أستاذ رفيق مسيحيّ/ غسّان حوش

> |غسّان حوش| كعدّائي ماراثون صغار، كنّا ننفر فورَ ق […]

أستاذ رفيق مسيحيّ/ غسّان حوش

>

|غسّان حوش|

كعدّائي ماراثون صغار، كنّا ننفر فورَ قرع الجرس هارعين إلى الدكاكين في الحارات المجاورة. في صفّي الأوّل كانت وجهتي إلى الدكّان الواقع في أدنى “الدحلة” الحادّة، حيث انتظرنا هناك كلّ صباح “فتحي المزنّر” وزوجته.

أذكر أنّ مصروفي المتمثّل بِـ 2 شيكل (2 شيكل ونصف، بعد الترقية) بدا لي ثروة هائلة تكفي لشراء الدنيا بكاملها- دنيايَ آنذاك. سريعًا، تضاعف عدد الدكاكين حول المدرسة وازدادت الحيرة كيف أوزّع ميزانيّتي. في الاستراحات كُنّا نطوف في الشوارع المجاورة أو بعض البيوت قيد البناء، لنعودَ بحدس الطيور المهاجرة في الوقت المحدّد. كنّا نشنّ حملات “المراجدة” ضدّ الصفّ الشقيق في الحارة المجاورة، نستبسل، فيُستشهَد بعضنا ليعودوا فينتقموا في اليوم التالي.

بدا لي طبيعيّا، حينَها في جيل السادسة، أن تكون “غرفة الصفّ” قطعةً مُستأجرة من المنزل المجاور للمدرسة. هي نفس روح البراءة التي لم تبعث فيّ أيّ حَرَج من مناداة الجار القاطن هناك باسم “اللّغم” كما يسمّيه الجميع. لاحقًا تبيّن لي أنّ “اللّغم” -الذي كان يبيعنا الكعك بالسمسم في الساحة أيضًا- يحمل اسمًا آخر (ما لبثتُ أن نسيتُه لروتينيّته)، مُدركًا أنّ اللقب لم يكن سوى مكافأة المُجتمَع على الإعاقة الجسديّة التي رافقته وأولادَه.

“أستاذ رفيق مسيحيّ”، أفشى لي صديقي سرًّا في إحدى الاستراحات.

كان “أستاذ رفيق” مربّي صفّي من الثاني حتّى الرابع الابتدائيّ، والذي -رغم قسوته الظاهرة وشاربه المَهيب وصفعاته المُدَوّيّة- كان له من اسمه أعظم نصيب، وخصّني منه بقسط وافر.

“طيّب اُسكتْ بلا هبل”، أطحتُ، لا بوجه صديقي، إنّما بمخيّلتي التي تسلّلَتْ إليها معلّمة الدين تحدّثنا عن اليهود والمسيحيّين الّذين كانوا ليقتلوا الرسول في رحلته إلى الشام، ممّا اضطرّه للرجوع دون القافلة.

لم يفلح الطفلُ داخلي في الربط بين الصورتين. أو ربّما لم يَشَأ فحسب.

“وحياة الله! حتّى إذا مش مصدّقني تعال معي”، أصرّ زميلي.

كانت سيّارة السوبارو الزرقاء للمتّهم تقف أمام بيت “اللّغم” بباب غرفة الصفّ مباشرةً، لذا لم تستغرق طويلًا عمليّة تقصّي الحقائق.

“اِطّلع هون من قُدّام. تعال! شايف؟ هيّاتو الصليب معلّق ع المراي”، فاجأني المدّعي العام.

صليب؟ سمعتُ هذه الكلمة سابقًا. شيء ما لا أذكره يخصّ أناسًا آخرين.

في لحظات بدأتُ أستوعبُ لماذا درّسنا “أستاذ رفيق” جميع الموادّ ما عدا الدّين. كما كان غريبًا أن أكتشف أنّ كلمة “دين” ليست مرادفة لِـ “إسلام”.

“بس مهو زيّنا. وبحكي زيّنا”، دافعتُ باضطراب.

“طيّب، مش بالزبط زيّنا، بحكي بالآل”، تداركتُ نفسي. “بس هو منيح وبحبّني”، أردفتُ بانفعال مغادرًا قاعة المحكمة.

يومها لم أشارك أصدقائي الركض إلى “فتحي المزنّر” أو أيّ دكّان آخر. أخرجت مصروفي من جيبي بتأنٍّ، واشتريتُ كعكة بالسمسم من “اللغم” لأوّل مرّة.

“نسيت توخذ زعتر”، أيقظني صوتٌ من تفكيري المشوّش. “نسيت الزعتر يا ولد”.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

2 تعقيبات

  1. وصف عميق واسلوب رائع. برجعني لايام الطفولة :(

  2. وصف رائع اهنيك

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>