هكذا يتصرف أولياء العهود / راجي بطحيش

20 أبريل 2012

l راجي بطحيش l

1

يد تسلم سطحها الأرّق الناعم الأبيض لطرف فرشة،تنتظر شفرة حادة ومعقمة (تذكر حدة لمعانها بدقة يابانية متناهية)

كي تقطع أوردتها …أو شيء من هذا القبيل….

تسيل الدماء النبيلة على السجادة الفارسية التي توارثتها  أطراف السلالة المنحوسة..

واحدة من الأخرى …

وواحدة تلو الأخرى تتساقط جزيئات الغبار من صورة جد سئمها الزجاج، على سطح مقفل لبيانو قديم ينتظر من يضبط أوتاره المتآكلة، يسترسل الغائبون بالعزف كل على آلته ، يكاد يصدم الغائب الهرم زجاج لوحة “الجوبلين” المطرزة بعصا كمنجته

لا تزقزق العصافير في مثل هذه الحالات

بل تنتظر على أسلاك الكهرباء السوداء موعد اختتام المقدمات الموسيقية الحتمية قبل العتمة

**

توقف اليد الأولى النزيف عن اليد الثانية ، كي تتفرغ الأخيرة للف سجائر الحشيش الأفغاني على المائدة الخشبية التي لا يعرف أحدا كيف تم تهريبها من سوريا ..

هكذا يتصرف النبلاء …يتعاملون مع تحفهم النفيسة على أنها معدات يومية…

ومع صور أجدادهم على أنها رزنامات لسنين لا تنتهي أبدا وتستبدل صور القديسين

2

يد تسلم سطحها الأرّق الناعم الأبيض لطرف قماشة، تنتظر شفة غليظة وطرية (توحي شدة اكتنازها بأولية صحراوية متناهية)، كي تنهش غضاضتها التي لا ترحم

يسيل لعاب اللذة المخلوطة التي لا تعرف تقسيمات طبقية على الوسادة المنسوجة بخيوط قصبية نادرة والتي توارثتها  أطراف السلالة المنحوسة..

واحدة من الأخرى …

وواحدة تلو الأخرى تتساقط قطرات زيت الخلاص من تمثال جرحته أغبرة القيظ

على صينية موردة نسي عليها قدح من ماء الزهر وبقايا قرنفلة ميتة

ترتشف كل شفة طعم الشفة الموازية لها، تسرق ذاك الطعم السري

تساوم كل شفة اختها على ما لديها وعلى ما لا تملكه ، من معرفة وذاكرة وشظايا شوق…

لا تنبح الكلاب في مثل هذه الحالات

بل تنتظر في غرفة الغسيل موعد اختتام معزوفة الاستعارة البشرية البدائية  قبل العتمة

**

تترك الشفة الأولى الشفة الثانية لبرهة، تشحن نفسها في أثنائها بنغمات جملة فلسفية عصية

هكذا يتصرف أولياء العهود …يطفئون نار رغبتهم بجمل فكرية كبيرة

ويغتالون الوحش الذي في جسدهم بتشكيلات موضعية مركبة أحيانا وبسيطة ومتناسقة في أحيان أخرى …

3

يد تسلم سطحها الأرّق الناعم الأبيض لقبضة خشنة، ويد ثانية تسلم عذوبة عصرونتها الرتيبة  لفكرة فاحشة …

يتمدد الجسد الخارج من لوحة للإنطباعيين الجدد على أريكة مهترئة ولكنها قيّمة..

يستسلم الجسد للفكرة الإيروتيكية الطاهرة ، قناع من الخضوع واحتفاء بفوضى الدنس بذات الوقت…

يقف الرجال الثلاثة الأشداء  على شكل نصف دائرة، بانتظار الانقضاض على تشظيات مرآتهم

يلمس كل واحد أيره  ليأكد على جوهر الدور “الطبيعي” الذي سيلعبه …

واحد تلو الأخر…

وواحدة تلو الأخرى تزف العمات والخالات والجدات والمعلمات والمربيات والخادمات

جميلها النائم ووحوشه…

تنثر العمة البخور الآتي من إيران، وتمشح الأم جبين ولدها بالزيت المقدس وتروي له قصة الأميرات الحائرات كي لا يتألم عند الولوج الأول، تضع الجدة الوسادة المشغولة بالصنارة تحت أسفل ظهر حفيدها كي يصبح الولوج أسهل ،تمسك المربية يد عزيزها وتهمس في أذنه كلمات تستحيله دموعا ساخنة بطعم لذيذ…

تجلب الخادمة ماءا مخلوطا بالورد وتوزعها بدقة هندسية غريبة على جسد سيدها المتجلي دنسا

تمشح الأم قليلا من الزيت وتصلي لسرمدية هذا الجمال…

**

هكذا يتصرف أولياء العهود …يفرغ الرجال واحد  تلو الآخر مما يتقنونه

تسيل السوائل المنوية المغايرة على السجادة الفارسية التي توارثتها  أطراف السلالة المنحوسة..

واحد بعد الآخر ينهض الرجال عن الأريكة

ويستحضر صاحب البيت أهم جمل فوكو من كتاب الأمس.

1 تعليق على “هكذا يتصرف أولياء العهود / راجي بطحيش”

  1. حر قال / قالت:

    ما الذي حدث لهذه الزاوية! خسارة! اين الكتابات الابداعية في “مثليون ونص” لقد تغير كل شيء الى الاسوء، جاءت “كويريات” واجهزت على الابداع المثلي. “كويريات” الان هي زاوية اخبار مثلية فقط

أضف تعليق