيّ، بل من منطلق أخلاقيّ يعتمد القيم الإنسانيّة العالميّة بصورة مثابرة، ولا يستحوذ انفراديًّا على دور الضحيّة، ولا يتسامح مع الممارسات اللا أخلاقيّة لبعض فئات شعبه.

على المواقف ألا تكون اصطفافية قومية كانت أم طائفية بل عليها أن تعتمد مرجعيات أخلاقية كالعدل والحرية

من أخطر المصطلحات في الحركات الثورية في رأيي مصطلحا “الثوابت” و”الإجماع”. في عالم متحرك وغير ثابت كيف يمكن للفكر أن يُحتجز في إطار ثوابت. وفي عالم متعدّد كيف يمكن أن يتجمّد الفكر في إطار الإجماع. إنّ ما يجب أن يوجّه النقاش الفكريّ هي المرجعيات الأخلاقية الإنسانية، مثل أخلاقيات العدالة والحرية وليست معايير قومية أو حزبية أو طائفية.

في بحث المثقفين للقضايا التي تشغل شعبنا يجب ألا نقبل وجود بقرات مقدّسة ولا ثوابت قومية جامدة ولا رؤية صحيحة واحدة، بل تشجيع التعدّدية الفكرية والاجتهاد في تحليل ما وراء الظاهر، ومصادمة الرؤى المختلفة وتفكيكها من أجل النهوض بالثقافة والفكر إلى ما يتخطى الثوابت والإجماع. يجب فتح مجال الحوار والبحث والتفكير المنظوميّ الذي يرى بكل ظاهرة الشيء وعكسه في آن واحد، واستفزاز الطروحات السياسية السائدة دون تخوين. في كلّ قضية تكون حاجة لتناول الأمر من الزاوية البراغماتية وهذا ما هو سائد اليوم، وفي نفس الوقت من الزوايا الفكرية والأخلاقية وهذا ما هو شبه غائب اليوم.

معظم النقاشات الدائرة اليوم تعتمد على معايير اصطفافية قومية أو طائفية أو حزبية. وكأنّ دائرة الانتماء هي التي تحدّد الموقف وتحدّد المعايير الأخلاقية التي تميّز بين الإيجابيّ والسلبيّ. ومن هنا يغيب النقد الذاتي وبالتالي نغرق في حالة ركود وتحجّر. لا، ليس كلّ ما هو إسرائيليّ رديء وكل ما هو ضد إسرائيل جيد؛ وليس كلّ ما هو طائفي أو فئوي رديء وكل ما هو قوميّ جيد. يمكن للدين أن يلعب دورًا تقدميًا في السياسة ويمكن له أن يلعب دورًا رجعيًا. إنه أمر معيب أن يتخذ المثقف موقفه وفق معايير الاصطفاف القومي أو الطائفي أو الحزبي والتي تأخذ النقاش إلى مسار التخوين والإقصاء. شطارة المثقف ليست في مواجهة الطرف الآخر فحسب بل في انتقاد حزبه ومجموعة انتمائه وانتقاد الطروحات السياسية التي ينشط بداخلها، والتصدّي بمثابرة للانتهاكات الأخلاقية باستقامة من أيّ طرف كان. طبعًا، كما أكّد إدوارد سعيد، يصعب على مثقف كهذا أن يُستوعب في شركة أو حكومة أو حزب ومن هنا أهمية إقامة منتدى فكريّ يتيح لهؤلاء المثقفين أخذ دورهم إلى جانب بقية المثقفين. ومن جهة أخرى ليس كلّ من انتقد حزبه أو جماعته وخرج منها أصبح مثقفا. كثيرون يفعلون ذلك من باب المصلحة أو الأنانية فنراهم ينتقلون من حزب إلى آخر دون نقد ذاتيّ. نقد المثقف لحزبه أو جماعته يجب أن يعتمد مرجعية أخلاقية ويتحلى باستقامة وولاء لهذه المرجعيات بغضّ النظر عن موقعه السياسي.

طبعا هناك مثقفو بلاط وسلطة ولكن المثقف الحقيقي في نظري، تماشيًا مع أفكار فوكو وشومسكي وآخرين، هو من ينتقد ويتحدّى السلطة والقوة المسيطرة في مجتمعه وشعبه وحزبه ودولته والعالم، من أجل إحداث تغيير والخروج من حالة المحافظة والثبات نحو التطوّر والجديد الأكثر إنسانية وعدلا وحرية.

لا يمكن الخروج من حالة الركود السياسيّ والاجتماعيّ دون أخذ المثقفين -على اختلاف مشاربهم- لدورهم “الاستفزازيّ” إن صحّ التعبير، من أجل خلق حراك فكري تعددي يناقش بعمق وجرأة كل البدائل السياسية والمسلمات والثوابت والإجماع والعادات والتقاليد والتراث والدين. أما حياد المثقفين إزاء هذه القضايا بحجّة احترام الثوابت والإجماع والمعتقدات فهو نوع من التواطؤ غير البريء. من هنا أرى ضرورة إقامة المنتدى الثقافي ودعوة كلّ المثقفين والمفكرين لأخذ دورهم في تأسيسه ورسم طريقه وتفعيله. وأدعو الأحزاب والقيادات للتعامل مع هذا المنتدى ككيان مُكمّل للعمل الحزبيّ والسياسيّ من أجل النهوض بمجتمعنا والخروج من حالة الركود.

 

0 تعليق على “على هامش إقامة منتدى فكريّ/ بروفسور مروان دويري”

أضف تعليق