قراءة في تجربة تيسير شرف الجمالية/ نصر جوابرة

10 ديسمبر 2012

.

|نصر جوابرة|

 لم تقف دراسة “شرف” العلوم التجارية حائلا وحاجزا أمام طاقاته الفنية والإبداعية الكامنة, بين خلجات نفسه الثائرة على كلّ قيمة وحدود للأشياء, فلم تأسره “الأرقام” من عالمه الجامح, ولم تؤطره بواقعيتها المقيتة, حتى أكد حضوره وانفلاته من هذا العالم بتجربةٍ جمالية, غذت لديه جوانب ومتطلبات روحية لطالما ألحّت عليه واستمرت بالإلحاح, إنها اللوحة وعالمها الآسر اللامحدود, فقدم بذلك وثيقته الجمالية, المؤطرة زمنيا بثلاثين عاما من البحث الدؤوب في عالم الشكل واللون والكتلة والفضاء.

تتكثف تجربة الفنان شرف الفنية في بنيتين أساسيتين شكلتا مرتكزاً هاما بوصفهما معطى فكرياً- ابستمولوجيا, يؤسس للنظام الشكلي وجوده وعلائقيته المباشرة وغير المباشرة مع باقي العناصر المركبة لمنظومة المنجز الجمالي, وهما: بنية المكان كنسق وجودي فاعل في بنية النظام المحيطي, وبنية الحرف كمعطى ومرتكز فكري هام في جدلية الوجود الثقافي.

وبهدف تحليل هاتين البنيتين وعلاقتيهما, ننطلق برؤية نقدية تتجسد بعقد مصالحة ما بين إشكاليات القراءة الجمالية, بالمزاوجة ما بين طروحات الحداثة بأيديولوجياتها المتناقضة, وطروحات ما بعد الحداثة وجدليتها حول ثنائية المُنتَج- المنتِج.

بنية المكان

يتسلل عنصر المكان بكثافة في الخطاب البصريّ- الجماليّ لدى شرف, عبر مدينة القدس بمشهديتها الحضرية بوصفه -المكان- طرفا في معادلة الوجود بمنظومتها الشاملة من العلاقات التي تبث شيفراتها عبر بنيتها ودوالّها المادية, كوعائية حاضنة للسلوك البشري وفعاليته المتعددة من “وظيفية-جمالية-مفاهيمية”, لتتجسد في فضاء اللوحة بتعريفه نظاماً جمالياً من العلاقات التكوينية والدلالات الفكرية بين الوحدات والعناصر الفنية وأحيازها المتوهمة بصرياً.

ولتبريرية التكثيف المكاني فكرياً وأدائيا عبر تشيئاته في البناء التعبيري لمساحة النص البصري, نتجه وبإجبارية واضحة نحو الواقع الاحتلالي لمدينة القدس (مسقط رأس الفنان), وما عانته وتعانيه هذه المدينة المشغولة بالأحزان, من محاولات همجية مبرمجة تهدف إلى ضرب بنيتها المكانية, من خلال خلق إزاحة للإنسان وتهويد للأرض, وبالتالي خلخلة العلاقة الوجدانية التبادلية بين المكان كموضوع انطولوجي, وبين الإنسان-الفنان كذات واعية وحاضنة للنظام الرمزي والقيمي لهذا الموضوع.

تتمظهر البنية الشكلية في غالبيتها بالسّيطرة الواضحة للطرح الايقوني ومقارباته لعناصر المكان, بتمركزه كبنية حضرية لمشهدية المدينة وتفاصيلها, من خلال الرصف المعماري لبيوتها ومساجدها وكنائسها وأزقتها الوادعة, وهذا ما تفصح عنه أعماله المسماة: القدس وبيوت القدس وقبة الصخرة وتشكيل من بيوت القدس وطريق الآلام, الخ. إذ تكشف هذه النخبة من الأعمال وغيرها عن رفض الفنان الواضح لمطالبتنا بتقديم حلول لمأساة هذه المدينة, بل يعرضها أمامنا كما يرى ويتصور, مقترحاً معالجة ذاتها بذاتها, عبر تكوين مآذنها وقبابها البهية المؤشرة إلى طقوسية المكان وزهد صوفيته, وبهذا الطرح الداخلي والمرمز عبر ثنايا الصورة التشكيلية, يجعل من أنموذجنا (القدس), علامة تنفتح رمزيا في تأويلها, نائية عن وجودها المادي, كمدينة من مدن فلسطين, فهي مدينة تنتمي “للفنان” أولا, ولمعالمها الجمالية ثانيا.

في حين يتجه شرف بنسق بناءي مفارق للنظام الايقوني السابق, يتطلب في معالجته وتكوينيته تحليلاً وتركيباً مغايرا, يتسم بالكثير من التجريد والتحوير والتكثيف والترميز والاختزال والحذف والإضافة في مستوى الدلالة الشكلية والتعبيرية للنسيج التصويري, كأحد أعماله المسماة بـ “تكوين”, والذي أسس تقنيا بمادة الطين مستغلا مرجعيها ودالتها المكانية, من ثم اشغل فراغيا ببنية هجينة تجمع ما بين الشكل الوهمي المرسوم- والمتمثل بالقبة الإسلامية كمركزية انبثاق وسيادة لمنظومة من الزخرف المستعارة بصريا من تاريخ المنطقة العربية, وما بين الشكل الجاهز كأوراق النباتات وهياكل لفراشات, كنوع من الإثراء الجمالي لبنية المكان ليقدم بذلك العمل وغيره إعادة اكتشاف بلغة تشكيلية معاصرة لمعنى المكان بما يسمى بـ “المجاز الرمزي” وكدعوة فعلية معلنة للتخصيب الفكري الدلالي لدى الملتقى.

بنية الحرف

إذا كانت البنية السابقة قد أكّدت حضورها في مستوى التجذر البحثي لتوسيمات المكان, بوصفه مرجعاً سيجته معطيات البيئة بمظهريتها الحضرية, فإن بنية الحرف تؤكد حضورها بوصفها تجذراً أركيولوجياً في الشطر الآخر من تكاملية الوجود (الزمان), انطلاقاً من كونه -الحرف- بنية تتريثية لطالما أكدت تداولها في الخطاب الجمالي بإرثه الأشمل, فالحرف في فنون الشرق القديم والحرف في فنون الحضارة الإسلامية والحرف على صعيد الحداثة- العالمية- وأخيرا الحرف في المشروع التشكيلي المعاصر في الوطن العربي.

وفي خضم ذلك الأداء الوظيفي- الجمالي- لمظهرية الحرف عبر التاريخ يحاول شرف كفنان عربي معاصر الارتباط والانتماء الفاعل لبنية الحرف ضمن نظام استعاري قصدي يستنهض طاقات الحرف العربي الكامنة كنتيجة لفعل الإدراك والتحسس الفكري الواعي, لقيمه المتجسدة ببعدين: الروحي- الثقافي, والشكلي- الجمالي, ليلخص بذلك تاريخ حنينه لماض ما زال يمتلك خطاب الامتداد والتواصل عبر جدلية “التراث والمعاصرة” في الخطاب المعرفي.

تفرض بنية الحرف وجودها لدى شرف ضمن بنية خطية تقترب بجغرافيتها من سمات الخط الكوفي في أغلب الأحيان, لتتشاكل بصرياً مع بنية السطح وتقسيماته المتداخلة هندسياً بين الشكل المستطيل والشكل المربع, بهدف خلق نوع من الانتظام والانسجام التصميمي في التراكب العام لسطح اللوحة الذي يوحي بقيمة الخط وهويته الزخرفية.

إنّ هذا التشاكل بين بنية الخط الموحية بالمقروئية واللامقروئية في اللحظة نفسها وبين بنية السطح وتراكيبه الهندسية, تجعل من الحرف وتوليفاته على مستوى التأويل والدلالة يمتزج في بنيتين: بنية انغلاق كمركز ممول للنص الجمالي وبنية انفتاح فاعلة ومتحولة وقابلة للتأويل في نفس اللحظة, وهذا ما تؤكده إحالة شرف الفكرية لحالة الحرف ووجوده, من منطقه الاتصالي ورمزيته الاستدالية, نحو تركيب فلسفي إجرائي ورمزية تمثيلية.

من جهة ثانية نجد شرف وقد جمع بين البنيتين في لوحة واحدة, مكوناً تضايفاً وتركيباً علاماتياً بين بنية الحرف بليونتها ومطاوعتها التشكيلية وبين بنية المكان وشيفراتها المتعالقة من الأبواب والأقواس والعقود بمعماريتها الموروثة, كأحد أعماله المسمى بـ “لو” , الذي يكشف لنا في مستواه الشكلي عن رغبة في الامتزاج ولذةً في التوحد بين البنيتين, وكنوع من الإذكاء والتعزيز للهوية العربية والتعبير عن عمق جذرها الحضاري.

وبهذا تكون تجربة شرف عبر تناميها وتأزماتها وتحولاتها في مستوى الفكر والأداء والتقنية قد قدمت ذاتها كمرتكز هام في تاريخ الحركة التشكيلية المعاصرة في فلسطين, ولا سيما النسغ الفكري على مستوى الاستلهام والاستلال الواعي لمفردات الموروث الحضاري, وما أحدثه من أنظمة شكلية متحولة على صعيد تجربة الفنان الشخصية من جهة, وعلى صعيد اللوحة المعاصرة في فلسطين من جهة أخرى.

0 تعليق على “قراءة في تجربة تيسير شرف الجمالية/ نصر جوابرة”

أضف تعليق