1+9/ منذر جوابرة

16 يوليو 2012

 

| منذر جوابرة* |

منذر جوابرة

يعكس الفنّ التفاعلي صورة غير نمطية عن سواها من أنواع الفنون الأخرى في الفن المعاصر؛ يقترب من النشاط والتنشيط الاجتماعي، ويحاول فهم الثقافة كجزء أساس لتقديم العمل الفني وتبنيه اجتماعيًا لإحداث التغير والتثقيف المجتمعي. وهو تبني وجهة نظر اجتماعية أكثر من كونها فردية أو فنتازية فحسب، فتبقى على علاقة مباشرة بالسلوك الإنساني السائد، وهو في مجمله، وبأي شكل كان، يقدم نفسه كنوع مع النظرية النقدية وربما الساخرة أحيانًا كرد فعل على السلوك الاجتماعي، وهو بذلك يقدم نفسه كعمل فيه نوع من التناقض التطبيقي أو الفكري، كونه يقترب من الناس، وفي نفس الوقت يكون ضديًا وناقدا للمجتمع. وهنا تكمن العلاقة الخطرة في هذا الفن وفي الطريقة التي يمكنه خلق التفاعل مع الجمهور دون إثارة أي نوع من الشكوك أو ردود الفعل غير المتوقعة عنده، بل يحاول أن يقدم رؤية، يكون فيها مجتمع الشارع واحدًا من ركائز عرضها وفهمها والتفاعل معها‫. إذ يحاول الفنان من خلال عمله الفني التغلغل في الفعل الاجتماعي والتأثير فيه.

الهيب هوب‫

يتشابه الفن التفاعلي من حيث التوجه مع بعض الفنون الأخرى مثل الهيب هوب والجرافيتي والراب، إلا أن كل مدرسة لها خصائصها في الشكل. ما يهم جميع الأساليب هذه هو الوصول للناس في الشوارع والساحات العامة، وعدم تحييدهم بل إشراكهم في الفعل الاجتماعي كحركة إجتماعية مؤثرة ومنتمية دون أن توضع تحت إطار حزبي، لأن الفن في مرحلة من المراحل أصبح يشكل الحزب الاجتماعي المنفتح على الآخر، والقابل للتوجيه وتعريف الناس أينما تواجدوا بما يريد الفنان أن يقوله. هذا التقارب لم يكن سهلا إذا علمنا أن الانقطاع ما بين الجمهور والفن ليس جديدًا، إنما وجد منذ نشأة الفنون. ولأن الفن قدّم نفسه من ذي قبل على أنه نخبوي وخاص وقُدّم أيضًا لجمهور محدد، بقي هناك نوع من الخوف المستمر وتواترت الرواية التي تقول إن الفن نخبوي أو إن الفن للفن وغيرها من النظريات. وبالرغم من المحاولات العديدة لكسر هذا المفهوم، إلا أن الناس بقيت بعيدة عن ذلك. وفي ظل تطور المدرسة الفنية المعاصرة وما بعد الحداثية تبيّن أخيرًا للبعض أن الادعاء القائل بأن الفن نخبوي هو كذبة كبيرة، والدليل أن الإنسان يمكنه أن يشارك بأي فعل فني مع الفنان‫. وهذه المرحلة تعتبر تمهيدًا لخلق علاقة حقيقية بين الفن والجمهور مستقبلا‫.

الفن التفاعلي عند شادي الحريم

‎الفنان شادي الحريم هو واحد من الفنانين الفلسطينيين الذين تبنوا العمل التفاعلي كقيمة وعنصر متحرك في مفهوم العمل الفني نفسه، إذ لا يعتبر العمل فقط وقت إنجازه، بل هناك استمرارية في العمل أثناء العرض وما بعد العرض، وهذا العمل المفتوح هو تحدٍ صارخ لكلاسيكات العمل الفني الذي يعتمد على الدقة واللمسات الأخيرة. ربما يعتقد البعض أن الأعمال الفنية كافة تمر بهذا التوجه، وهو الاستمرار والتفاعل، ولكن هنا يقدم العمل مفتوحًا، وعند عرضه يبقى ناقصًا بدون تفاعل الجمهور معه، بل يحتاج للإضافة والتركيب، ليس من قِبل الفنان وإنما من قبل الجمهور. الفنان هو مجرد ميسِّر أو مخطط لمرحلة محددة، تعتمد فكرته في بنائها أساسًا على اللحظات التي يتعامل فيها الجمهور مع العمل اثناء العرض وبعده. وفي أعمال الحريم هنالك جدل مستمر بين مفاهيم العمل الخاضعة لذاتها، وبين قيمها ومفاهيمها الخاضعة للجمهور، وهذا بحد ذاته يضع العمل، أيضا، بين مركبات خطيرة في نوع العرض الفني أو نوع العمل الفني، فهل يقدَّم على أنه نشاط جماهيري، أم أنه فعل فني يندرج تحت مفهوم الفن التفاعلي؟

الفنان هو مجرد ميسِّر أو مخطط لمرحلة محددة، تعتمد فكرته في بنائها أساسًا على اللحظات التي يتعامل فيها الجمهور مع العمل اثناء العرض وبعده.

من خلال المتابعة للعمل الفني مع شادي الحريم، وخطواته المتعددة والمتنوعة والتي تشبه الفكرة نفسها؛ بالتنقل والتحول والإضافة والاستنتاج أثناء تطبيق العمل وليس قبله، نجده يبدأ نفسه بالأنا، ويخوض شخصية الـ ‫”هم” أو ‫”نحن”، بخلاف العديد من الفنانين الذين يبدأون بالأنا ثم “هم” ثم “أنا”، هذا يعني إلغاء الذات في مرحلة من مراحل بناء العمل التي تتجاوز العشرين. يبدأ بالأنا، وينعكس جماهيريًا، ويفرض أدواته على الجمهور بالتشارك والتفاعل، ليعود مرة أخرى للفنان، ويوظب هذه الانشطارات في عمل فني يقترب للنضج والخصوصية، وينافس حضوره على التواجد بين أعمال مهمة، مع إضافة الملح الفني، وهو الاستمتاع، ومغازلة الجماليات الفنية بروحه المعاصرة. ولعل أهم ما تحمله أعمال الفنان؛ روح السخرية الناقدة، بل والخارقة في إعادة بناء الفعل الواقعي على الموضوع الفني بصريًا، ولكنه يحمل مفاهيم أكثر عمقا وألمًا في صميمه، ويفكك رموز العمل المحملة بالتعب والجدية والتكرار إلى شكل ناقد وساخر ومفرط في الضحك. والسخرية هي أحيانًا إفراط في تحريف الملامح الطبيعية للفعل الإنساني الذي يبنى عليه العمل الفني لاحقا، ومبالغة في إضافة مظاهر لم يتصورها العقل كونها خلقت قانونًا بصريًا واحدًا ما ينفك المشاهد من رؤيته يوميًا.

أرقام الفنان

‎وهذا ما عكسه عمله الفني ١٠‫-١ لقطع الجدار، التي وضعها في أحد شوارع مدينة كولن الألمانية ليقوم الجمهور بالتفاعل مع العمل بطريقة مغايرة حتى لتصورات الفنان نفسه. كان الجمهور مبدعًا من وجهة نظر الفنان لأن العمل لم يكن “جدارًا” بقدر ما كان شكلا آخر، نوع من الألعاب، جميع الفاعلين تعاملوا مع قطعه كلعبة يصنعون منها ما يشاؤون. لم يقرؤوا أفكاره المشبعة بالجدران، وأثر الجدار الإسرائيلي العنصري اليومي عليه، كانت فكرته تبدأ من الجدار، وربما توقع أن يكون العمل جدارًا أيضًا، لكن المفاجاة كانت مغايرة تمامًا. كانت تضيف أبعادًا أخرى على عمله من ناحيتين؛ الناحية البصرية والناحية الفكرية وإسقاطاتها على العمل, فمن الناحية البصرية، كانت الأشكال تترتب ما بين عمل نحتي ثلاثي الأبعاد أو عمل تفاعلي حيث يقوم بعض الأشخاص بالرقص مع قطع الجدار أو حاجز لتقفز عنه الدراجات الهوائية، بما يعني أن العمل مبني على “الصدفة” في تلقي الفنان لتفاعل الجمهور معه، وفي المقابل، هو منظم ومعروف للفاعل/ الجمهور. وفي الحالتين هناك نوع من الاكتشاف للآخر وعدم معرفة كاملة بين الطرفين، عدم معرفة بما يحمله من أفكار داخلية وتصورات للعمل الفني نفسه. ثمة اختلاف واضح في المعرفة، لكنه في الوقت نفسه اتفاق مطلق على المشاركة وفهم المنتج. اللغة البصرية لا تتوقف على اللغة أو المكان، هي تجربة مشتركة مثلها مثل التجربة الإنسانية، نستطيع قراءتها بصريًا دون الإلمام بمكونات الثقافة المستضيفة والضيفة. كان هناك نوع من المتعة والذاتية للجمهور في تناولهم للعمل؛ انعكاس منطقي للعقلية المتلقية، وهذا بدوره يعكس الروح الفكرية للعمل، وقدرته على اختراق النفس البشرية وتقبل إسقاطاتها المفتوحة، كما أنه يضيف تراتيل مجزَأة على التفاصيل اللحظية بالعمل مما يولد انطباع السخرية على المنتج، وكذلك اللامبالاة بأساس الفكرة التي بنى الفنان عليها عمله، ليعاد ترتيب هذا الفتات وهذه الأجزاء وتوصيلها معا لتنتج عملا متصلا يؤكد وجهة النظر لكافة الأطراف المشاركة من الفنان لغاية الجمهور.

ثمة اختلاف واضح في المعرفة، لكنه في الوقت نفسه اتفاق مطلق على المشاركة وفهم المنتج. اللغة البصرية لا تتوقف على اللغة أو المكان، هي تجربة مشتركة مثلها مثل التجربة الإنسانية، نستطيع قراءتها بصريًا دون الإلمام بمكونات الثقافة المستضيفة والضيفة.

أبعاد رياضيات الحريم

مخرجات العمل تحمل مضامين متنوعة ومتعددة، كونها أشركت جمهورًا، وكذلك الاختلاف الثقافي واللغوي والفكري، إلا أن الذكاء الذي يتصف به الفنان عادة يعمل على ترطيب هذه العلاقة ووضعها ضمن شكل منطقي ومقبول، دون الإساءة لأي جهد أو أي إضافة تلقاها المنتج. بل على الفنان هنا أن يعيد توجيه العمل ضمن فكرته التي انطلق منها مضيفا فكر الجمهور المشارك والفاعل، إذ يؤكد ذلك على نظرية أن الإنسان هو فنان بفطرته، ويمكنه صناعة الفعل الفني ضمن معايير تندرج تحت المبررات والخطوات التي صنع من أجلها، وتقديمها في قالب إبداعي يساعد على فهمها، كون عدة عقول اشتركت فيه مثل الفنان والمجتمع، وهذا بدوره يقرب العلاقة بين شقي العمل الإبداعي؛ الفنان والجمهور.

‎يتّصف الفن في حالاته العديدة بأنه علم، وهذا يعني تقديم معلومة حقيقية للمتلقي، وبدء الفعل من حاجة مدركة بنيت على اكتشاف علمي صرف وبعيدًا عن إنسانيته المتصفة بالشعور والإحساس وغيرها، ليأتي دور الفنان ويؤنسن عمله المجرد من خلال إضافة المشاعر والأحاسيس والعاطفة، وكذلك ليبنى العمل على حقيقة من وجهة نظر إبداعية، نلاحظ ذلك من مسمى العمل الرياضي (١٠‫-١). ولن نغفل بأن أعمال الحريم بمعظمها قدمت كقوانين رياضية مجردة، لكنها تحمل في طياتها أبعادًا فلسفية ساخرة، ومن هنا نجد نوع معاكس للتصور المسبق عن المنتج. إنه عمل يحمل إرثا إنسانيا في وصف مغاير، وبعيدًا عن المباشرة في نقل هذه الصورة، بل ومن خلال المشاهدة يفعل التفكير المنطقي والرياضي بكيان إنساني صرف، وهذا أيضا يفعل العلاقة بين الشخص ونفسه، ما يحمله من وصف إنساني يشغل العقل معه أثناء المتابعة ويدفعك لتعمل حسابات رياضية عقلية تترجمها لأحاسيس وشحنات عاطفية تعيدك لمنطقة الصفر، وتكتشف أن العمل سياسي يعبر عن الهم اليومي للمواطن الفلسطيني بتنقله عبر الحواجز، المهم ليس تنقلك على الحاجز مثلا، وإنما عدد الخطوات التي تسير بها إلى الحاجز للعبور، عدد المرات التي قطعت بها المسافة خلال زمن، عدد الحواجز الموجودة، عدد المسافة ما بين الضفة وغزة أو القدس ورام الله، هناك عدد حاضر دومًا، هذا العدد يغيب مقابل فكرة العبور مثلا، والعدد يعكس إحساسًا بالقيمة، والزمن، والانفاق، ما يعني أن هناك وقتا ضائعا وجهدًا مهدورًا لم ينتبه إليه أحد، وهم المتحدث عنهم أصلا من وجهة نظر الفنان, وبالتالي، فإن الفنان يثير فضول وانتباه الناس لفعلهم اليومي الغائب عن استحضاره.

* فنان تشكيلي

0 تعليق على “1+9/ منذر جوابرة”

أضف تعليق