ما بين غضبين: الاعتقالات وشبكة الأمان بخصوص احتجاجات برافر/ ميساء إرشيد

نحن نؤمن بأنّ التخطيط والتنظيم والنقد الذاتي في سبيل النجاعة ركن أساسي بإنجاح وتكثيف النشاط وتخفيف الثقل على كاهل المضطهدين/ات في الأرض… ونؤكّد: “برافر لن يمرّ”

ما بين غضبين: الاعتقالات وشبكة الأمان بخصوص احتجاجات برافر/ ميساء إرشيد

الشرطة الإسرائيلية تعتقل متظاهرة في بئر السبع، 15 تموز

الشرطة الإسرائيلية تعتقل متظاهرة في بئر السبع، 15 تموز

.

|ميساء إرشيد|

بينما تقوم الدولة بتسويق “مخطط برافر” للاستيلاء على الأرض بذريعة التطوير والاسكان المريح واللائق، الذي من شأنه دعم وفتح الفرص أمام العرب البدو، وبالأخص الشرائح المستضعفة في المجتمع البدوي وعلى رأسها النساء, فإننا نرى فيه استغلالا صارخًا للحجة الاستعمارية التقليديّة: “تحرير النساء” التي تلوّح بها الدولة في كلّ فرصة لأهداف تتناقض مع مصلحة النساء بشكل خاص، وعلى رأسها تحقيق التهديد الأكثر خطورة على أمن النساء الفلسطينيات وهو هدم المنزل، وفقا لمؤشر الأمن والأمان للنساء الذي قامت ببحثه بعض الجمعيات النسائية مؤخرًا.[1]

يدفعنا شعار “النّقب هو احتياط الأرض” للإشارة إلى أنّ النساء البدويات سيدفعن الثمن الأغلى جراء مخطَّطات التوطين القسري في حيز لا يمنحهن سوى بضعة أمتار ليبنين عالمهن ويتطوّرن ويحققن ذاتهن ضمن مخططات وشوارع وأبنية كثيفة وصماء وتلوث بيئي وضجيج بشري وصناعي. من حيث المبدأ لم (ولن!) يكُنّ شريكات في تحديد معالم الحيز الذي تصبو الدولة جاهدة توفيره لهنّ لغاية في نفس يعقوب، ولتدقيق سلبه منهن، بشكل يتناقض مع احتياجاتهن. كما يشكل تهديدًا حقيقيا وملموسا على حياتهن اليوم، حيث يوفر لهنّ وضعهن الحالي الكثير من المساحة الجغرافية والاستقلالية في تلبية احتياجاتهن واحتياجات عائلاتهن اليومية، والحرية في بناء بيوتهن بأنفسهن، مثل حرية التنقل، في ظلّ انعدام تعريفات جافة لما يسمى العام والخاص، بما ذفي ذلك المرعى والأعمال المختلفة التي لم تُجندَر بعد في ظلّ الحياة البدوية الحالية.

أنا لا أقصد تحديد طريقة الحياة الأفضل (البدوية مقابل المدنية), فالحق الطبيعي لكلّ فرد أو جماعة أن تختار الشكل الذي تريده لإدارة حياتها، بل أسعى للتأكيد على أنه لا يجوز لأيّ دولة أو مخطط سلب هذا الحق، خصوصًا حين يكون قانونًا أو مشروعًا يستهدف أقلية أصلانية تحت وطأة استعمار ثقافيّ وحضاريّ.

ومرة أخرى، لا تقف الفلسطينيات موقف الحياد تجاه محاولة تغييبهن؛ فنلاحظ أنه ما بعد الخامس عشر من حزيران وقبيل الأول من آب، موعد الهبة الشعبية ضد مخطط برافر-بيجن, في ظلّ الحماس والتفاؤل من روح الشابات والشبان, تبرز النساء في الصفوف الأولى في التنظيم والإدارة والتطبيق. وقد بات واضحًا ظهورهن بقوة في النشاطات السياسية التي لا ينفصل الحضور النّسويّ عنها وخاصة في النضال من أجل الأرض والمسكن والحيز, وآخرها التصدّي لسيئ الذكر “برافر”- وهو المخطط الرامي لاقتلاع عشرات الآلاف من نساء ورجال النقب من بيوتهن/م ومصادرة ما يقارب 80,00 دونم من الأرض.

وهنا لا أحصر ذلك بالإدارة التنظيمية والميدانية النسائية للنشاطات كأنها حالة استثنائية، فرصيدهنّ في الآونة الأخيرة حافل بوجودهنّ وحرصهن على تسجيل موقف. وما هذا النص إلا محاولة متواضعة لتسليط الضّوء على الحَراك النسويّ بهدف توسيع مساحة هذا الضّوء من خلال بحث جوانب بوسعها التأثير على المشاركة العامّة والمشاركة النّسائية خاصّة ودفعها قدمًا، في المناسبات القادمة وتظاهرات رفض مخطّط برافر خاصّة.

قلّما نرى نساء القرى المستَهدَفة يتصدّرن ويمارسن “النضال” الذي ت/يألفه غالبية من ت/يقرأ هذه السطور في  دوائره المختلفه، مثل: المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية والظهور في الإعلام المرئيّ أو المسموعّ واللجان البرلمانية والوقفات والحلقات، ممّا قد يسبب الإحباط لبعض الناشطات/ين. لكن من العبث أن نظن أنهنّ غير حاضرات فقط لأننا لا نراهنّ, وهنا أشير إلى خاصية وتعدّد أشكال التصدي لمثل هذه المخططات من مواقع وبوسائل وبطرق مختلفة، حتى تلك غير المعرّفة أو “غير المعترف بها”، حيث أنّ كمّ النّضالات اليومية غير المرئية يتعدّى آلاَف المرات، ما نستطيع إحصاؤه أو رؤيته.

طرحي هذا، نظرا لمحدوديته، يتطرق للنساء والرجال الذين نستطيع رؤيتهن/م في ميادين الحيّز العام، وعلى سبيل المثال لا الحصر، من شارك/ت بيوم الغضب في 15 تموز، حيث بلغ عدد المعتقلين بالمجمل 40 معتقلاً[2] من ضمنهم 4 نساء[3] وقاصرين. بالإضافة إلى آخرين/أخريات ممّن تمّ استدعائهن/م (حتى الآن) للتحقيق معهم/ن واعتقالهم/ن بعد المظاهرات. وسيستمرّ ذلك مستقبلا تجاه مَن سيشارك في يوم الغضب الأول من آب وغيره.

لذلك، ولضمان استمرار ومراكمة العمل النضاليّ، علينا تدعيم وتقوية الناشطات/ين وهذا يتطلّب بالضرورة فهمًا وإدراكًا من خلال شبكة أمان يتوزّع فيها العبء النضاليّ على المجموعة ولا يقتصر على الفرد الذي اُعتقل/ت. مع العلم أنّ المعتقلات النساء, وأيضا القاصرين/ات, هن/م الأكثر عرضة نظرا لشُحّ مواردهن/م المالية بما يخص الكفالات المادية كشرط للإفراج، أو خسارة أيام عمل نتيجة الاعتقالات المنزلية وتهديد بفقدان أماكن عملهن.

النساء العربيات يتصدرن منسوب البطالة ومؤشرات الفقر مقارنة بالرجل الفلسطيني، وبالتالي حملهن مضاعف. أضف إلى لذلك عبء القوالب الاجتماعية التي تحدّ من حريتهن حيث يصبح اعتقالهن وصمة عار عائلية أو تعرُّضن للإساءات اللفظية المشكّكة بصدق نشاطهن السياسي وفعاليته, وفي بعض الأحيان تتخللها قهقهات صفراوية الخ.. من مظاهر تدعو لعودتهن إلى الأعمال المنزلية كبديل يتلاءم مع قدراتهن, ويصبحن متّهمات للمرة الثانية (بعد الشرطة) من قبل مجتمعهن بأنهن يسبّبن المتاعب لأنفسهن ولعائلاتهن.

زدْ على ثقل التجربة الاعتقالية, وطائلة الحمل الاجتماعيّ الذي يلازم النساء المعتقلات وبالتحديد اللواتي يمارسن نشاطهن السياسيّ بعيدا عن قراهن ودون علم عائلاتهن. فخلال وجودهنّ في غرف التوقيف فإنّ جلّ ما يشغل تفكيرهن هو وقع الخبر على عائلاتهن، وبالأخص على الذكور في العائلة وما سيتبعه من تحميل الناشطة ذنبًا تليها خطوات “عقابية” في حالات عدّة.

وهنا لا أستثني الذكور المعرَّضين لنفس العوائق من عقبات اقتصادية واجتماعية, لكنّي أتطرق بشكل خاصّ للنّساء، واضعةً حدودًا صارمة لكلّ مجموعة معرّفة (ذكور-إناث) لتوضيح صعوبة التحديات المختلفة من فئة إلى أخرى- ليس إلا.

سأتطرق لجانبين من شـأنهما التدعيم والمساهمة في توزيع العبء على أنْ يتمّا بشكل تنظيميّ: الأول هو التمثيل القانوني في المحاكم خلال جلسات تمديد الاعتقال وعند تقديم لوائح اتهام. فغالبا ما نشهد فوضى غير خلاقة، تتمثل بالقطبين أو توافد عدد كبير من المحامين الى مراكز الشرطة أو غياب عنوان مباشر يكون بيد الناشطين للتوجّه المباشر في مثل هذه الحالات لاحتواء الموقف ومتابعته لاحقا. ولا شك في وجود الكثير من المحاميات/ين بيننا من ذوي النّوايا الطيبة والرغبة في المساهمة، لكنّ المصلحة الجماعية تتطلب ان يقوم أخصائيّ القضايا الجنائية، وبالتحديد ذوو الخبرة في قضايا حرية الرأي والتعبير، بتولّي المهمة لما بذلك من منفعة للعامة وللمعتقلين بشكل خاص. فحبذا لو يتمّ تأهيل طواقم من القانونيين للتأهب لحالات الاعتقال من هذا النوع.

وهنا نرى في بعض الأحيان تغييبًا لإرادة المعتقل/ة حيث لا يُسأل عمّن يرغب بتمثيله. وبالمقابل، علينا احترام رغبته حتى لو كان مفادها اختيار محامٍ من مكتب المرافعة الجماهيرية التابع لوزارة القضاء، حيث أنه من حق كلّ معتقل أن يختار من يراه الأنسب ليدافع عنه حسب ايمانه ومعتقداته.[4] وأيضا يتطلب من المحامين الرجال الوعي الجندريّ عند تمثيلهم لنساء معتقلات والتعاطي مع وضعيتهن واحتياجاتهن الخاصة والتشديد والتركيز عليها وفقا لما نوّهتُ سابقا.

يوم ما بعد المظاهرة

ممّا هو معروف أنّ عدد المصابين/ات والمتضررين/ات من عنف الشرطة أكبر من عدد المعتقلين، وهنا يكمن عمل جُلّ المحاميات/ين بالمساهمة وتقديم المشورة للمتضرّرين/ات ومرافقة شكاويهم بوحدة التحقيق مع الشرطة (ماحَش). ربما لا يوافقني البعض في نجاعة هذا المسار ولكنه جزء لا يتجزأ من النضال ضد القامع بكل الوسائل المتاحة وبدون تنازلات، لما يمكن أن يجلبه من فائدة للملفات الجنائية أثناء الدفاع عن المعتقلات/ين. كما أنه يحافظ على نوع من الرّقابة (برغم محدوديتها) على سلك الشرطة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى اللامبالاة وعدم الإدراك الكافي الذي ألاحظه لدى الناشطات/ين بهذه القناة، ممّا يدعو للحثّ والتنبه لها بشكل خاص.

لن ننسى النشيطات/ين اللّذين يتم استدعائهم/ن للتحقيق بواسطة الشرطة او المخابرات لاحقا على خلفية النشاط والتنظيم والمشاركة. هذه المرحلة تستدعي الوقوف عندها، حيث يقع هؤلاء تحت خانة غير المرئيين/ات ممّا يستدعي اعتقالهم/ن وسط غياب إعلاميّ، والأكثر ضررًا هم/ن أولئك غير المنتمين/ات حزبيًا الذين يفتقدون لعنوان لطلب المشورة والمرافقة.

عودة إلى الجانبين اللذيْن اقترحتهما: الجانب الثاني، هو الكفالات الباهظة التي يطلب من المعتقل/ة تكلّفها كشرط للإفراج عنه. فالحاجز الاقتصادي للشابات والشبان هو من أقلّ المشاكل تعقيدا، لكنه يستدعي الانتباه لكونه عائقًا كبيرًا أمام النساء والقاصرين ومن هم من الطبقات الكادحة خاصة. لذلك فأحد أهدافنا هو إفشال مخططات الدولة والجهاز القضائي التي ترمي إلى ضرب النشاط بآليات اقتصادية والتي تُنزل أقصى أحكام الكفالات المادية كشرط للإفراج. فكما لاحظنا من خلال قرارات المحاكم عقب 15 تموز، وصلت الكفالات إلى آلاف الشواقل وأكثرها مبلغ 8,500 شاقل لأحد القاصرين في مظاهرة النقب! وأقترح بهذا الصّدد إقامة صندوق لتجنيد الأموال مسبقا، يقوم على إدارته بعض الأشخاص معًا، ليغطي هذه التكاليف مع العلم أنّ نقود الكفالات بشكل عام ووفق القانون تعود لصاحبها مع الفائدة بعد 180 يومًا.

أمّا بخصوص الموضوع الأول: يوجد عدد كبير من المنظمات الحقوقية وصناديق داعمة لحقوق الانسان ومحامين/ات مستقلين/ات الذين يختصون في مثل هذا النوع من القضايا، والّذين يجب إدراجهم/ن بقائمة واحدة وإتاحة التّواصل بينهم. كما أقترح أن يقوم النشطاء والناشطات بتجهيز قائمة مسبقة بأسماء المحامين أو المؤسّسات المدنية في كلّ منطقة (شمال، مركز، جنوب)، وتعيين شخص ميدانيّ مسؤول عن جمع وتركيز معلومات عن المعتقلات/ين في كلّ مظاهرة أو احتجاج، وأن يتواصل بشكل مباشر مع المحامين حسب التنسيق المتفق عليه بينهم مسبقا. والأهم من ذلك هو تعميم ونشر اسم وتفاصيل التواصل مع الناشط/ة المركز/ة الميداني/ة بكلّ الوسائل الممكنة، ليحصل عليه أكبر عدد من المشاركات/ين.

في الختام يجب أن أشدّد على الروح الجمعية الطيّبة والتكافل الاجتماعي الذي يميز الناشطات/ين الفلسطينيات/ين في الدعم المعنوي والنفسي ووجودهن/م أمام مراكز الاعتقال وفي جلسات المحاكم بأعداد كبيرة، للحفاظ على التكافل وبثّ روح الجماعة بعد اعتقال الرفاق والرفيقات وتكثيف التواصل ما بعد الافراج عنهنّ/م. وهنا أخصّ بالتوجّه جمعياتنا ومؤسسات المجتمع المدني النسائية والنسوية والتي من شأنها توفير دفيئة لتحصين النساء الناشطات ومدّهم بالدعم المطلوب حسب احتياجاتهنّ من أجل التغيير الاجتماعي المنشود، وأدعوهنّ لشغل هذا الحيز المتاح لتكريس مواردهنّ في الأماكن التي من شانها رفع ثقافة النشاط والوجود في الحيز العام.

نحن نؤمن بأنّ التخطيط والتنظيم والنقد الذاتي في سبيل النجاعة ركن أساسي بإنجاح وتكثيف النشاط وتخفيف الثقل على كاهل المضطهدين/ات في الأرض. بهذه الروح سيُعلِن المنتدى النّسوي الفلسطيني قريبًا عن برنامج خاص في النقب للوقوف عند هذه العقبات ضمن التصدّي النسوي لمخطط الاقتلاع، وسنؤكّد: “برافر لن يمرّ”.

(الكاتبة محامية وناشطة وطالبة لفب ثان في الدراسات الجندرية)



[1] تقرير 2013, “مؤشر الأمن والأمان للنساء”, تحالف جمعيات نسائية.

[2] 16– النقب و14- سخنين و7- القدس و3- الطيبة.

[3] وهن رؤية الهزيل, ثائرة زعبي, فتحية حسين وصابرين ذياب.

[4] لمنع الالتباس الكاتبة لا تبدي رأيها بهذا الجانب، وإنما تشدّد على حرية الفرد بالاختيار كقيمة قائمة بحد ذاتها.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Pin It on Pinterest

Share This