الفنان الفلسطيني سليمان منصور ذاكرة وطن/ د.نصر جوابرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور ذاكرة وطن/ د.نصر جوابرة

فكان للجسد الإنساني حضورًا طاغيًا في أعمال الفنان في تلك المرحلة، لا ببنية حدثية تستحضر فعل الجسد، بل في سياق انتخابي استهدف طاقته وقدرته البلاغية في تقديم المعنى، وكأن الفنان قد أدرك قيمة الجسد كواقعة وأنشودة ثقافية قد يسلبها الاحتلال الحرية ويمارس القهر على وجودها كمادة، لكنه لا ينجح في اختراق وطمس رمزيتها والتي هي خارج نفوذه كما يقول جان بودليارد.

سليمان منصور، يقظة القرية، زيت على قماش  عام 1987

سليمان منصور، يقظة القرية، زيت على قماش عام 1987

| د.نصر جوابرة* |

حين يخرج الفن عن كونه ممارسة عبثية وفائضًا ثقافيًا أو ترفًا فكريًا إلى فضاءات الاجتماعي والسياسي والإنساني، ليختلط فيه وعي الفنان وقلقه الوجودي  بالذات الجمعيّة  واشتباكه الصوفي مع الموضوع/ الوطن كحاضنة للقيمة المادية والرمزية والمفاهيمية، وكشرط لتحقق وجوده الذاتي والوطني والإنساني، بموازاة انكباب الفنان/ المثقف  على الإرث الإنساني كبعد جمالي وكتجارب للتحرر في نسختها الثقافية، كل ذلك يضع بين أيدينا تجربة جمالية من نوع خاص  تتسم خصائصها العامة بالالتزام كحتمية وضرورة تاريخية تدفع الفنان مرغمًا للتفاعل مع اللحظة الزمنية، إلا أنها لا تلغي لديه البحث والتجريب في بنية الصورة وجدليتها على صعيدي الشكل والمضمون الفكري وصراعهما في بنية المنجز البصري  لخلق الحرية الممكنة  في سياق الضرورة أو الالتزام.

بهذا المكون الفكري والثقافي الذي اختلط به الوعي الجمالي بالهم الذاتي والوطني الخاص والممزوج بالقلق الإنساني العام، خرجت لنا تجربة الفنان سليمان منصور بنكهه جمالية ومن نوع فريد، مدعمة بالصدق الفني كقيمة مغذية لإنسانية المنجز على صعيد المشاهدة الأولى وكقيمة أخرى  تاريخية تتريثية  متجددة تضاف إلى منجزه البصري عبر مشاهدات لاحقة تصادق تاريخيا  على التزام الفنان بالهم الوطني وتكشف لنا عن مساهمته الفاعلة في حماية الهوية وتشكيل الذاكرة الوطنية لوطن يئن بالجراحات.

سليمان منصور، لحن الصحراء، زيت على قماش 1977

سليمان منصور، لحن الصحراء، زيت على قماش 1977

    عبر مسيرة بدأت مند السبعينات وواكبت متغيرات ومتحولات الواقع السياسي الدراماتيكي للقضية الفلسطينية، أكد منصورحضورًا فاعلًا ومتفاعلًا مع تلك المتغيرات، وسجل استجابة المبدع الملتزم لما فرضته قضية بلده من تحديات وثقل دفعته إلى الاشتباك الدائم واليقظ لمتطلبات اللحظة، فكان شاهدًا من شواهد الفن في نسخته الأمينة لقضايا الإنسان والتحرر. وبالقدر الذي منحته القضية السياسية من مغذيات ومصادر للتعبير، تمكّن منصورمن أن يمنح قضيته بعدًا إنسانيًا على الصعيد الجماهيري خارج حدود الوطن، وكذلك زخمًا نضاليًا وحشدًا جماهيريًا بين أبناء شعبه الفلسطيني، فكان من أبرز الفنانين الذين ساهموا في الحفاظ على الهوية الوطنية، بقدر ما ساهموا  ببذر البدور الأولى لنشأة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.

 رغم ما تفرضه القراءة السياقية من ثقل على منجزات منصور عبر أربع وخمسين عامًا من العطاء المتواصل، نجد أن متحولات الصورة وبنية النص الجمالي لديه والمتشاكلة  في ارتكاسيتها مابين النزعة الأبولونية الكابحة والمتعقلنة بصلابتها كبينية حضور في نسيج النص، وما بين النزعة الديونيسية  الممزوجة بالحلم ونشوة التعبيركبنية غياب دائمة محملة باستعارات ودلالات وشيفرات بين ثنايا العمل الفني  والمستحضرة في مجملها معنى الوطن في وعي الفنان وشاعريته المتحسسة لقضاياه المتجددة، كل ذلك يدفعنا إلى منحى آخر للقراءة يستجيب  للبنى العميقة لمنجزات منصورالبصرية.

   تلك  المنجرات التي تأسست  على المنحى الواقعي في التعبير للعقدين الأولين، تقريبًا من تجربته في سياق بواعث متعددة، منها الذاتية المرتبطة بقدرة الفنان وإمكانياته الإبداعية في التعبير،  ومنها ما هو موضوعي  تتعلق بدوافع الفنان وسؤاله الفلسفي في تلك اللحظة، من حياة شعبه ومصير وطنه؛ ما هو الرسم؟ ولمن؟ لهذا كان الخيار لتلك المدرسة الثورية  التي رافقت جلّ حركات وتجارب التحرر منذ نهايات القرن التاسع عشر وازدهرت وتنامت مع تصاعد النهج الاستعماري ونزعات الهيمنة  والظلم الاجتماعي في أدب ومسرح وفنون القرن العشرين،  ليقدم على تلك الأسئلة  باكورة أعماله التي هيمن عليها الجسد البشري  ضمن صياغات ومعالجات اقتربت من النزعة الواقعية في الرسم، لكن ليس بالمعنى التسجيلي (الفاكتوغرافي- Factograph) للمشاهد بل من روح المدرسة الواقعية بكل ما تتسم به من  خيارات وحلول تمنحها  للفنان  بوصفها من أشد الاتجاهات الفنية  غموضًا واشكالية واختلافًا وتباينًا وتعددية في التعبير. أو كما لخصها عالم اجتماع المعرفة الشهير (Karl Mannheim) حين قال: “الواقعية تعني أشياء مختلفة  في سياقات مختلفة”. فجاء فهم منصور لتلك المدرسة في سياق ارتباطها والتزامها بالواقع لا في سياق تسجيلها الحرفي الساذج لذلك الواقع ، الأمر الدي مكّن الفنان من تقديم واقعية خاصة به منحته هامشًا فكريًا ورؤيويًا لذاته المبدعة،  فخرجت بناه وأشكاله الواقعية  ممزوجة بالرمزية أحيانا وبالتعبيرية أحيانا أخرى،  بل وبالروح السيريالية – لابالمعنى المدرسي والحرفي للمفهوم- المتمثلة بتوليفات بصرية وجمالية غلب عليها المنحى التحليلي والتركيبي  للمشاهد والمرجعيات المأخودة من الواقع وإعادة صياغتها بما بتناسب ومضامين أعماله الفكرية.

سليمان منصور، الصمود والأمل، أكريلك على قماش 1976

سليمان منصور، الصمود والأمل، أكريلك على قماش 1976

 

    فكان للجسد الإنساني حضورًا طاغيًا في أعمال الفنان في تلك المرحلة، لا ببنية حدثية تستحضر فعل الجسد، بل  في سياق انتخابي استهدف طاقته وقدرته البلاغية في تقديم المعنى، وكأن الفنان قد أدرك  قيمة الجسد كواقعة وأنشودة ثقافية  قد يسلبها الاحتلال الحرية ويمارس القهر على وجودها كمادة،  لكنه لا ينجح في اختراق وطمس رمزيتها والتي هي خارج نفوذه  كما يقول جان بودليارد .Jean Baudrillard-  فبدت أجساد منصور  أيقونة  تأسست عليها البنى الدلالية التي رسمت المعنى وبثّته، فمن ملامح التعب والغضب واالبكاء والألم والانتظار والجمال  توالدت معاني  القهر والظلم والاضطهاد والاغتراب وامتزجت  بدلالات الأمل والحلم واليقين والثبات والصمود والانتماء في تلك الأجساد الحالمة، والتي غلب عليها الجسد الأنثوي/ المرأة بكل ما تضمنه جسدها من محمولات فكرية وثقافية ودلالية تؤنسن الوطن، فحضرت الاستعارة والكناية والرمزية والدلالة والعلامة في خطاب الجسد الأنثوي كتعويض عن ثقل الواقع وجبريته  وكمعادلًا فكريًا وموضوعيًا لمعنى الأرض/ حلم الفنان المفقود.

    في ظل متغيرات الواقع السياسي ومتحولات الصراع على الأرض الفلسطينية والتي تمثل بالانتفاضة الشعبية عام 1987، أدرك الفنانون الفلسطينيون وفي طليعتهم الفنان منصور على أهمية البحث الجمالي والمنحى التجريبي في صياغة لوحة فنية تغادر أسس الخطاب الجماهيري والاستجابة المباشرة  للسؤال الوطني وترتكز على  مفاهيم ورؤى بصرية تستجيب لفعل التحديث والتجريب وللأسئلة الثقافية المطروحة في الممارسة التشكيلية في الوطن العربي مند عقود، حيث سؤال الذات والهوية التي ازدحمت بها الأدبيات والأطروحة النقدية  في التشكيل والإبداع عمومًا، فقدم الفنان تجربة أصيلة زاوجت ما بين السؤال الوطني الخاص وما بين السؤال الثقافي العام، فكان الطين بدلالاته ومعانيه الأنطلوجية- أو الخليقية كما وصفها الناقد العراقي الراحل  حسن شاكر ال سعيد -، هي مادة الفنان وبنى أعماله الشكلية بكل ما تحمل هذه الخامة من معاني ومحمولات وإزاحات فكرية مجردة ترحل العمل  إلى معاني وعلاقات سحرية وفتشية (fetish) اقتربت في وعيها من العلاقة التلازمية مابين الصورة (image)والمادة بالمعنى الأرسطي (ارسطو طاليس) فنقلت المادة بصيغتها المجردة كوظيفة فكرية تنحاز لمضمون وودلالات العمل أكثر من بنيته وكينونته كشكل وصياغة وتمنح الفنان مبررًا لذلك الاختيار المتاسس على وعي يدعم دلالات ورسالة المنجز، ويسعى إلى تفعيل التلقي،فلو كانت  ثيران بابل المجنحة  من زجاج لما عبرت عن فعل الحراسة، ولو كان طائر برانكوزي من الحجر لما استطاع التحليق بالفضاء ولو كانت جورنيكا بيكاسو بالألوان المائية لما عكست  بشاعة المجزرة.  من هنا كان الانتزاع الواعي والمبرر لمادة الطين  من سياقها  الموضوعي إلى عالم الوعي لدى منصور  وبالتالي إلى فضاء أعماله –  كشكل وتعبير ومادة ومضامين – هي التعبير المكثف لمعنى الأرض، حيث المادة – الطين هي فينمنولوجيا الأرض وسيمياء الوطن.

تكوين، طين على خشب 1993

تكوين، طين على خشب 1993

   كامتداد للبحث والقلق المتواصل  الذي رافق التراكم الواعي للفنان  في سياق رحلته في البحث عن فردوسه المفقود، حيث استمر الطين محور تجربة وبحث  منصور في العقد الأخير من القرن العشرين، وبدأت تلك  الخامة  بليونتها ومطاوعتها وانصياعها لإرادة الفنان تتخد شكلًا وخطابًا اخر للتعبير، استجاب وبعمق  للاشعوريته الفردية  في قصرية وجبرية انفكاكه مع الوطن – المكان  كعلاقة حاضنة،  فباتت تلك الخامة مسرحًا يعكس دراما الصراع وجدلية العلاقة الوجودية ما بين  الذات والموضوع – المكان، مرتكزة على خصوصية العلاقة  المتأسسة على القهر والازاحة والنفي والاغتراب والحرمان، فتصاعدت تلك الجدلية لتتوالد في بنى أعماله مجسدة   معاني الحضور والتجذر والالتصاق والانبعاث والديمومة والبقاء. فباتت أجساد منصور البشرية تتخلق وتعود ثانية  في سطوح وبنى أعماله الطينية في تلك المرحلة ولكن بسكونية عالية تفصح عن مشهدية خلق  طقوسية ولمسة قدسية تشي بانبعاث متجدد لصاحب الأرض، حيث الإنسان – الوطن  في علاقة انصهار وتوالد تستحضر في ذهن المتلقي  حميمية العلاقة وجذورها مابين الذات والرحم الأولى- الأرض.

عمل تركيبي على الجدار والأرض، أنا اسماعيل، طين على خشب، 1997

عمل تركيبي على الجدار والأرض، أنا اسماعيل، طين على خشب، 1997

  عاد منصور في السنوات الأخيرة إلى خامة الزيت على الكانفاس ليرسم الإنسان والوطن من جديد لكن بواقعية متجددة تقترب من الرسم المفهومي، حيث الأجساد التائهة والملتصقة بالجدران الكونكريتية والمحتجزة بين أسوار العزل والفصل العنصري، شجرة الزيتون والسلالم الفارغة. كما قدم أعمال رقمية عالجها الفنان بالاستناد على مفردات من لوحات عالمية كلوحة “خلق آدم” للفنان الإيطالي مايكل أنجلو  من عصر النهضة، حيث وظف منصور الأيادي الممدودة لبث الروح على مقطع من جدار الفصل العنصري مركبة رقميَّا، فكانت تجاربه الأخيرة مليئة بالاستعارات الذكية والمعالجات الواعية التي عكست مرونة وطلاقة الفنان واستجابته لما يحدث للفنون البصرية من تطور وتحول وقدرته في الاستفادة مما يستحدث من أدوات وطرق تعبير معاصرة، فلم يكتف منصور بالدور الريادي الذي لعبه بجدارة في خارطة الفن التشكيلي داخل وطنه، بل جسد بحضوره الدائم ومواكبته ومحاولة التجديد الدائم لأدواته مثال الفنان الباحث المسكون  بهم الإبداع  بقدر ما يسكنه وطنه النازف، حتى شكل بأعماله ذاكرة وطنية وبصرية وثقافية تؤرشف لأهم محاورالصراع السياسي والتطور الفكري والثقافي داخل فلسطين، حتى باتت أعماله وما مرت به تجربته من تطور وتحول تشكّل مشهدًا يعكس خارطة التطور العام للفن التشكيلي داخل الأرض المحتلة، الأمر الذي يجعل من تجربته مرتكزًا هامًا من مرتكزات الفن التشكيلي المعاصر داخل فلسطين.

الجدار، عمل رقمي 2005

الجدار، عمل رقمي 2005

*ناقد وفنان من فلسطين

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>