فريدي ميركيري: لن أكون نجم روك، سأكون أسطورة / وائل قبيسي

5 سبتمبر 2014

wael9

| بيروت – وائل قبيسي |

“لن أكون نجم روك، سأكون أسطورة”

*****

بسرواله الأبيض وقميصه المزين برسوم غريبة، بشاربه الشهير وحيويته التي لا حدود لها، بصوته القويّ وأدائه المميّز، بكاريزمته الفريدة وموهبته الاستثنائية، جلس فريدي أمام بيانو مسرح ملعب ويمبلي في لندن عام 1985 ليبدأ بأداء أغنية Bohemian Rhapsody أمام 72 ألف مشاهد يهتفون ويصفقون له، في أشهر حفل لفرقة كوين على الإطلاق.

*****

لم يكن يعلم الطفل فاروق بولسارا المولود في زنجابار والذي ترعرع في الهند وبدأ بأخذ دروس في البيانو في سنّ السابعة أنه سيصبح أهمّ مغني روك في العالم، نشأت موهبة الطفل في سنّ الـ 12 سنة في مدرسة ساينت بيتر في بومباي عندما شارك مع زملائه في إنشاء فرقة The hectics المدرسية وكان يتمتع بقدرة الاستماع إلى الأغاني عن الراديو وعزفها على البيانو، لكن شاء القدر أن يغادر فاروق وعائلته الهند في سنّ الـ 17 في ظلّ أحداث العنف التي استهدفت الهنود والمسلمين وينتقل للعيش في فيلثام في المملكة المتحدة حيث تخرج من جامعة إيلنغ آرت وحصل على شهادته في الفنون وتصميم الجرافيك.

انضم الشاب الذي اختار لنفسه اسم فريدي إلى عدة فرق موسيقية لم يكتب لها النجاح قبل أن ينضم عام 1970 إلى براين ماي وروجر تايلور واختار لفرقتهم اسم كوين بعد أن غيّر اسم عائلته إلى ميركيري ليولد نجم الفرقة فريدي ميركري ويبدأ مشوار النجاح.

لم يكن فريدي مغنياً فحسب بل كان مؤدياً بارعاً ومؤلفاً موسيقياً موهوباً، ألف أهم أغاني فرقة كوين من Bohemian Rhapsody  الأشهر إلى We are the champions وكان يعزف على البيانو ويغني ويقدم استعراضاً متكاملاً في معظم حفلات الفرقة. كان يتمتع بصوت تينور مكّنه من تأدية أنواع مختلفة من الموسيقى من الروك إلى الأوبرا وكان يتلاعب بطبقة صوته لتتلائم مع نوع الأغنية ويغيرها أكثر من مرة في الأغنية الواحدة أحياناً بالرغم من أنه لم يخضع لأي تمرينات صوتية قبل مسيرته الفنية وفي خلالها.

تميّز فريدي بأدائه المسرحي الذي كان يجذب الجمهور ويبهره، وكان له قدرة سحرية على مشاركة الجمهور أغاني الفرقة على المسرح، وقد صوتت مجموعة المديرين التنفيذيين الموسيقيين لحفل لايف آيد لعام 1985 باعتباره أفضل أداء مباشر في تاريخ موسيقى الروك.

*****

“سبب نجاحنا يا عزيزتي هي الكاريزما الشاملة التي أتمتع بها بطبيعة الحال”

*****

دخل فريدي مسرح كو كلوب الذي يعلو بركة ماء في أيبيزا عام 1987 ببدلته الأنيقة إلى جانب مغنية الأوبرا الإسبانية الشهيرة مونسيرا كابالي، وبطاقته المعتادة بدأ أداء أغنية “برشلونة” للمرّة الأولى مع المغنية ذات الصوت الأوبرالي الضخم، لم ترافقه فرقة كوين هذه المرة بل باقة من عشرات عازفي الأوركسترا ليحوّل الثنائي المسرح في منتصف الأغنية إلى كتلة مشتعلة من الطاقة والتناغم والإيماءات في مزيج نادر ورائع بين البوب والأوبرا.

*****

بالإضافة إلى عمله مع فرقة كوين، سجّل فريدي ألبومين منفردَين وعدداً من الأغاني المنفردة الأخرى، حققت أغنية Living on my own  من ألبومه MR bad guy نجاحاً منقطع النظير بينما تميّز ألبومه الثاني بحسّه الأوبرالي حيث تعاون فيه مع مغنية الأوبرا الإسبانية مونسيرا كابالي في مزيج مميز بين الأوبرا والموسيقى الشعبية، حقق الألبوم نجاحاً هائلاً وكانت أشهر أغانيه أغنية “برشلونة” التي أعدّها الثنائي كنشيد رسمي للألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1992 في برشلونة، لكنّ الموت غيّب فريدي قبل سنة من الحدث فغنتها كابالي في الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية يرافقها فريدي على شاشة كبيرة تمّ نصبها وراءها.

*****

“أنا مهووس بالحبّ، أليس هذا حال الجميع؟”

*****

بالرغم من شخصيته الجريئة والحيوية على المسرح، إلا أنّ فريدي كان خجولاً جداً في الحياة ولم يكن يعطي الكثير من المقابلات الصحفية والتلفزيونية، وأكثر ما أثر فيه كانت علاقته بماري أوستن التي تعرف إليها عام 1970 لتربطهما علاقة عاطفية استمرت حتى عام 1976 عندما أفصح لها عن ميوله المثلية ما أدى إلى انفصالهما، لكنّ ماري تفهمت فريدي وبقيت صديقته المقربة وقد صرح في عدة مقابلات عن تعلقه بها وكتب لها عدة أغنيات منها أغنية كوين الشهيرة Love of my life وأصبح عراباً لابنها وترك لها منزله بعد وفاته حيث لا تزال تعيش فيه حتى الآن، بعد أن تحوّل جداره الخارجي إلى محجّاً لمعجبيه يتركون عليه كتابات ورسوم غرافيتي ليصبح معلماً رمزياً شهيراً في بريطانيا.

وفي عام 1985، جمعت فريدي علاقة عاطفية مع مصفف الشعر جيم هاتن دامت 6 سنوات حتى وفاته حيث بقي الرجل إلى جانبه واعتنى به في أيام مرضه. لم تكن مثلية فريدي محور حياته ولم تكن محلّ إنكار أيضاً، عاشها وتعايش معها لكنه لم يحوّل نفسه إلى ضحية في فترة كانت المثلية فيها من المحظورات، ولم يحوّل نفسه رمزاً لحقوق المثلية، ولم يتناول ميوله الجنسية إلا نادراً حيث كان الأمر عادياً بالنسبة إليه، لكنّ وفاته ساهمت كثيراً في نشر التوعية من مخاطر مرض الإيدز وسبل الوقاية منه وأصبح فريدي ميركيري من أشهر الشخصيات التي أصيبت بآفة هذا المرض.

*****

“لطالما علمت أنني سأكون نجماً ويبدو أنّ باقي العالم يوافقني الرأي الآن”

*****

لم يكن فريدي  يعرف أنّ هذا الأداء سيكون أداءه الأخير مع فرقة كوين وهو يصدح بكلمات أغنية Who wants to live forever ، جلّ ما كان يعرفه أنه لن يعيش إلى الأبد، فقد كان يحيي الحفل الأخير للفرقة من جولة The magic tour  وهو على علم بإصابته بمرض الإيدز الذي أخفى إصابته به حتى أيامه الأخيرة، غنى الرجل للمرة الأخيرة مع فرقته في التاسع من آب عام 1986 أمام بحر بشري وجمهور يفوق عدده الـ 300 ألف مشاهد، لم يأخذ المرض شيئاً من حيويته وقوة صوته على المسرح، غنى كأنه يغني لآخر مرة، وأدار ظهره ومضى.

*****

ساءت حالة فريدي الصحية عام 1991 بعد تعايشه لأربع سنوات مع مرض الإيدز، وبدأ يفقد نظره وقدرته على المشي ولازم الفراش رافضاً تناول أدويته إلا المسكنات كي يسرّع في موته. صرح فريدي في 23 تشرين الثاني عن إصابته بالمرض عازياً سبب إخفائه الأمر عن الجمهور إلى حماية عائلته وأصدقائه وراجياً تفهم معجبيه للأمر واحترام خصوصيته.

بعد 24 ساعة على إصدار البيان وفي مساء 24 تشرين الثاتي 1991، توفي فريدي في سريره عن سنّ يناهز الـ 45 سنة، رحل الرجل تاركاً وراءه تاريخاً من الأعمال الفنية التي خلدت ذكراه، ولا يزال يعتبر حتى اليوم أيقونة في عالم الروك وموهبة فنية لن تتكرر.

0 تعليق على “فريدي ميركيري: لن أكون نجم روك، سأكون أسطورة / وائل قبيسي”

أضف تعليق