كيم كي دوك (2/2)، فصول الحياة‎ / وائل قبيسي

كيم كي دوك (2/2)، فصول الحياة‎ / وائل قبيسي

يشكّل فيلم المخرج الكوري الجنوبي كيم كي دوك تأملاً نورانياً للحكمة البوذية ودورة الحياة البشرية في كنف مشاهد طبيعية برع المخرج في إبراز جماليتها، كذلك يبرز استعمال المخرج للفصول الأربعة كخلفية للتعالم الروحية عن المعاناة والرغبة والخسارة والتعلق والتحوّل.

unnamed

| بيروت – وائل قبيسي |

الربيع..

هو بداية الحياة لعناصر الطبيعة كما هو بداية الحياة للطفل الذي يترعرع في ظلّ معلمه الناسك البوذي مع كلبهما، في هدوء وسكينة معبد يتوسط بحيرة تتوسط أشجاراً وأنهاراً وتلالاً وصخوراً وجبالاً في مشهد ساحر ومبهر.

يقضي الرجل والطفل وقتهما في جمع الأعشاب والصلاة والتأمل في الطبيعة، لكنّ سكون الطبيعة لا يتماهى مع طبيعة الإنسان التي تميل نحو الشرّ،

وائل قبيسي

وائل قبيسي

حتى براءة الأطفال تحمل شراً يبرز لدى الطفل وهو يستمتع بتعذيب الحيوانات، لكنّ المعلم له بالمرصاد، يعطيه دروساً في الحياة ويعرّضه لمواقف مماثلة تجعله يتكبد العذاب نفسه الذي سبّبه للحيوانات فيتّعظ الطفل ويبكي على فعلته، لكن هل ندمه وصلاته وتأملاته ستبعد عنه الشرّ الذي في طبيعة الإنسان؟

الصيف..

يكبر الطفل ويصبح مراهقاً وهو لا يزال يعيش حياة التأمل والتعلم مع الناسك وديكهما، والديك في الديانة البوذية رمز للرغبة والشغف، حتى تأتي أمّ وتترك ابنتها العليلة ليداويها الناسك.

تأخذ الغريزة البشرية مجراها ويبدأ الصراع لدى المراهق بين رغبته وشهوته وعاطفته وبين تعاليمه، فيراقب الفتاة سرّاً ويلمس ثديها وهي نائمة تحت تمثال بوذا لتستيقظ وتصفعه، فينكب على الصلاة وطلب المغفرة مذعوراً. ثم ما يلبث أن يأخذها إلى الغابة، بعيداً عن أعين الناسك ويطارحها الغرام في أحضان الطبيعة، ومجدداً في غرفة سيّده وهو نائم، ليستيقظ ويجدهما عاريَين في صباح اليوم التالي.

لا يوبّخ الناسك تلميذه بل يحذّره من أنّ الشهوة تؤدي إلى الرغبة في التملّك والتملّك يؤدي إلى القتل ويقول له إنّ الفتاة يجب أن تغادر. لا يتحمّل المراهق فراق حبيبته ليلة واحدة، فيحمل تمثال بوذا والديك ويمضي لملاقاتها، في دلالة على التخبّط بين تعاليم سيّده المتمثلة بتمثال بوذا والرغبة الجارفة التي تملكته والمتمثلة في الديك.

الخريف..

يعيش الناسك مع هرّة بيضاء، والهرّة في ثقافة شرق آسيا تتماهى مع المجون، وتعتبر في الثقافة الكورية طاردة للأرواح الشريرة. تصّح توقعات الرجل ويعود إليه تلميذه بعد ارتكابه إثماً سبق وحذّره منه معلمه، يصل الشاب مثقلاً بالغضب والندم والذنب ويمارس طقوس الانتحار أمام تمثال بوذا منتظراً الموت، لكنّ المعلم ينهال عليه بالضرب في مشهد يدلّ على أنّ التخلّص من الذنب لا يأتي بهذه السهولة، بل يجب أن يتكبّد الألم والشقاء ليُغفر له ذنبه.

يأتي شرطيان ليسوقان الرجل إلى العدالة، لكنّ الناسك يعلم أنّ على تلميذه التكفير عن ذنبه في كنف حياة التأمل والعبادة قبل التكفير عنه في الحياة المادية، فينكب على كتابة نصّ ديني أمام المنزل بواسطة ذيل الهرّة ليجعل تلميذه يحفر كلمات النصّ بسكّينه في مشهد جميل واستعارة بصرية تعبّر عن تأثير التعاليم المقدّسة في العالم المادي. ينكبّ التلميذ على حفر الكلمات بسكّينه حتى يغفو من التعب ويأخذه الشرطيان لتفيذ عقوبته القانونية في صباح اليوم التالي.

بعد مغادرة الرجل مع الشرطيين، يعلم الناسك أنّ مهمّته على الأرض قد انتهت فيمارس طقوس الانتحار نفسها التي حاول تلميذه القيام بها ولم ينجح، فيحرق نفسه في قاربه دون أي مقاومة أو ألم، يترافق ذلك مع انبعاث أفعى من البحيرة، تصعد إلى الدار العائم الذي كان يسكنه الرجل، في دلالة على تقمّص روحي يؤمن به البوذيون.

الشتاء..

أصبح التلميذ رجلاً ناضجاً (يلعب دوره المخرج نفسه) وعاد بعد تنفيذ حكمه إلى أحضان الطبيعة التي تعلم منها حكم الحياة ليجد المنزل خالياً إلا من الأفعى، والأفعى رمز للغضب في الثقافة البوذية. ينكبّ الرجل على الحفر في البحيرة المتجمّدة لاستخراج أسنان معلمه، ثم يحفر تمثالاً لبوذا في الجليد تحت شلال متجمد يضع فيه بقايا معلمه وتبدأ رحلة الصلاة وممارسة دروس الفنون القتالية.

تأتي امرأة إلى الدير من دون أن تظهر وجهها وتترك طفلها مع الرجل وتتعثر وتقع في البحيرة عند مغادرتها وتغرق. يبقى الطفل مع الرجل للاهتمام به، لكنه يكمل مهمته في التكفير عن ذنوبه قبل ذلك، فيربط حجراً ثقيلاً مستديراً بجسده، والحجر المستدير في البوذية هو رمز لعجلة الحياة والانبعاث، ويمضي في رحلة طويلة إلى أعالي الجبال ومعه تمثال مايترايا (بوذا المستقبلي) مستذكراً صور الحيوانات الي عذّبها في صغره حتى يصل إلى أعلى قمّة تحيط بالبحيرة بعد طول عناء ويضع التمثال فوقها وينكبّ على الصلاة ثم يغادر تاركاً التمثال على الحجر الدائري يطلّ على البحيرة وكأنه يرعاها.

الربيع مجدداً..

تستمرّ دورة الحياة، أصبح الرجل هو المعلم والطفل الذي تركته والدته التلميذ، ينكب الطفل على تعذيب الحيوانات كما كان يفعل معلمه في صغره، يبدأ بتعذيب السلحفاة التي تسكن معهما، والسلحفاة رمز تقليدي لطول العمر وتكهنات المستقبل، ثم يمضي إلى الطبيعة ليعذب حيوانات أخرى.

يقبع تمثال مايتريا خليفة بوذا التقليدي في أعلى الجبل، في المشهد النهائي، كأنه يراقب أفعال الطفل الشريرة التي كان يمارسها معلمه قبله، في مشهد يدلّ على إمكانية التحرر من العواقب الدورية للتصرفات المؤذية المتعمدة التي يمارسها الإنسان.

ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

يشكّل فيلم المخرج الكوري الجنوبي كيم كي دوك تأملاً نورانياً للحكمة البوذية ودورة الحياة البشرية في كنف مشاهد طبيعية برع المخرج في إبراز جماليتها، كذلك يبرز استعمال المخرج للفصول الأربعة كخلفية للتعالم الروحية عن المعاناة والرغبة والخسارة والتعلق والتحوّل.

يوصل الفيلم رسالة روحانية أكثر من كونها دينية من خلال تعاقب فصول الحياة وتكرر دورتها في تحفة فنية سينمائية برع المخرج في شدّ انتباه المشاهد إليها عبر مشاهد لا تخلو من السحر والإبهار، وقد حقق الفيلم نجاحاً عالمياً وحصد إعجاب الجماهير والنقاد ليصبح واحداً من أهمّ أفلام المخرج.

الفيلم: ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring

إنتاج: كوريا الجنوبية 2003

إخراج: كيم كي دوك

كتابة: كيم كي دوك

تمثيل: أويونغ سو – كيم كي دوك – كيم يونغ مين – هايو جين

المدة: 103 دقائق

 

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>