الفيلم الذي سكنت فيه/ تمارا ناصر

14 ديسمبر 2011

.

|تمارا ناصر|

(قد يحتوي هذا المقال على تسريبات مشهديّة وسرديّة والتي قد تفسد من متعتكم عند مشاهدة الفيلم- يعني سبويلر)

كينونة المفارقات الفقاعية. أمنح نفسي اجازة قصيرة بعيدا عن التعليم ومشتقاته ومشقاته, وماذا افعل؟ اين اذهب؟ الى دار السينما. اهرب من السينما إلى السينما. اهرب من نفسي إلى نفسي, هناك بالأساس نذهب. اصطحبت صديقتي إلى فيلم ألمودفار الجديد, لم تتحمس للفكرة في بداية الامر, قلت لها: ولك المودفار؟ فيلم جديد؟ يللا؟ اقتنعت فذهبنا.

قرأت بعض الانطباعات الإلكترونية عن الفيلم قبل مشاهدته, تمركزت الانطباعات في ثيمة واحدة فقط, ووصمته بالمَرَضيّ. أثيرت شهيتي المنحرفة بعد تعبير الجمهور عن ذهولهم وصدمتهم من الفيلم, فوعدتها بمشاهدته. اشترينا البوبكورن, فهذا وعد أقطعه على شهية أخرى. جلسنا في قاعة صغيرة حميمة غريبة في لبّ تل أبيب. قالت لي صديقتي وهي تنهش وتأخذ حفنة بوبكورن: عَفكرة أنا بعرفش اشي عن شو بحكي الفيلم”. زججتُ قبضة بوبكون في فمي وأطلقت شيئا أشبه بـ: “أحسن أحسن”.

بيدرو ألمودفار, يعود من جديد مفجرا ثيماته وهوسه وألوانه الأبدية في فيلمه La piel que habito- “الجلد الذي اسكن فيه”. روبرت (انطونيو بانديراس) اخصائي عمليات تجميل يخفي في بيته على ما يبدو, امراة اسمها فيرا, تنكشف من خلال التلاعب في سردية الاحداث, الظروف التي جاءت بفيرا (الينا انايا) إلى هذا البيت الكبير.

ألمودفار يخلق عملا ما بين التجريد والتطبيق: لن تعرف ما يعني ان تكون امراة الا اذا اصبحت امرأة. ولن تدرك صدمة الاغتصاب الا اذا انتهكت أنتَ, ولن تفهم كيف يتوسع او ينقبض ويتأوه المهبل الا اذا نبت لك عضو كهذا.

ألمودفار يطرح فكرة السلطة المطلقة التي تمنح للأطباء والأخصائيين والسيكولوجيين. متى تنتهي صلاحيتهم؟ لماذا يجب ان نمنحهم هذه الأفضلية في “تقرير المصير”؟ كما علّق عدة نقاد على أنّ بانديراس في هذا الفيلم يمثل “فرانكنتشتاين” الموديرن.

الكثيرون يعتبرون ألمودفار مخرجًا “بوست موديرن” بسبب الضبابية التي ينفخها في الهويات الجنسية وغيرها من الهويّات, ولأنه لا يؤمن بحقيقة واحدة وإنما بالمصطلح “نراتيف”, الذي يطبقه في آليات السرد والتصوير, وإعادة تصوير مشاهد من عدة وجهات نظر. نرى تجسيدا قويا لهذه النظريات في الفيلم.

هناك جوانب أقلّ نجاحا في الفيلم: علاقة روبرت مع أمه وأخيه لم تكن واضحة في الفيلم ولم أفهم السبب وراء هذه الضبابية, فقد سبق لألمودفار وصف علاقات معقدة وغير واضحة بطريقة أنجع. ولا أعتقد أنّ الذهاب والإياب والتلاعب في المحور الزمني والسرد القصصي للفيلم كان ناجحا ايضا, رغم أنّ هذا أسلوب ألمودفار المعروف, تخيلت لو تحدّى نفسه هذه المرة وفاجأ جمهوره في السرد اللينياري  (Linear)؛ في حالة هذه الفيلم قد تكون الصدمة أكبر وأجمل.

لم تجد صديقتي لونا سببا للعيش بعد انتهاء البوبكورن. حتى صرخات لقطات السكس لم تنجح في خضّها وإحيائها. أيقظتها عدة مرّات, سألتها: بتفكري إنو ضعف يروح وييجي بالوقت؟.. هزت رأسها هزة موافقة ودخلت غيبوبة نوم أخرى. قلت في سرّي: لا بد أنها الصدمة.

( مدونة Tamnas)

4 تعليقات على “الفيلم الذي سكنت فيه/ تمارا ناصر”

  1. ناقد سينمائي قال / قالت:

    تحليل ضئيل ومتكلف لعمل كبير…
    فلو استمرت هذه الكتابة باتباع المنحى الشخصى وكيفية متابعة الكاتبة للفيلم وتفاعلها معه لكان الأمر مفهوما ومقبولا ..أما أن تستخدم بشكل خاطيء مصطلحات ك “بوست مودرن” و “نراتيف” و “لنيئار” فهذا ما لا يمكن تمريره.
    فالبوست مودرن هو كل ما يتم ابداعه منذ انتهاء مرحلة المودرن بشكل عام في الفن والثقافة
    أما النراتيف فهو قالب سردي عام وليس أسلوب سردي محدد لمبدع ما

  2. سعيد قال / قالت:

    أعتقد أن تعدد الروايات (أو النراتيفات) في الفلم نفسه هو ما يجعله يميل الى أسلوب البوست مودرن. فلا يوجد شخصية بطل واحدة وشرير واحد، وانما لكل شخصية رواية تُعرض على المشاهد، ويصعب عليه تصنيف الشخصيات بين الخير والشر. إذا كانت ميزة الحداثة هي الحقيقة الموضوعية المطلقة فأصبحت ميزة ما بعد الحداثة تدهور الحقائق المطلقة واختلاط قطبي الخير والشر.

  3. صديق قال / قالت:

    الى ناقد سينمائي: ادعوك الى مراجعة هذه المصطلحات. فقاموسك بحاجة الى نعنشة

  4. سهيل قال / قالت:

    عوافي تمارا،

    بعض الملاحظات.

    أولاً، هذا التعليق قد يتضمن، كما النص، بعض التسريبات.

    ثانياً، أنا لم أحب فيلم ألمدوفار الأخير، بل عشقته وعشقت ألمدوفار معه (بعكس الكثير من الانطباعات التي قرأتها وسمعتها)، مع العلم أنّ القصّة نفسها ليست من نسيج خيال ألمدوفار، بل صياغة سينمائية لرواية “ميغال” (أو “تارانتولا”) للكاتب الفرنسي ثييري جونكيه، وإن كانت لا تخلو هذه الصياغة من لمسات ألمدوفارية واضحة. فيما يلي بعض الأسباب لشغفي بهذا الفيلم:
    - إيلينا أنايا (ممثلة شخصية فيرا)
    - استعمال ألمدوفار الذكي للألوان والتباين بينها
    - استخدامه الممتاز للحيز (الفيلا) بصورة مرعبة حقًا
    - الموسيقى التصويرية من تلحين ألبرتو إغليسياس رهيبة، تنسجم بكل سلاسة مع الفيلم والقصّة، ولا تفرض على المشاهد مشاعر معيّنة (أوووووو!) كما هو الحال في الكثير من الأفلام الهوليودية
    - استخدامه للماكياج بصورة فتّاكة لإظهار جمال الممثلة إيلينا أنايا، وخاصة في اللقطات التي كانت مستلقية إلى جانب بانديراس، فترى جلدها طاهرًا، خاليًا من الشوائب، كاملًا، في حين جلد بانديراس مجعّد، ترى فيه النتوؤات والمسامات. أعجبني كثيرًا إظهار هذا التناقض.
    ما أريد أن أقوله في هذا الثانيًا هو أنّه ومع أنّ القصة، أساسًا، ليست ألمدوفارية، نشعر بأنّها كذلك لأنه استطاع، بشكل فذ وعبقري، أن يتبنّى الرواية ويجعلها ملكه.

    ثالثًا، ومع أن الأمر قد يبدو غريبًا، فإنّ الفيلم ينسجم مع تاريخ ألمدوفار السينمائي، من ناحية تكرار الممثلين (أنتونيو بانديراس، ماريسا باريديس، خوسيه-لويس غوميث في دور صغير)، وتكرار الكثير من طاقم العمل (الملحن، المنتج، إلخ)، وحتّى من ناحية ظهور أخو بيدرو، أغوستين ألمدوفار، كعادته، في مقطع قصير، كالرجل الذي يحضر إلى الحانوت حقيبة مليئة بثياب زوجته. كل هذه تضفي على تجربة مشاهدة الفيلم، لمتابعي المخرج، طعمًا لذيذًا من الألفة. ولكنّ أكثر ما صدمني هو استخدامه مجددًا لمشهد اغتصاب شخصية فيرا من قبل الرجل النمر (لمسة ألمدوفاريّة فتّاكة أخرى). باختصار، ممكن أن نقول أن كل هذا المشهد مأخوذ عن فيلم ألمدوفار “كيكا” من عام 1993. الصدمة هي أنّ كيكا هو فيلم كوميدي ومشهد الاغتصاب هناك (الذي يتشابه كثيرًا من ناحية علاقة المغتصب بالشغالة، وربط الشغالة بالكرسي، وإلى آخره) هو من أكثر المشاهد ألمدوفاريةً إطلاقًا !
    الذي أعتقده، إذًا، هو أنّه خاصّة مع ألمدوفار، يجب التعامل مع كامل مستودع أفلامه عند تحليل أحدها، فبالنسبة إليه، هكذا أرى، أفلامه ليست كائنات منفردة إحداها عن الأخرى، بل تتداخل فيما بينها وتضفي كل على أخواتها. هذه الروابط بالإمكان رؤيتها في العديد من أفلامه، ففيلم “بولبير” (العودة، 2006) يرتبط ارتباطًا وثيقًا مع “زهرة سرّي” (1995)، وفيلم “العناقات المحطّمة” (2009) يسترجع الكثير من فيلم “نساء على حافّة انهيار عصبي” (1988).

    رابعًا، أريد أن أشير إلى أحد أكثر المشاهد غرابة وجمالاً في الفيلم، وهو المشهد الذي تتجوّل فيه شخصيّة أنتونيو بانديراس في حديقة كبيرة وفخمة، الوقت ليل، يبحث عن ابنته، ولكنّه يبدو كأنّه دخل إلى فيلم إباحي من القرن التاسع عشر، فيرى الكثير من الشخصيات في حالات جماع عديدة. شخصيًا أخذني المشهد تلقائيًا إلى التفكير في أنّه (أي المشهد) نسخة سينمائية للجزء المركزي من لوحة “حديقة المتع الأرضية” لبوش من القرن الخامس عشر.

    باختصار، الألمدوفارية بأبهى طلّاتها !

أضف تعليق