في لحظات الحرب… / رأفت آمنة جمال

3 يوليو 2014

971373_10151601496951166_716031302_n

|رأفت آمنة جمال|

raafat-q

رأفت آمنة جمال

(1)

أكتُبُ إليكَ عن لحظاتٍ لم نعِشْها كلّها!

تُغريني العبارة “في لحظات الحرب…” وتستوقفني أيضًا، تُرى ما الّذي يمكنني إضافته بعدها، لشُعوري بأنّني أتطفّل على مساحة ليست لي، فأيّ حربٍ تلك الّتي عشتُها لأجدني أكتُبُ عن لحظاتها؟ حتى وإن عشنا ما هو أشبه بالحرب، فنحن لم نعِش الحربَ بكلّ ما تعنيه الكلمة!

ثمّة مَن هم أحقّ مني بالكتابة عن لحظات الحرب، بتمجيد تلك اللحظاتِ أو لعنِها أو التّباكي عليها…

عليّ إذن تعديلُ العبارة، كأن أكتب:

يقولون إنّ في لحظاتِ الحربِ يُولَدُ الحُبّ أجمل.

ويقولون إنّ الحُبّ ينضجُ في لحظاتِ الحربِ.

أضحكُ وأنا أفكّر في أنّ موسم الحُبّ هو الحرب، وأنّ أيّ تجربة حُبّ تكون خارج مواسم الحروب فهي لم تختمر بعد، تجارب هَشّة طريّة، “حُبّ اولاد صغار” كما يطيب لأمّهاتنا ومعلّماتنا أنْ يهمسن لنا حين نتفاخر بعلاقاتنا العاطفيّة في المدرسة.

أتذكّر حديثًا دار بيني وبين صديقتي حين كانت تقود سيارتَها وأنا إلى جانبها نردّد مع “سومة” ذلك المقطع الجميل:” أول عينيّا ما جَت في عينيك / عِرْفِتْ طريق الشّوق بينّا”، و نندُبّ حظّ جيلنا الفلسطينيّ الّذي لم يعِش النّكبة والتهجير، على الرّغم من امتلائنا بتفاصيل ذلك، فنروي قصصًا أحيانًا عن النكبة كما لو  أنّها قصصنا الشّخصيّة.

ألهذا إذن يلتقط العشّاقُ الفلسطينيّون صورهم في بيوت مهدّمة؟

ولهذا أيضًا يحرصُ الفلسطينيّون على ملاقاة حبيباتهم في التظاهرات والمسيرات الوطنيّة؟

أتساءلُ بسذاجةٍ وأنا أفكّر بأنه وِفقَ هذه الفكرة، ستبدو إسرائيلُ أكثر البلاد إصدارًا للحُبّ لكثرة مواسم الحروب فيها!

(2)

لم أكن أريد لذلك المشهد أنْ ينتهي، بكلّ ما فيه من صُراخٍ وقنابل ورصاص ودُخان وخيبات وتُهَمٍ متبادَلة. كان حضنك هو ما أشتهي، حضنك وبصَلة يكفيان لإصلاح ما أفسَدَتْهُ قنابلُ الغاز والرّكض في اتّجاهات نجهلُ مخارِجَها.

أركُضُ، كما الآخرين، هاربًا من شيءٍ لا أدري ما هو، ولكنّني كنتُ أركُض، وأفتّش عنك في الخطوات السّريعة، في وجوه فوضويّة متعرّقة وفي أجساد تفوح منها رائحة البصل والخَلّ، لم أحفظ رائحتك بعد -أقولُ لي- ولم تكن لتُسعفنا الرّوائح الّتي حفظناها أصلًا. أتناولُ هاتفي لأطلبك: “وينك؟” تشطُر إجابتَك أصواتُ قنابل متتابعة، فيطلُب كلانا من بعضنا أن نهربَ، قبلَ أن نحاولَ من جديدٍ رَسْمَ ملامح منطقةِ وجود كُلّ واحدٍ فينا!

حينها لم يكن يهمّني أيّ السّياسيّين قد حضر وأيّهم تخلَّف، وهل مَن يُلقي الحجارةَ مستعربٌ دخيل يهدف لضَرْب هدفنا الأساسيّ أم أنّه مراهق متحمّس يُعيدُ للحَجَرِ دورَه. كنت غير مكترث لكلّ النّقاشات الّتي كانت تلي كلّ هجمةٍ من تكتيكات و”طوشات” اعتدناها، كان يهمّني أن نكون بخير، جميعنا، وأنت بشكل خاصّ.

 أتفقّد الوجوهَ الّتي أعرف، وأفتّشُ عن وجهك.

نهتف لـ “فلسطين” هتافات تنتهي بقُنبلة أو برصاصة، و.. باسمك الّذي كنت أهتفُهُ بعد أن تُفرِّقَنا الطَلقات! وحدي كنت أواصلُ هتافًا مختلفًا. وربّما لم أكن وحدي، كثيرون يصرخون أسماء بعضهم بعضًا.

“نموت وتحيا… فلسطين”.

(3)

“يا زلمي وينك!!”

“بعرفش، يمكن محل ما هربنا أول مرّة”.

طااااخ

تسقُطُ نظّارتي وأنا منشغل بالاتصال بك.  تتوقّف فتاة عن الرّكض، لا أعرفها، تُناولني النّظارة، تضعُ يدَها على كتفي وتسألني: “تمام خيّا؟”.

ينتابني شعورٌ بالإمساك بها من كتفيها لأشكو لها أنّ كل المشاكل قد تبدو سخيفةً أمام أنْ أفقد نظّارتي في ظروف كهذه إلّا أمرًا واحدًا، أفكّر في الاحتمال بجديّة بدون أن أبتسم كما العادة حين تجتاحني الاحتمالات، أجدُني أكثر عصبيّة وأنا أردّد: كل المشاكل قد تبدو سخيفة أمام أن أفقد نظّارتي الآن، ما عدا مشكلة واحدة: أن أفقدك!

أذكر عبارتك حين افترقنا أول مرّة خلال التظاهرة: “وين بتروح؟ ظلّك هون تختفيـــــش”! أتأمّل العبارة كأنّها وجهك، أبتسم، لأنك اختطفتها من فمي.. كنت سأقولها أنا.. لك.

أتساءلُ.. ما سبب كلّ ذلك، هل هو الـ…؟ لا أعتقد، ربّما هو ذلك القُربُ الّذي ينشأ بيننا في أكثر اللحظات حميميّةً، كالحرب، مثلًا، وهل ثمّة أجمل من علاقاتنا في الحرب على وقع القذائف، وأغان وطنيّة تبثّ فينا روح الحماس والمقاومة فنفهمها بشكل مغاير كأنّها أغاني حُبّ عاطفيّة تصوّر العاشقَ أرضًا لا العكس؟!

(4)

كان هذا موعدنا الأول، التقيْنا مرّتين قبل ذلك صُدفة، في تظاهرتَيْن أيضًا.

أضحكُ وأنا أفكّر في ذلك، ربّما نكون الشّعب الوحيد الّذي يلتقي مواطنوه في تظاهراتٍ ومسيرات وطنيّة. مسكينة هذه الـ “فلسطين”، ترتّبُ للعشّاق مواعيدهم، وللباحثين عن الحُبّ وللأصدقاء البعيدين، وللفُرَقاء وللشُّهداء أينما كانوا!

في المرّة الأولى تقابلت عيونُنا.

 تصافحت يدانا في المرّة الثّانية، قبل أن نصبح صديقَيْن فنتواعد في المرّة الثّالثة: “نروح سوا عالمظاهرة؟”.

لم أكن أدركُ وأنا أتواعد معك على تظاهرةِ غَضبٍ سنُشاركُ فيها معًا.. أنّني أرتّبُ موعدًا لقلبي!

كعادتي أبدأ بتخيّل سيناريوهات لعلاقتنا، كأن نصير عاشقَيْن. أتذكّر أنّني أكثر من مرّة ناديتُك: حبيبي. عبارة عاديّة ننادي بعضنا بها، إلّا أنّها بدت مختلفة بالنّسبة لي، ربّما لأنّني نطقتُها في أكثر اللحظاتِ الّتي تليق بالحُبّ! وأتخيّلك تمازحني كعادتك بتلك الزّناخة الجميلة فيك: شو هالحُبّ اللي ريحته بصل؟!

(5)

ما زال الجُنودُ يتقدّمون، ثمّة صراخ وقنابل ورصاص وتُهَم وشتائم، وحربٌ لم تنتهِ لتبدأ من جديد..

تختلف مواسم الحُبّ بين بيروت ودمشق وحيفا وغزّة. لا قنابل غاز في غزّة، بل صواريخ وقذائف، عشّاق يفتّشون عن بعضهم تحت الرّكام. شيء أوسع من حضن، أكبر من بَصَلة! مشاهد يتمنّى العشّاق أن تنتهي ليكون لهم متّسع من الحُبّ…

في لحظات الحربِ… يقولون إنّ الحُبّ يموت أيضًا!

4 تعليقات على “في لحظات الحرب… / رأفت آمنة جمال”

  1. Palestinian قال / قالت:

    فلسطينية أعيش الحرب من داخل منزلي ومخاوفي،حاولت التغلب عليها مره واحدة في مظاهره واحدة واكتفيت بان أدعو ان يكون اخي الذي يركض أمامي سالما ،، اما الحب كما الحرب عشته في المخيلة لا اكثر ،،

  2. بتول قال / قالت:

    ولد الحب فلسطينيا..

  3. هديل إغباريّة قال / قالت:

    “تختلف مواسم الحُبّ بين بيروت ودمشق وحيفا وغزّة. لا قنابل غاز في غزّة، بل صواريخ وقذائف، عشّاق يفتّشون عن بعضهم تحت الرّكام.”نص مدهش بحالة حرب ، رائع صديقي ،، إلى الأمام 

  4. أفكار &سالم قال / قالت:

    وكالعادة متألقا دائما وابدا بكلماتك وسأبقى من متابعيك المحظوظين الذين درسوا على يدك، فبفضلك تغير منظوري للحياة وزاد حبي للكتابات الادبية. وان لم يحالفني الزمان للقياك في المستقبل البعيد سابقى ممن يتابعوك باخلاص ومحبة . امنياتي لك بالنجاح الدائم والمتألق الذي ينير طريق حياتك بالسلام الابدي. 

أضف تعليق