شعر مصفّى وشاعر لا يعد بشيء!/ مرزوق الحلبي

27 فبراير 2015

 ayman cover fina4 print3

.

|مرزوق الحلبي|

مرزوق الحلبي

مرزوق الحلبي

 الكتابة عن أيمن أو شعر أيمن، تفرض على الكاتب تحدّيًا. فكيف تكون الكتابة عن الشعر بمستوى الشعر ذاته؟ أو كيف تكون الكتابة عن مُبدع يقول شعرًا إذا حكى وإذا مشى وإذا ابتسم وإذا رأى؟

كيف تُنصفُ الكتابةُ الشعرَ، فلا تقصّر عن موضعه ولا تتجاوزه؟

أبدأ بإشارتين قبل أن أجيب على أسئلتي هذه.

الإشارة الأولى: يخيّل للمهتمّ بالمشهد الأدبي والإبداعي في المُحايث أن وفرة النصوص والفاعلين في هذا الميدان غيّبت تماما الفارق بين الأدب واللا أدب ـ بين شعر وبين كلام مصفوف مثل سمك مسموم عند رصيف الميناء؟ لكني من الذين يعتقدون أن في الساحة ما يستحقّ التسمية وفيها ما لا يستحقّها، وأن تأمل النصوص المنثورة والمتناثرة في الشبكات والصفحات والأمسيات سيدلّنا إلى الأبواب القليلة للشعر فنميّزه عن بقية الكلام الذي قد تصح فيه التسميات غير الشعر.

الإشارة الثانية: للشعر مقوّماتُه. وقد تكون متحرّكة في اجتماعها أو هرميةً في ترتيبها. وهي مختلفة بعض الشيء عن الشعر الموزون أو الموقّع إلى قصيدة النثر (التي تنتمي إليها نصوص أيمن في مجموعته الجديدة)، أو من الشعر التأمّلي إلى الشعر الخطابي. مهما يكن،  لا شعر بدون مجاز أو استعارات. ولا شعر بدون صُور شعرية وهي تأتينا على الغالب في ثلاثة مستويات، مادية مباشرة تُدرك بالعين المجرّدة، حسية أو فكرية تُدرك بالعقل المفكّر، سحرية تُدرك بالخيال.

ولا بدّ للشعر من زواج استثنائي للمفردات لتوليد المعاني الجديدة وإنتاج الأفكار في شكل زفافي جميل.

يُضيف البعض للشروط المذكورة الإيقاع -الظاهر أو الباطن- كضرورة شعرية، أو الوزن المنظوم على البحور أو المنحوت من تفاعيلها. وأقول إنّ للشعر شروطه اللازمة وشروطه غير اللازمة. فالتفعيلة (الوزن والإيقاع والعروض) في نظري مكوّن غير لازم بالضرورة. فالقصيدة النثرية الطافحة بالشعر عند أيمن إغبارية مثلا، تؤكّد ما ذهبت إليه. مع أهمية الإيقاع فإنّ الشعر يستطيع أن يعيش وينمو خارجه وأحيانا بحرية أكبر.

كان لا بدّ من هاتين الإشارتين كنقطتي نظام ننطلق منهما إلى نصوص أيمن ومنها. كل ما أشرت إليه يتوفّر نموذجيًّا في شعر أيمن ونصوصه. وهي نصوص تتشكل شعريتها في طبقات- ما أن ننفذ بتأملنا من طبقة حتى تستقبلنا طبقة جديدة أكثر عمقًا ولا تقلّ جمالاً. نفكّك معنى ظاهرًا لنجد تحته معنى باطنا، نستوعب قولا فنجد المعنى الثاني أو الثالث في انتظارنا. ومن هنا، فأيمن لا يُقرَأ إلا كما تمشي النملة، جزئيةً جزئية حتى لا نخسر المعنى ولا الحَبَّ فتنقص متعتنا مثقال حبّة.

أيمن مُبدع في توليد الصور الشعرية في مستوياتها كافة. فهو فنان في إبداعها- لحسن حظّنا نحن. وهي حِرفةٌ لا تتيسّر إلا لشاعر مسكون بالفِطنة وبالذكاء الفطري ومتدرّب عالي التركيز في غايته الشعرية وفي لغته؛ فلا يقول إلاّ شعرًا. حتى عندما تدعوه إلى محاضرة في التربية موضوع اختصاصه الأكاديميّ -كما حصل لي- فستجده يحكي عن التربية شعرًا أو بأدوات الشعر.

لغة أيمن ومفرداته وقف له وعليه، قلّما تجدها عند شاعر آخر (قصيدة ‘أمي والليمون الأسود’ ص 51ـ مثلا). وهي بطاقتُه ‘الشخصية والشعرية وهويته الإبداعية سيتعرّف عليها القارئ أينما صادف النصوص أو استمع للشاعر. وهي لا تتأتى للشاعر إلا إذا اتسعت معارفه وليس باللغة وحدِها ـ حقلِ الإبداع وأداته. ومن هنا سهولة تبيّن الشعر في نصوصه من اللا شعر الممتد بكثرة وكثافة في المشهد الأدبي الراهن. وأذكر أنني التقيت أيمن الشاعر في النصف الثاني من الثمانينيات، يومها قرأ أيضا، من شعره بالمحكية فأيقنت أنني وقعت على شاعر حقيقي كانت بداياته الشعرية شعرا مصفى تحفل به المجموعة الجديدة من أولها إلى آخرها. سنفتح الباب على أي قصيدة فنجد الشعر فيها حاضرا بقوة ناعمة.

شعر أيمن مرآة للنفس في تعاطيها مع الواقع أو هو صورة الواقع في نفس الشاعر الفرد. ومن هنا التزامه ـ ليس بالمفهوم المألوف بل بمفهوم الصدق والإخلاص لما هو موجود ولما يعتمل في داخله حيال هذا الموجود، بمفهوم أنه لا يغرق في بطولة مشتهاة ولا ينزوي في قهر مكروه، لا يردد مفردات أهلكت الشعر ولا لغة يرطن بها غيره ولا “قضايا” ثقيلة جعلت من الشعر هنا مادة ثقيلة تهلك الوقت. صورة أيمن في الشعر هي صورة الإنسان الصادق مع نفسه ومع قارئه. يخوض في أشيائه بلا حذر ولا طوباوية. يخوض في تفاصيل الحياة كما هي. في خيباته أكثر مما في آماله، يخوض في الواقع على ثقله. لا يزيّن لنا شيئا ولا يستعمل أي مستحضر لغوي أو محسّنات لفظية (قصيدة  ”عصا الأستاذ أحمد” ـ ص 16). بيد أنه في كل ما فعل يصرّ على أن يفعل من خلال الشعر لا النبوءة ولا افتعال موقف أو انتحال شخصية خارجَه. فهو ـ حسب نبرة شعره ومضامينه ـ محرّر بوعيه من قبضة الواقع والشرط والظرف والسلطة، كل سلطة، مُفكّك للمباني القابضة ساخرا منها ومن نفسه حينا ومما يُحيط به حينا آخر، يتجلى لنا محرّرا، أيضا، من أسرِ أنساق صادّة للشعر وللشاعر الإنسان مثل الضحوية والتفجّع والانتظار والماضوية والهوية ـ الحصن المغلق . ومن هنا نزعته الإنسانية العقلانية التي لا تثق بوعد ولا تعد (قصيدة “طروادة” ـ ص 136، “الكتب قبور الشعراء” ـ ص 218)! فهو يكتب دون أي قصد بالتبشير أو التنظير أو القول بحتمية بل يحكي عن الحياة والدنيا كأنهما متاهة (قصيدة “أول مرة آخر مرة” ـ ص 20). وهو يبدو لقارئه قادرا أن يتجاوز في شعره وبنجاح كبير امتحان الدمج بين نزعته العقلانية في رؤية العالم وأشيائه، وبين العذوبة في الشعر مهما يكن موضوع النص. ( “كلام في السياسة” ـ 159، “بين الانتفاضتين” ـ ص 118).

أيمن الإنسان على “هوياته” كلها وحضوره المتعدد في الحياة يتمشى في شعره كما هو في حياته بدون رتوش أو تبجح أو ادعاء. وهو في الشعر كما في الحياة رصين هادئ وعارف يمسك بما استطاع من الوقت ويغرف مما فيه ولا ينتظر غودو (“ملاقط الغسيل “1″ ـ ص 57ط “ملاقط الغسيل “2″ ـ ص 73).

في نصوص أيمن تجربة إنسان يقظ لذاته ولكل ما حوله. يلتقط بملاقطه كل شاردة وواردة. والأهم أنه مع تقدم السنين، تتسع الحكمة المكتسبة وتتكثّف. ومع هذا فهي حكمة مفتوحة كنصوصه غير مُغلقة، تقترح وتخيّر ولا تأمر أو تجزم. ومن هنا تصير الطريق إلى الاستنارة قصيرة وواضحة في معاني النصوص وفي دلالاتها. وهي واردة هنا خفيفة الحضور نافذة، دون الانزلاق إلى وعظية أو وصايا (تطابق بين نوعته في الشعر ومنهجه التربوي). نصوص المجموعة، مجتمعة أو منفردة تمثل تجربة إنسانية مميزة يضعها أمامنا لا كتقرير عن سيرة مربٍ أو سرد لا نسغ فيه ـ كما هي معظم النصوص حولنا ـ بل بإيحاء ومجاز موارب شفيف يُدخلنا حالة التوتّر المعهودة بين النص المشبع بالطاقة وبين القارئ. وأعترف أنني كلما قرأت أيمن ـ وأقرأه منذ ثلاثة عقود ـ كلما قرأته، تملكتني رغبة وحشية في شرب الحبرِ وعناق المفردات. وهي حالة تحصل لنا لحظة الشعر المصفّى أو الحكمة الخالصة أو التجلّي ـ ولأيمن وجه صوفي زاهد تعكسه عدد من نصوص المجموعة. فتصوروا ماذا يُمكن أن يحدث في حال اجتماعها كلها في مفردة أو نص ـ كما هو الحال هنا!

أهدانا أيمن “ملاقط الغسيل” ومعها السحر والحكمة والشعر في مجموعة طال انتظارها ـ شعر باعث على الدهشة دون أي دراماتيكية أو ضجيج.

(عن محاضرة ألقيت في ندوة عن المجموعة عُقدت في المركز الثقافي في أم الفحم يوم 21 شباط 2015)

0 تعليق على “شعر مصفّى وشاعر لا يعد بشيء!/ مرزوق الحلبي”

أضف تعليق