نخبَ صليبي/ أنوار سرحان

ثمّ بغتةً ، وبعد أن تقنطَ من كلّ الذين تفرّجوا بانتشاءٍ على دمك المسفوح على عتباتهم، سيفاجئك مَن حدستَ فيه يوماً خيراً ما من بعيدٍ وكاد يضيع في دروب القنوط

نخبَ صليبي/ أنوار سرحان

|أنوار سرحان|

لا تقُل لي فيما تزدادُ عيناك جحوظاً وشفتاك تلوٌياً إنّ الحلالَ بيّنٌ والحرامَ بيِّن.. قل فقط إنّ ثمة تساقطاً نفراً نفراً وثمة سقوطاً كبيراً يدوّي، ولا تبتئسْ إن بدَت جرداءَ روحُك، لعلّ عريَها منهم جميعاً يكونُ الحلالَ الوحيدَ بيّناً أو غيرَ بيّن!

لملم استهجانَك، فكل شيء ٍ مدهشٌ كما أبلغتك: النيران المتوقدة ما زالت تخلصُ لحرقنا باستماتة، الجراحُ تتشبّث بالنزفِ والتمزّق .. القلبُ المهشَّم يتفنّن في مضغ فُتاته.. والدم لم يخُن حُمرتَه، إنّه يصبغ بها العالم.. وأنت أين أنت؟ تبّاً للروح التي تخلصُ للجرح وتخونُ صاحبَه.. ماذا أحكي والسماء بدَت منحدرةً، فارتفعَت مكانها الصرخات..الملائكة اختفوا خجلين.. النضالُ تغيّرت معانيه وبات أهمّهما إجادةَ التسلّق ولو لجدران الفيسبوك..
وأنا بتُّ أضحك كثيراً كي أستر صوتَ الدم الذي يشخب في روحي..

أفهم طبعاً أنّ النقائض قد تجتمع بل وقد تتوحّد، كأن نحبَّ حدّ القسوة أو نلثمَ حدّ النهش.. كأن نضوّعَ حتى نضيع أو نذوبَ حدّ التبلّد.. فلا تسألني مستهجناً كيف النقيضُ بالنقيضِ يلتقي أو في النقيض يعيش؟

هل رأيتَك يوماً في مرآتي مصلوباً؟.. يدك في فم والدٍ مفغور ٍ تصرخُ النهش، كتفك بين أسنان أخٍ حادّة، رجلاك تشدّهما أيدي أخواتٍ مجتمعات بالحبال، ظهرك غُرزَت فيه أنيابُ الأصدقاء المقيمين احتفالاتِهم فوقه، بطنك انسحبَت أحشاؤه بين أظافر صديقاتٍ مخلبيّة، لسانك المشدودُ سالَت دماؤه من عضّات الأبناء، دماؤك التي سُفكت لملمها زوجٌ للاستفادة منها في مشاريعه.

وبلهجة واعظٍ مقزّز يهمس لك أحد المحسوبين عليك حين الخيباتُ شاحذةً أسنانَها كما قندسٌ تقضم أشجارَ الروح، حين الروحُ تتناثر شظايا وغرقى، حين الشظايا تضيعُ كسوراً وفتاتاً، وحدهم الحقيقيون قادرون إذّاك على لملمتها.. ” فلا تبتئس إن ضاعت الشظايا، لعلّ العيبَ في زمنٍ خلا منهم”. لن تملك أكثرَ من صرخة مصعوق تقذفها في وجهه: “أرح أسنانك وأصغ جيداً، هذا الذي يطرطق في لعابك أليس دمي”؟

لا تنتظر جواباً  وسط ضجيج وقاحتهم. يتبجّح أحدهم فيما استجديتَه أن يطل إليك/ يناديك:

وأنتَ ذاهبٌ إلى الموت لا تنسَ أن تتركَ لي بعضاً من دمِك أتجرّعه قبل أن يفسد، وقليلاً من لحمك تبرّع لي به أتشدّق في علكه فوق جثٌتك وأبكي قليلاً ريثما يأتيني رفاقٌ بعلبة دخانٍ جديد ٍ وكأس عرق وموسيقى حزينة وآياتٍ أحتمل فيها شيخاً حماراً وأجامل المعزّين بقبلاتٍ تفوح منها روائح البصل. أو -قبل أن تموت اترك ما يكفي من ثمن العطور لي ولكلّ أولئك الذين سأخونك معهم بنكتٍ سمجةٍ تنسينا الدموعَ التي نذرف فوق جثّتك. تريّث قليلاً ولا تستعجل الموت قبل أن تلبّي طلباتي الأخيرة يا حبيبي.. ثم يسترسل في ذبحك: لِمَ تحدّق بي؟ ألا تصدّق أني أحبّك؟! صدّق حبيبي هي فقط المفاهيم تتبدّل!

تتبدّل؟ نعم كل شيء يتبدل.. حتى قناعاتنا.. دعك من الإيمان فما عنه نتحدث.. ثمة قناعة هي الأصدق.. ستنادي من عمق النزف:

“هوووووووووووووووووووووب
يا كلَّ المتساقطين منّي.. شكراً..
سنوات مضَت لم أشعر بروحي خفيفةً لهذا الحدّ..
شكراً لما أخليتم من أماكن للأحلام”..

لن تفرح كثيراً، فسرعان ما تكتشف أنّ تلك الخفّة لم تكن غير الخواء.. إنه الفراغ العدمُ اللاشيء..

نعم الخواء.. أعني تماماً ما أقول.. فأنت لم تجرّب أن تناديَ إلهك فلا يجيب.. لا .. لا اللهُ معنا ولا عبادٌ صالحون. معنا حروفٌ تبكي الغربةَ واغتصابَ معانيها بسطحٍ متشابهٍ وغيرِ متشابه، معنا أوجاعٌ لا يمحوها الموتُ ولا ينصفها قبرٌ تزهر فوقه ورداتُ التوليب ويخضرّ الحبق، أحلامٌ نخشى عليها التناثرَ والضياع، قلوبٌ بعيدةٌ لم تدرك يوماً أن تقرأنا بأكثر من عين، معنا حبٌ دعَونا إليه كاذبين ممنّين أنفسنا بأنّ الغايةَ النبيلةَ تبرّر الكذبَ والحلم.. وذكرياتٌ سيرسم منها الآخرون لوحاتٍ مزيفةً لادّعاء بطولاتٍ جوفاء.. وقلبٌ قد حلم ألف حياةٍ بأنّ الله يسكنه ثمّ انتفضت الأحلام.. انتفضت لحظةَ انطلق السؤالُ من فوق الصليب: “إلهي إلهي لماذا تركتني”؟ فارتدّ  رجعُ السؤال خائباً.. لتشقّ الصّدرَ زعقاتُ الموتِ الحقّ: ها قلبي الذي وسع أكواناً إذ وسعَك هو ذاتُه مَن يندب الآن الفراغَ.. يا للخواء مذ غبتَ أيها الملاذ الذي كم كان مطَمئناً.. يا للاشيء حين يبدّد كلَّ الكلّ فيتهابى… بمَن ألوذ الآن وكلُّ الملاذات انفضح كذبُها؟

وستكادُ لفرط الشقاء تقسم بأنّ إلهَك لم يغادر قلبك فقط، إنما غادر أكوانَه وتركها لعبث شياطينهم التي غلبت النور.. لحظتها ستعود لتقشير روحِك من نزفها.. لن تمنعَك الأصفادُ التي سوّروا بها رسغيك أن تزعق ملء صدغيك منادياً أن يا الله.. أطلّ إليّ قليلاً .. فيطلّ ناطقٌ بلسانه من جديد.. يقول ما قلتَ الآن، ويتشدّق بالحلال والحرام.. رافعاً نخبَ دينٍ فصّله على مقاسِ غرائزه.. قل له بصوت الواثق مهما سلبوا صوتَك: أعرفُ أعرفُ أنّ الأحمر في كأسك ليس نبيذاً، فهل تحرّمه وتحلل بدلاً منه الدم؟ ولا تنتظر أن يخجل من مرآتك إذ عرّته.. سيلقي إليك بآيةٍ غير بيّنة، وحديثٍ ابتدعوه، ساعياً أن يجعل من إلهك حاجبًا منمّصاً وغريزةً لا تفتر، أو حتى خبزةً مغمّسةً باعترافٍ زائف.. وسيحكم لينفّذَ الحكمَ أولئك الذين ياما أخلصتَ لهم.. وستنتبه أنك كلما خلعتَ الحجُبَ فدنوتَ من النواة بتّ غريباً وحيداً..

ثمّ بغتةً ، وبعد أن تقنطَ من كلّ الذين تفرّجوا بانتشاءٍ على دمك المسفوح على عتباتهم، سيفاجئك مَن حدستَ فيه يوماً خيراً ما من بعيدٍ وكاد يضيع في دروب القنوط.. سينحني للملمة رفاتِ روحك من على الإسفلت الذي التصق به من خطواتِهم الساحقةِ عليه.. سيجمع ما استطاع من شظاياك ويلعقُ عن الرّصيف ما تدفّق من دمك المخدوع.. ثمّ ينسجُ من دمك ورفاتك أغنيةَ وفاءٍ تعيد الأمل بأنّ هذا العالم مهما تضاءل وسط الوحوش، لم يخلُ بعد من بقايا إنسانٍ يخلف اللهَ فيه ..

لن تطلبَ الكثير ، فحسبك أن تجد مصبّاً صادقاً يحتضن ما سيفيض منك من أنهار الدم والدموع..

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

5 تعقيبات

  1. في أيّامنا، كثر الحبر وقلّ المعنى. تبدأ قراءة نصّ فلا تستطيع، من فقره وسطحيّته، أن تتابع حتّى النهاية. لا لغة ولا شكل ولا مضمون… كثر الكتّاب وقلّت الكتابة. صار ظهور النصّ الأدبيّ الحقيقيّ كسقوط واحة من السماء وسط صحراء قاحلة..

    نصّ أنوار منوّر بلغته المتينة المتماسكة القادرة على بلوغ معانٍ، ورسم صور، وبعث حيرة وسؤال في القارئ. واللغة تسمو بسموّ الأفكار، وبتمكّن صاحب الأفكار من أدواته.
    أحببت نصّ أنوار، لأنّه يصدمنا بجماليّة قاسية. يجعلنا نتخبّط بين صور تنقل معاناة وجوديّة وإنسانيّة عميقة. يجعلنا نشعر بالحنق الداخليّ الذي يشتعل ضدّ كلّ شيء: الواقع المتعفّن، هذر من يجعل الدين استغلالًا واستهلاكًا وأحكامًا نهائيّة، تضاؤل قيمة الإنسان الذي تسفك إنسانيّته أمام شاشات الجاهليّة الحديثة وأدوات سيطرتها…وما من نفس تُستنفر.

    “كلما خلعتَ الحجُبَ فدنوتَ من النواة بتّ غريباً وحيداً”

    نصّ ما بعد حداثيّ بامتياز، يذكّر بكتابات بول أوستر شديدة القسوة.

    حركيّة الضمائر ملفتة جدًّا وتثير شهوة النقد.

    نصّ ضدّ البلادة يستحقّ القراءة.

  2. يرظى عليك ناقد مخظرم؟؟
    شلون نشوف وجهك وحروفك يالمجهول( لغة عامية)

  3. سيد نسيم .. يتّضح من تعليقك الكثير والكثير .. فبداية .. من المؤكّد انّك لم تفهم شيئا من النّص .. ولو أنّك فهمته حقّا لما كان هذا ردّك .. ومن المؤكّد ايضا انّك لا تستطيع توجيه نقد حقيقي لنص رائع كهذا .. وكل انسان يعرف أنوار نصوصَها أو شخصَها يعرف انّها ترتقي لمستوى الملائكيّة عن البشر وتحرّرها الفكري لا يعني العري .. إنما الرّقي .. وحجابها لا يعني التّخلّف والمسير مع القطيع .. والأكيد الأكيد هنا أنّ امثالك هم سبب التّخلّف الثّقافي في مجتمعنا كلّه .. فافتح قلبَك وعقلك .. واقرأ ما وراء الكلمات .. ثمّ انتقد ما شئت .. ان وجدت ما تنتقده حينها ……

  4. كنت اود العبور بصمت ولكن
    سؤال للسيد نسيم اين التخبطات الاخلاقيه واين الادب العاري في هذا النص الرائع والراقي؟
    واضح ان السيد منزعج من حجاب الكاتبه الذي لم يقف في طريق فكرها وابداعها وحتى الضرب على زجاج التابوهات وخصوصا الدينيه فلقد فهمت ان السيده انوار تنتقد التفسير الكاذب للدين وتسويق المفاهيم المغلوطه تحت خيمته.
    اما الكاتبه المحترمه والمبدعه انوار سرحان فاحييك سيدتي واقول لك استمري ولا تهتمي لمن يخافوا الصدق والابداع والفكر الحر ولقد ادهشتني طريقه عرضك لمعاناة الانسان الصادق تحت وطأه سيطره المفاهيم الغير صحيحه للدين والاخلاق وربما للادب ايضا

    تقبلي احترامي سيدتي وتحياتي لابداعك ولاخلاقك ولفكرك

  5. وبعدين مع تخبطاتك الأخلاقية بهالنصوص المكررة والرقص في المنطقة الرمادية بين الأدب العاري والحجاب اللي بقول كتير أشياء أكتير بكتير من نصوصك المثقلة بالتعابير الهزيلة!

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>