الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*/ يوسف رخا

|يوسف رخا|  كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛ بمنتهى الدما […]

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*/ يوسف رخا

|يوسف رخا| 

كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛

بمنتهى الدماثة، كان سافلاً

وهو يرصّ بذاءاتي صفاً على الحائط

ليضربها واحدة واحدة بالرّصاص.

كان أحقر من كلاب السكك

وهو يحبس “الشخرة” في حلقي

قائلاً إنّ في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.

وعبر شبابيك غرف “مكمكمة”

أضيق من أن تستوعب صراخك-

هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟

هل تعرفين معنى الالتحام؟-

كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء

وأقيء لمشهد الكاتب المصريّ

متربعاً في خرائه.

.

يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة -وكنت معصوب العينين-

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.

لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أنّ لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.

وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء

قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات

من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.

ساعتها فقط

اكتشفت أنني في حيّ عشوائيّ،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوّه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!

.

أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات-

ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب-

لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كلّ الدلائل

سوى أنه مُلتَح و”الزبيبة” في قورته

“يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛

شاهدتهم يستمنون معاً بـ “فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسّسون رأس عجل آخر

مهمهمين بروعته.

في اليوم التالي كان عليّ أن أسافر.

قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب-

نقرة واحدة ويهطل “البيضان”-

لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم

يحتاج “حنيّتي”،

وقفزت من أوسع نافذة في البيت

فاتحاً جناحي للتراب الساكن.

.

لا يا مون، لم أقع؛ حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.

كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.

وعرفت أنّ الشعب الذي يحبّ الله

لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج

يتحسّس المشهد نفسه براحتيه

ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد، أو يصحو ميت ليخبرنا

بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،

كم نحن بحاجة إلى السّباب.

وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

.

جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛

الطريقة التي عُمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.

وهكذا أيها الابن “الصّايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحوّلنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

 

* نايف ومون شخصيتان في رواية التماسيح (صدرت عن دار الساقي) للمؤلف

                                                          

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>