شعر نزيه بريك قوارير عطر مضغوطة!/ مرزوق الحلبي

1 سبتمبر 2015

תמונה (24)

| مرزوق الحلبي |

للشاعر شعره في مواجهة العالم.

للشاعر جماليات ينقض بها على مواقع القُبح.

للشاعر نصوصه وهو كل ما يملك في مواجهة الطاغية أو جشع الرأسمالي أو داعية الأفك.

للشاعر تقنياته في الكتابة وفي الرسم وفي التصوير وفي صياغة الحبكة دفاعا عن نفسه وإنسانيته وضميره من لوثة القوة والسؤدد والسلطة والفتاوي.

كأن نزيه بريك في نصوصه القصيرة في مجموعته “منطقة منزوعة الصمت”، يشنّ حرب عصابات ضد كل مواضع الخراب في حياته/حياتنا وفي الكون بأسره. نصوصه قصيرة فعلا، عشر كلمات أو عشرين، يفاجئ عدوه المُفترض بها ويكاد يصرعه لولا أن لهذا العدوّ ألف وجه وألف شكل وألف تجسّد وقدرة لا نهائية على استنساخ روحه. ما أن يصرع شبحا له حتى يخرج له شبح آخر! فيُلقمه نصًا من لدنه، وهكذا! فالأشباح الشريرة حاضرة أمام كل نصّ من نصوصه التي يتضح أنها نافذة في حرب العصابات التي يخوضها. بطل واحد وحيد يقاتل على أكثر من جبهة. وكلما استراح تذكّر قلبه وجسده فانتشلهما من عتمة أو أرسلهما في نُزهة.

 بطل شديد البأس من خلال القوة الناعمة في الكلمات، ومن خلال السحر الذي يتحول إلى شحنة مغناطيسية تظل في القارئ ردحا بعد مغادرة النص إلى غيره. ومن هنا توصيتي ألا يُقرأ تباعا لأن في النصوص ما يأسر أو يقطع النفس ـ نعم إلى هذا الحد!

النصوص كلّها قصيرة كما أسلفت لكنها تتضمن حبكة ما ربما بتأثير القصة كنوع أدبي اشتغل في مساحته من قبل. قصة ما. دراما ما بكلمات اختزالية تبدأ من مفردة واحدة يبني فوقها بحرفية عمارة كاملة من كلمات قليلة. يُشيد حالة أو عالما لا يتردّ في نهاية البناء أن يُصدر حكما فيه. يأخذنا من أدنى إلى أعلى ذروة في نص من خمسة عشرة مفردة فقط ويتركنا هناك أو يطوّح بنا بلُطف صاعقا كل الذين افتتنوا وتسلّقوا أعلى العمارة.

النصوص، وإن قصُرت، لا ينقصها شيء، لا من شعر ولا من فكرة ولا من جمالية. فالشاعر فيها يأتي من مكان ما ويذهب إلى مكان ما، الأمر الذي يجعل فكرته واضحة بل حادة دون ألم. ومع هذا، فإنه يتركك فريسة لشكوكه هو ولحالة لا يقين فيها ولا خارطة طريق. فالنصوص عنده تنتهي في ذروة ما منها ليُبقيك أنت وما يُمكن أن تفكّر وتفعل وتتخيل. من هنا، قوة النصّ وشعريته. فهو شعر ينتهك الأيديولوجيا ويكسر القوالب وينسف عوالم الطُغاة والدُعاة والسلاطين والأشباح، يُفكك ما يُشيدون على جماجم الناس وجثثهم ويتركك أمام الأنقاض، أنت وقُدراتك على الإفلات من هذا المشهد!

“كلّما أتقدم خطوة نحو الوطن/تكبر هزيمتي،/فأخطو خطوتين إلى الوراء،/ وألتحق/بمقاهي/العزاء” ـ هذا في نص “خطوتان”! أما في نصّ “أفق”: “أمشي ونمشي../ وأحذيتنا/ تدوّن الأسئلة على الطريق،/ لعلّ يوما يمرّ من هنا/ نبيّ/ قارئ.”.  وفي نص زيارة: “ها أنا،/ قد عُدتُ الآن من الجنة/أيها الفقراء/ اسمعوني، اسمعوني/ لا تصدّقوا أحدا/ لا تصدقوا كتابا/ لا تصدقوا نبيا/ صدقوا/ أمعاءكم”. أو في “عبء”: “استحال عليه التخلّص/ من ظلّه/ فأطلق الرصاص/على/ الشمس”.

هذه النصوص تتوالد من صفحة لصفحة تكسر إيقاع العالم المتجهّم مؤشّرة إلى آفاق مغايرة. وقد لاحظت أن عناوين النصوص مقتضبة أيضا ومتصوفة. فالشاعر يسير في طريق التصوف في نصوصه ـ بعض مفردات وما وشعر يكفي لبناء عالم أو عمارة. نهج في الكتابة ـ مينيمليزم ـ يوازيه منهج في الفن التشكيلي والتصميم المعماري وتصميم البيوت من داخلها. كأن الشاعر يقول لنا الأقلّ هو الأحلى ـ أو أنا أقدّم لكم طرف الخيط فقط ولكم أن تحيكوا أردية بكاملها. مثل هذا الشعر المُقتضب إنما هو بحاجة إلى دراية وإلى علاقة وثيقة وحميمة بالمفردات المتاحة. فكيف يُمكن أن نُشيد حالة من جملتين ونصف الجملة؟ وكيف يُمكن أن تتضمن عشر مفردات كل هذه الحكمة لولا ترابطها العضوي وقدرتها على توليد معاني شتى ودلالات وصور ومشاعر وشحنات. الشاعر هنا متصوف وفيلسوف على لسانه حكمة وفي جعبته تجربة الإنسان في جوهره وقدرة على البوح اللطيف في وسط كل هذا الدمار. كأنها قوارير بحجم رأس اصبع، العطر فيها مضغوط، فما أن تفتحها عيون القارئ حتى يتملكه إحساس بالسحر! أو كأنها جواهر صغيرة يُرى شعاعها عن بُعد.

نصوص نزيه بريك في هذه المجموعة لا تراعِي شيئا من عروض أو أوزان أو تفاعيل، هي قائمة على ثلاثة عناصر إبداعية تمنحها حلاوتها المتناهية في كثير من المواضع ـ البناء الدرامي القصصي للنص مهما قصُر المنتهي بذروة، الفكرة المشرقة المتنورة، توليد الدهشة بمفردات وتراكيب جديدة كل الجدة تمنح النص نضارته. كل نص منها يساوي ألفا مما يعدّه العروضيون وينظمون! إنها حيوية الشعر يضعها أمامنا الشاعر وأمام مسوخ الشرّ وأمام هذه النصوص التي يرطن بها أناس يسارعون إلى العروض المُفرط في الابتذال لأنهم أضاعوا الشعر!

0 تعليق على “شعر نزيه بريك قوارير عطر مضغوطة!/ مرزوق الحلبي”

أضف تعليق