عودةٌ إلى أشغال الصّنوبر../ أسعد موسى عودة

شربل حنّا عبّود، زميل وصديق وربّ عمل قديم، قصير الكلام طويل السّكوت، بارز الوعي عميق المعرفة، وأديب من قمّة رأسه حتّى أخمصَيْ قدميْه

عودةٌ إلى أشغال الصّنوبر../ أسعد موسى عودة

|أسعد موسى عَودة|

asaad-qكدتُ لا أكتبُ لهذا اليوم شيئًا؛ حيث لم يتهيّأ لي كثيرًا طقس للكتابة أو مُناخ.. لكنّ قلقيَ الأبديّ على مصير نملة.. هَمَزَني لأكتب.. فأسقطتُ نفسي من سريريَ الممتلئ دفئًا وأنوثة.. وذهبت إلى فرحيَ الأبديّ؛ ذهبت إلى لغتي ورسم صوتي، حروفًا وحركاتٍ وسكنات..

وكانت لا تزال الرّؤية غير واضحة لديّ إلى ما سأكتب، فجازفتُ وجدّفتُ وجذّفتُ بكتابة تبحث عن موضوع وعُنوان.. وبينما أنا في هذه الحالة من البحث عن مَخاض.. يُجيئُني إلى جذع زيتونة أو سنديانة؛ فنخل العرب غريب.. راقصتني فكرة الكتابة عن الصّنوبر.. ذلك العالي الغالي، الّذي يملأ إطلال نافذتي على سماء من سحاب أبيض، وضوءٍ منحته الطّبيعة الغَلَبة في القدرة على التّشتّت.. هو الأزرق..

الصّنوبر رفيق الأعالي، وكأنّي أراه – برفق وحكمة واقتدار واعتناء – يمشّط شَعر السّماء؛ ذلك الأبيض المسافر في الأزرق، أعلاه.. فتنثُر السّماء شِعرًا..

والصّنوبر من أهمّ وأبرز وأغزر برّيّات بلادنا.. وهو سمة غالبة فارقة مشتركة لقمم الوطن العربيّ، على امتداد البرّ والبحر والنّهر.. لا لقمم الوطن العربيّ في مُفرّقة الدّول العربيّة..

والصّنوبر لا يأخذ إلّا القليل.. ولا يُعطي إلّا الكثير.. سهل مِطواع.. مِعطاء بلا انقطاع.. عرَفه القدماء والفقراء والأغنياء.. صنعوا منه خبزهم وحلواهم وزيوتهم الغذائيّة والطّبّيّة والعطريّة، ولا يزالون.. كما صنعوا منه ويصنعون.. بيوتهم وأوانيَهم وآلاتِهم الموسيقيّة.. فهو، إذًا، هذا الصّنوبر، حالة احتفاليّة أزليّة أبديّة.. من غذاء الجسد وغذاء الرّوح..

وللصّنوبر في ذاكرة الفتى – وقد كان طفلًا وصبيًّا – ركن خاصّ لا يأتي عليه بالنّسيان الفناء.. فكم ظلّل ألعابنا الّتي كنّا صنعناها بأيدينا وأرجلنا ورؤوسنا.. وكم استيقظنا على زقزقة عصافيره.. وكم حفرنا رعشات حبّنا الأولى في جذوعه، بعد أن كنّا قَرَفناها (قشّرناها) بإصرار العاشقين.. وكم لطّخنا ملابسنا بدمعه الصِّمغيّ العسليّ .. وكم تراشقنا بأكوازه.. بعد أن كنّا أفرغناها، طبعًا، من كنوزها المشتهاة، نيّئةً أو بعد شَيّ..

وللصّنوبر أشغال أخرى.. سنعود إليها.. وتعود إلينا.. بعد هذا الغيم.. إلى ما هو أبعد..

ألا هل بلّغت؟ اللّهمّ فاشهَدْ!

إلى شربل حنّا عبّود..

شربل حنّا عبّود، زميل وصديق وربّ عمل قديم، قصير الكلام طويل السّكوت، بارز الوعي عميق المعرفة، وأديب من قمّة رأسه حتّى أخمصَيْ قدميْه، بيد أنّه مُقلٌّ مُقلٌّ ومُقلّ.. فأقول له، ولا أعلم ما إذا كان سيقرأ أو سيُقرأ له ما سأقول، إنّني أقرأُك – من حَوْلٍ إلى حَوْل – فأفرح حَوْلًا.. فأكثِر من قَصّك وشِعرك؛ من أجلنا لا من أجلك..

ألا هل بلّغت؟ اللّهمّ فاشهَدْ!

وحديثنا، أبدًا، عن لغتنا ونَحْن!

(الكاتب دارس عاشق للّغة العربيّة، مترجم، ومحرّر لغويّ؛ الكبابير / حيفا)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>