فيروز وبعض الأحلام/ ريم سلامة

أود لو أمر ببقالة أبو خالد لشراء زجاجة ماء فقط لأسمع صوته عندما يقول “صباح الخير يا بنيتي”… وأكمل طريقي إلى العمل. وعند دخولي البوابة الرئيسية أود لو ألقي التحية على أبو العبد بواب العمارة وأن يكون اسم مديرتي في العمل بسمة وزملائي في العمل حنان ووائل ونسيم وربى ومحمد ونغم

فيروز وبعض الأحلام/ ريم سلامة

"هوماج لفيروز"، كورين مارتن

.

|ريم سلامة|

ريم سلامة

أود لو أستيقظ كل صباح على صوت فيروز يأتيني من نافذة بيت جاري، ذاك الشاب الوسيم الذي تحلم به كل فتيات  حارتي الجميلة. أن أعد قهوتي الصباحية وأحتار لأيّ من الإذاعات سأستمع فجميعها تذيع الشيء ذاته: فيروز. أجمل ما في البيوت العربية كل صباح هي فيروز…

أنهي قهوتي وأغير ملابسي وأخرج إلى عملي ولكن ليس قبل أن أرى جارتنا وألقي عليها السلام، تلك العجوز الجميلة أم يوسف، تجلس كل صباح على عتبة بيتها لتوزع تحياتها الصباحية الدافئة لجميع أهالي الحارة المنطلقين إلى يومهم وعملهم. أنطلق سيرًا على الأقدام لأتمتع بوجوه بلدي وشوارعها وعندما أخرج من حارتنا أنظر إلى اسمها وأبتسم لجمال هذا الاسم، اسم حارتنا مميز، القندول، سميت على اسم زهرة فلسطينية تتميز بصمودها فهي لا تموت حتى لو حاولت قتلها، تلتقط أنفاسها وترفع رأسها شامخة من جديد… تمامًا مثلنا، الفلسطينيين. أحيانًا أشعر بأن هذه المسكينة الصغيرة تحمل هم شعب بأكمله.

أود لو أمر ببقالة أبو خالد لشراء زجاجة ماء فقط لأسمع صوته عندما يقول “صباح الخير يا بنيتي”… وأكمل طريقي إلى العمل. وعند دخولي البوابة الرئيسية أود لو ألقي التحية على أبو العبد بواب العمارة وأن يكون اسم مديرتي في العمل بسمة وزملائي في العمل حنان ووائل ونسيم وربى ومحمد ونغم ورجا، ونجلس كل صباح لنشرب فنجان قهوة آخر ونتحاور في ما يدور في العالم من أخبار ونلتقي ثانية عند ساعة الغداء نتناقش حول مستجدات الأخبار السياسية ونختلف ولكننا نشترك في همنا وخوفنا على وطننا وحبنا له. أحلم بأن يكون مكان عملي في شارع اسمه غسان كنفاني أو ناجي العلي أو حتى جورج حبش.

عند عودتي من العمل ألتقي أنا وصديقتي في شارع محمود درويش في البلدة القديمة لشرب فنجان قهوة آخر أو لتناول بعض من الحمص والفلافل، وبينما نجلس أنا وهي لا نستطيع إتمام جملة واحدة من كثرة المصادفات لأشخاص نعرفهم.

أود أن أحب جاري، ذاك الشاب الذي يُسمعني فيروز لأستيقظ من النوم والذي تحبه كل فتيات الحارة. أحلم بأن يكون حبيبي، وأن أراه جالسًا على شرفته يقرأ أحد كتبه وينتظر عودتي من العمل ليخبرني بأننا سنتناول العشاء معًا الليلة في شارع جمال عبد الناصر في مطعم السنديان أو ليالينا أو فتوش كما في حيفا، أو حتى المغارة كما في بيت لحم ورام الله… عند العشاء أذهب بصحبته إلى المطعم ونجلس أنا وهو وكأسين من النبيذ على ضوء شمعة واحدة تنير جلستنا وتضفي عليها جمالا ودفئًا. نلتقي هناك في مجموعة فتيات وشبان قادمين من سوريا ويسألوننا عن الطريق الأسهل التي تؤدي إلى حيفا فهم قد وصلوا البارحة من سوريا وسيغادرون الرملة غدًا صباحًا باتجاه حيفا. ومن الناحية الأخرى للمطعم نسمع غناء بصوت عالٍ لمجموعة أخرى مكونة من فتيات وشبان مصريين يغنون أغنية الثورة المصرية الأولى من بعد انتصار إرادتهم وعطشهم للحرية  “في كل شارع في بلادي، صوت الحرية بنادي” ويضحكون… وتندمج كل المشاعر والروائع مع صوت أم كلثوم في الخلفية وصوت الضحكات والكؤوس.
ننهي سهرتنا ونتدرج عائدين إلى البيت مشيًا على الأقدام تحت النجوم الساهرة كل ليلة معنا ودوننا…

حلمي أن تكون مدينتي عربية فلسطينية جميلة وسعيدة…

للأسف.. هذا حلم! هذا حلم لأنني أعيش في مدينة الرملة المحتلة وأسامي شوارعها هي: هيرتسل، بياليك، هاجدود عاعيبري، كيهيلات ديترود والمقاهي المعدودة في الرملة لا تملك أسماء عربية ولا تملك رائحة عربية. البناية التي أعمل فيها موجودة في شارع لا يملك اسمًا عربيًا وبواب البناية ليس عربيًا ولا أملك زملاء اسمهم حنان وأحمد وسهير ووائل الخ… حتى البائع في البقالة اسمه شلومو ولا يقول لي “صباح الخير يا بنيتي”. جارتنا العجوز أم يوسف أيضّا خيالية ولا وجود لها في حارتنا وليس لدينا جيران عرب وإن كانوا عربًا فهم يتصرفون بغير أطباعنا ولا نجد أحدًا يلقي التحية على الآخر إلا صدفة. لا يوجد في حارتنا شاب جميل ولا فتيات تحب هذا الشاب ولا نسمع فيروز من أي مكان ولا حتى من الراديو، إلا إذا حالفنا الحظ ونجحنا بضبط الراديو لنسمع إذاعات رام الله.

يا ترى، ماذا سنورث لأحفادنا؟ حلمنا أم تحررنا؟

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

1 تعقيب

  1. جد رائعه

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>