فلسفة الاختلاف عند الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الأندلسي/ فرعون حمو

22 فبراير 2014

ibn-2 - Copy

.

|فرعون حمو|

توطئة

عــادة ما يُبحث موضوع الاختلاف خارج أُطر الدين ومبادئه، باعتبار أنّ الدين يقوم على الإطلاق والتوحيد والتوحّد ويتأسّس على الاحتياط من التنوع والاختلاف والتعدد، لكن الاستثناء والتميز من الناحية المعرفية والأنتروبولوجية أنّ الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي الحاتمي الأندلسي (المولود في 585هـ -1164م، والمتوفى في 638هـ- 1240م) انطلق من الإطار الديني الصوفي الروحاني لكي يُنظّر ويُؤسّس للاختلاف وفلسفته. لا سيما وأنّ الشيخ الأكبر كان وقبل فلاسفة التنوير والاختلاف بقرون عديدة، أوّل من رفع شعار “الخلاف حقٌّ حيث كان”(1)، وكان أوّل من صدح بأبيات ومبادئ ما زالت البشرية تلهث بحثًا عنها:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي  /  إذا لم يكن ديني إلى دينه دانِ

وقد صار قلبي قابلًا كل صورة  /  فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ

وبيت لأوثان وكعبة طائف  /  وألواح توراة ومصحف قرآنِ

أدين بدين الحب أنّى توجهت  /  ركائبه فالحبّ ديني وإيماني(2)

هذه الورقة هي حفرٌ في بعض مرتكزات عقائد الشيخ الأكبر، ومحاولة لاستخراج بعض كنوزه وفكّ مغاليق رموزه، تحديدًا فيما يتعلق بفلسفة الاختلاف ودلائليتها عنده، وإن كانت علومه في الأصل هي من العلوم المضافة إلى البخل- كما يصفها الشيخ رضي الله عنه.

دلائلية فلسفة الاختلاف إيتيمولوجيًا وفلسفيًا

إذا رجعنا إلى المصادر اللغوية العربية القديمة لاستنطاقها حول معنى كلمة “خلف واختلف واختلاف” سنلاحظ أنها تتميّز بحمولة دلالية كبيرة ومتنوّعة؛ على سبيل المثال نشير إلى بعض دلالاتها التي وردت في لسان العرب لابن منظور فعنده: “الخلف ضدّ قدام، وخلفه يخلفه: صار خلفه واختلفه: أخذه من خلفه، واختلفه وخلفه وأخلفه: جعله خلفه، وجلست خلف فلان أي بعده. والخلف: الظهر، والتخلف: التأخر، ورجلان خلفة (بكسر الخاء): يخلف أحدهما الآخر. والخلفة: اختلاف الليل والنهار، والخلف: ما جاء من بعد، الخلاف المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافا، وتخالف الأمران واختلفا: لم يتفقا. وكلّ ما لم يتساوَ، فقد تخالف واختلف.. ويقال: القوم خلفة أي مختلفون، وهما خلفان أي مختلفان.. قال اللحياني: يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان، وولدت الناقة خلفين أي عامًا ذكرًا وعامًا أنثى. ويقال بنو فلان خلفة أي شطرة نصف ذكور ونصف إناث، والتخاليف: الألوان المختلفة، واخلف: تغير…الخ”(3).

بذلك يمكن أن نستنتج أنّ الاختلاف في اللغة العربية يُحيل على معانٍ متعدّدة، أهمها: التغيّر والتأخر واللامساواة وما يأتي من بعد، الخ. وكما أكّد الباحث المغربي سالم يفوت أنّ دلالات كلمة اختلاف في المعجم العربي القديم بشكل عام، تلتقي “في افتراض وجود مسافة في المكان أو الزمان أو بين الأفكار لدى طرفيْن أو أكثر، افتراض تباعد بين الأشياء والأطراف يجعل التطابق والائتلاف مستحيلًا”(4).

فالله هو الوحدة والاختلاف، هو الواحد والكثير، الظاهر والباطن، الأول والآخر، الجامع لكل المتضادات أو المتقابلات تحقيقًا، والحق ما عُرِفَ إلا بجمعه الأضداد

أما إذا رجعنا إلى المعاجم الفرنسية(5) فسنجد أنّ لفظة اختلاف différence مشتقة من الأصل الإغريقي ديافورا، وكما يقول جان بوفري Jean beaufret “فهي نقل يكاد يكون حرفيًا للكلمة الإغريقية ديافورا”(6)، وهي أيضًا مشتقة من الأصل اللاتيني différentia. ويعني الاختلاف خاصية شخص أو شيء، تجعل من غير الممكن بالنسبة له التطابق مع شخص آخر (أو شيء آخر)، فهو يشير إلى الفارق الذي يفصل بينهما. بيد أنّ هذا لا ينفي كون لفظ اختلاف يأخذ دلالات متعددة، بحسب تنوع المجالات التي ينتمي إليها: المنطق، الرياضيات، البحرية، الأبناك والبورصة، والمحاسبة، الالكترونيك، اللعب.. وهكذا نجد أن الاختلاف هو نقيض الهوية، وهو مرادف للتباين وعدم التشابه dissemblance، التضارب أو التعارض divergence، التمييز distinction.. ويلاحظ سالم يفوت بعد مقارنة دقيقة بين مصطلح الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية وفي الثقافة الغربية فيقول: “لا يبتعد مضمون مادة “خ. ل. ف” في اللسان العربي، كثيرًا، عن انشغالات وهواجس تيار من أكثر تيارات الفلسفة المعاصرة انتشارًا، ألا وهو تيار الاختلاف”(7).

والاختلاف تيار فكري فلسفي معاصر من رموزه ومنظريه الكبار، جاك دريدا وميشال فوكو وجيل دولوز وفرانسوا ليوتار وكريستوفا جوليا، وآخرون.. وتعتبر مقالة هايدجر “الهوية والاختلاف” الوثيقة الأصلية لهذا العمل الفكريّ. هذه المقالة التي تظهر كيف طغى مفهوم الهوية على الفلسفة الغربية منذ أفلاطون، وكيف أنّ الكثير والمتعدّد لا يمكن إدراكه إلا من خلال هذا المفهوم، كما يقول رشيد بوطيب في بحثه عن فلسفة الاختلاف.

جينيالوجيا فلسفة الاختلاف عند محي بن العربي

إذا كانت الجينيالوجيا La généalogie هي محاولة البحث عن الأصل والوقوف عند المصدر أو هي -على حد تعريف عبد السلام بنعبد العالي- محاولة استذكار لتاريخ الوجود من حيث هو اختلاف منسيّ ومن حيث هو نسيان للاختلاف(8)، فإنّ الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي الحاتميّ لم يهتم بفروع الاختلافات والتنوّعات الإيديولوجية ولا بالتوزيعات الجغرافية للأديان والحضارات والثقافات بقدر ما حاول اكتشاف البنية الجنيالوجية الجوهرية الأساسية التي أوجدت الاختلافات والتنوّعات بين بني البشر، والتي تجد كامل تفسيرها عنده في “عقيدة التجلّي”.

إنّ تعدّد الثقافات والحضارات والطوائف والملل والنحل والإيديولوجيات والأديان يشكّل في عقيدة الحاتميّ مظاهرَ وتجلياتٍ لمعاني الألوهية. والاختلاف الوجوديّ العقائديّ هو انعكاس مباشر لاختلاف تجلّى أسماء الله الحسنى وتعددها، والعلم الحقيقي أو نظرية المعرفة عند شيخ الصوفية الأكبر قائمة أصلًا على نظرية التجلي وليس على الأدلة العقلية. فالاختلاف جنيولوجيا يعود عنده إلى فكرة التجلي. وعقيدة التجلي كما يعرفها الإمام القشيري هي “إشراق أنوار الحق على قلوب المُريدين”(9)، أو هي بتعريف الشيخ زكريا الأنصاري: “التجلي ظهور الذات في حجب الأسماء والصفات تنـزّلاً”(10).

أمّا الشيخ الأكبر فيجعل عقيدة التجلي من أهم وأعظم علوم الحقائق ويقرّر أنّ “مدار العلم الذي يختصّ به أهل الله تعالى على سبع مسائل من عرفها لم يعتصِ عليه شيء من علم الحقائق وهي معرفة أسماء الله تعالى، ومعرفة التجليات، ومعرفة خطاب الحقّ عباده بلسان الشرع، ومعرفة كمال الوجود ونقصه، ومعرفة الإنسان من جهة حقائقه، ومعرفة الكشف الخياليّ، ومعرفة العلل والأدوية”(11). كما يشرح الشيخ الأكبر “التجلي عند القوم ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، وهو على مقامات مختلفة. فمنها: ما يتعلق بأنوار المعاني المجردة عن المواد من المعارف والأسرار، ومنها: ما يتعلق بأنوار الأنوار، ومنها ما يتعلق بأنوار الأرواح -وهم الملائكة- ومنها ما يتعلق بأنوار الرياح.. فكل نور من هذه الأنوار إذا طلع من أفق ووافق عين البصيرة سالمًا من العمى والغشي والصدع والرمد وآفات الأعين، كشف بكلّ نور ما انبسط عليه، فعاين ذوات المعاني على ما هي عليه في أنفسها، وعاين ارتباطها بصور الألفاظ والكلمات الدالة عليها، وأعطته بمشاهدته إياها ما هي عليه من الحقائق في نفس الأمر من غير تخيّل ولا تلبيس”(12).

ويبيّن الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي أنواع التجليات فيقول “التجليات ضروب شتى يجمعها الفناء والبقاء، فمن طلب تجلي الفناء لم يدرِ ما طلب، لأنّ الحق يعطي التجلي ويعطي فيه فإذا أفناه التجلي لم يدر ما يُعطى فيه”(13). ويقول “تجلى سبحانه تجليًا عامًا إحاطيًا، وتجلى تجليًا خاصًا شخصيًا. فالتجلي العامّ تجلّ رحمانيّ، وهو قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى”(14)، والتجلي الإلهيّ عند الشيخ الأكبر” دائم لا حجاب عليه ولكن لا يعرف أنه هو”(15)، ووحده هو العارف السالك المحقق من يستطيع مشاهده أنواع التجليات وهو وحده من يستطيع فهم الخلاف ويرد الكثرة إلى الوحدة ويفهم سرّ الاختلاف.

فلسفة الاختلاف عند ابن العربي

وفلسفة الاختلاف عند الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي مرتبطة ارتباطًا مباشرًا برؤيته اللاهوتية، وتحديدًا بنظرته ونظريته حول “الأسماء والصفات الإلهية” والتي تتلخص في اعتقاده أن الله له ذات وصفات وأفعال. وذات الله واحدة أحدية مجهولة مطلقة لا تدرك إلا بالعجز عن إدراكها من وجه، وذات الله هي في نفس الوقت جامعة لصفات وأسماء مختلفة من وجه آخر، فهو تعالى وحدة في ذاته واختلاف وتعدّد أسمائه. فالله هو الوحدة والاختلاف، هو الواحد والكثير، الظاهر والباطن، الأول والآخر، الجامع لكل المتضادات أو المتقابلات تحقيقًا، والحق ما عُرِفَ إلا بجمعه الأضداد، و”سرّ العلم بالله هو جمع الأضداد بالحكم في العين الواحدة” كما يقول الشيخ الأكبر(16). كما أنّ أسماء الله تعالى كثيرة كثرة لا تحصى عددًا، وكل اسم إلهيّ في عقيدة الشيخ الأكبر له دلالته التي ينفرد بها بنفسه ويشترك في نفس الوقت مع جميع الصفات الإلهية الأخرى. فكلّ اسم من أسماء الصفات والأفعال له اعتباران: اعتبار من حيث دلالته على الذات واعتبار من حيث المعنى الذي دلت عليه لفظة الاسم. فأمّا من حيث الاعتبار الأول فهو عين الذات وعين جميع الأسماء فيصحّ نعته بجميع الأسماء، وأمّا من حيث الاعتبار الثاني فهو غير الذات وغير جميع الأسماء. يقول الشيخ في فصوص الحكم: “.. كل اسم إلهيّ يتسمّى بجميع الأسماء الإلهية ويُنعت بها. وذلك أنّ كل اسم يدلّ على الذات وعلى المعنى الذي سيق له ويطلبه. فمن حيث دلالته على الذات له جميع الأسماء، ومن حيث دلالته على المعنى الذي ينفرد به، يتميّز عن غيره كالرب والخالق والمصوِّر إلى غير ذلك. فالاسم المسمّى من حيث الذات، والاسم غير المسمّى من حيث ما يختص به من المعنى الذي سِيق له”(17).

توحيد الله في السماء يقود للمساواة بين البشر على الأرض، والاختلاف قدَرٌ إلهي لا يمكن رفعه أو دفعه لكن يمكن تفهمه وفهم منشئه وإعطائه الشرعية الوجودية

وينظر الشيخ الأكبر إلى الأسماء الإلهية من حيث وجودها ودلالتها على أنها ذات وضع وجوديّ-معرفي مزدوج: فهي وحدة واحدة لأنّ مدلولها الذات الأحدية وهي كثرة متعدّدة لتجليها وتعلقها بالمظاهر الوجودية، فلكلّ منها دلالة مميزة لكنها كثرة ضمن وحدة إذ “كل اسم إلهيّ على انفراده مسمّى بجميع الأسماء الإلهية كلها إذا قدمته في الذكر نعته بجميع الأسماء”(18). فأسماء الله متضايفة يحيل كل اسم فيها إلى نفسه والى غيره من الأسماء وأخيرًا إلى الذات العليّة. والمخلوقات كلها في عقيدة الشيخ الأكبر ليست إلا أسماء الله ظهرت بكل هذه الأشكال المختلفة وبهذه الصور المتنوعة الموجودة في الواقع مع بطون الذات وانحجابها فيها، وللتنبيه فإنّ صوفية وحدة الوجود يفصلون بين ذات الله المحض المجردة من الصفات، وبين الألوهية (الذات المتصفة بالأسماء والمتجلية فيها)، وهو فصل معرفيّ لا يقوم على أيّ ثنائية وجودية. وعندهم كل الأشياء المحسوسة أو الجسميّة أو المثالية أو الروحانية في هذا العالم هي تحقيق تجلّي أسماء الله التي هـي بدورها تجلٍّ للذات الإلهية في مرتبة التنزل والتقييد. وأنّ الكثرة المرئية في الوجود مرتبطة مباشرة بتعدّد الأسماء الإلهية وتكثرها، وما في العالم حقيقة كونية إلا وهي مرتبطة بحقيقة إلهية.

نستمع إلى أحد أكبر مترجمي وتلاميذ الشيخ الأكبر، الأمير عبد القادر الحسني الجزائريّ، وهو يشرح ويوضح عقيدة شيخه، والذي خصّص في كتابه “المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف”(19)، الموقف الثامن والأربعين بعد المائتين، لتفصيل وشرح فلسفة الاختلاف عند الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي بإرجاع كل الاختلافات الأنطولوجية، كونية كانت أو بشرية، إلى اختلاف حقائق الأسماء والصفات الإلهية، يقول:

“كل ما في العالم من اختلاف الصور والأشكال والألوان والأمزجة في النوع الواحد، كالواحد والنبات والحيوان والإنسان، فمستنده من الحقائق الإلهية وارتباطه بعدم تكرّر التجلي الإلهي فإنه تعالى ما تجلّى لواحد بتجلٍّ مرتين ولا لاثنين بتجلٍّ واحد فلا بدّ من الاختلاف في أشخاص كل نوع من الأنواع المخلوقات مع وحدة كل نوع بالحد والحقيقة” (20).

“كل ما في العالم من أين وهو المكان فهو مثال ومستند لقوله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)”(21)(22).

“ما في العالم من الكم فهو العدد والكثرة فهو مثال لقوله (ولله الأسماء الحسنى)(23)” (24).

“ما في العالم من الكيف فهو مثال لقوله كل يوم هو في شأن(26)”(27).

“ما في العالم من المتقابلات فإنها أمثلة مستندة للقدمين الإلهيتين اللتين تدلتا إلى الكرسي كما ورد في الخبر”(28).

“كل ما في العالم من الأمور التي تظهر آثارها ولا عين لها في الوجود الشهادي كالطبيعة وبعض صفات الإنسان كالشجاعة والسخاء ونحوها فهي أمثلة مستندة إلى الأسماء الإلهية”(29).

“كل ما في العالم ممّا يدخل على الناس من البسط والطرب فيضحكون وينبسطون كهؤلاء الذين يفعلون أفعالًا ويقولون أقوالًا يضحك منها الكبير والصغير العاقل وغير العاقل فذلك مرتبط ومستند إلى حقيقة قوله تعالى (وأنه هو أضحك)(30)”(31).

“كل ما في العالم من التضاد كالخوف والرجاء والقبض والبسط والعز والذل والحياة والموت والليل والنهار من حيث أنهما نور وظلمة فذلك مثال مستند إلى اسمه تعالى الأول والآخر والظاهر والباطن”(30)(31).

“كلّ ما في العالم من الأحوال الوجدانية الذوقية التي لا تدرك إلا ذوقًا فلا تعلم بالحد ولا تدرك بالرسم مثل العلوم الذوقية والطعوم والروائح المكتسبة من البواطن فذلك مثال مستنده من الحقائق الإلهية وما وصف الحق تعالى به نفسه من الرضا والغضب والشوق والحب والفرح”(32).

وخلاصة نظرية الشيخ الأكبر أن الاختلاف هو في الأصل ظاهرة إلهية، والله تعالى هو منشأ الاختلاف بل هوية الله تعالى ذاته “من وجه” محورها على الاختلاف والتعدّد. وما الاختلاف بين شخص وآخر، والاختلاف بين جماعة وجماعة، والاختلاف بين ثقافة وثقافة أو حضارة وأخرى، تفسيره عند الشيخ الأكبر يرجع في النهاية إلى تباين تجليات الأسماء والصفات الإلهية في الوجود. وهو ينطلق في فكره هذا من خلال مبدأ التوحيد والذي ينظر إليه كمسألة اجتماعية وليس كمسألة إلهية ميتافيزيقية فقط، أي أن توحيد الله في السماء يقود مباشرة إلى المساواة بين بني البشر على الأرض، وإذًا الاختلاف قدَرٌ إلهي لا يمكن رفعه أو دفعه لكن يمكن تفهمه وفهم منشئه وإعطائه الشرعية الوجودية. لكن العارف الكامل المحقق وحده هو الذي يعرف تجليات الله في خلقه ويستطيع تفكيك الاختلافات في الخلق وفي الوجود، بحيث يرد الكثرة إلى الوحدة ويعرف الله متجليًا بهذه الاسم أو ذاك.

وتجد فلسفة الاختلاف بنيتها الأساسية ومرجعها في اعتبار الاختلاف بين البشر والتعدد في الوجود كله إلى اختلاف الأسماء الإلهية وتباينها، وهنا يصل إعطاء الحق في الاختلاف إلى درجة المشروعية الإلهية الدينية. ولعلّ هذه النقطة هي مصدر التميز والجدة والأصالة عند الشيخ الأكبر، وهي وعيه بحق الاختلاف وإعطائه شرعية إلهية ودينية ومن هنا قيمة مشروع  محي الدين ابن عربي معرفيًا وعرفانيًا وسياسيًا وسوسيولوجيًا وأنتروبولوجــــيًا.

(الكاتب باحث في الأنتروبولوجية الدينية، جامعة تلمسان- الجزائر)

 .

___________________________________________________________

المصادر والمراجع والإحالات

(1) محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية، الباب الثامن والخمسون وخمسمائة في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة و ما يجوز أن يطلق عليه منها لفظًا وما لا يجوز، القادر القدير المقتدر حضرة الاقتدار، طبعة دار صادر، ج 4 ص 296.

(2) محيي الدين بن عربي، ترجمان الأشواق، بيروت، 1966م، ص165.

(3) ابن منظور، لسان العرب، المجلد التاسع، دار صادر، بيروت 1300هـ، ص91.

(4) سالم يفوت، مفهوم الاختلاف في لسان العرب، مجلة مدارات فلسفية عدد 3 فبراير 2000 م، ص65-68.

(5) -Grande larousse encyclopédique tome4 éd librairie larousse-paris 1961

-(6) Jean beaufret : « Dialogue avec Heidegger » T3 éd  Minuit 1974 p 186.

(7) سالم يفوت، مفهوم الاختلاف في لسان العرب، مجلة مدارات فلسفية عدد 3 فبراير 2000 م، ص65-68.

(8) عبد السلام بنعبد العالي، الميتافيزيقا العلم والايدولوجيا، دار الطليعة بيروت، ص 151.

(9) قاسم السامرائي، أربع رسائل في التصوف لأبي القاسم القشيري، ص 53 .

(10) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، الرسالة القشيرية في علم التصوف، تحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف القاهرة ، ص 66.

(11) ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، تصوير دار صادر بيروت عن طبعة بولاق، القاهرة، سنة 1293 هـ. الباب الستون و خمسمائة، ج3ص34.

(12)  نفسه، ج 2 ص 485.

(13) محي الدين ابن عربي، كتاب الكتب، دائرة المعارف العثمانية، الطبعة الأولى، حيدر أباد الدكن، 1367هـ، 1948م، ص47.

(14) ابن عربي، الفتوحات المكية، الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المد والنصيف من الحضرة المحمدية.

(15) نفسه، الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة.

(16) محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية، الباب التاسع والتسعون ومائة في السر.

(17) محي الدين ابن عربي، فصوص الحكم، فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي بيروت، ص 114.

(18) محي الدين ابن عربي، فصوص الحكم، فص حكمة مالكية، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي بيروت، ص 177. فكرة وحدة الصفات مع الذات واختلافها عنها في نفس الوقت أشار اليها الصوفي الأندلسي ابن قسي صاحب كتاب خلع النعليين ويسميها ابن قسي بـــ “سـر التوالج وحكمة التداخل”.

(19) الأمير عبد القادر، المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف، تحقيق عبد الباقي مفتاح، دار الهدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ،1426 هـ.

(20) نفسه، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص457

(21)  الزخرف الآية 48.

(22) الأمير عبد القادر، المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف، تحقيق عبد الباقي مفتاح، دار الهدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1426 هـ.، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص457.

(23) الأعراف الآية 180.

(24) الأمير عبد القادر، المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف، تحقيق عبد الباقي مفتاح، دار الهدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1426 هـ.، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص456.

(25) نفسه، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص456.

(26) سورة الرحمن الآية 29.

(27) الأمير عبد القادر، المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف، تحقيق عبد الباقي مفتاح، دار الهدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1426 هـ، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص458.

(28) نفسه، الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص458.

(29) نفسه،الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص458.

(30) النجم الآية 43.

(31) الأمير عبد القادر، المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف، تحقيق عبد الباقي مفتاح، دار الهدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1426 هـ.الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص458.

(32) نفسه الموقف الثامن والأربعون بعد المائتين ج1ص458.

1 تعليق على “فلسفة الاختلاف عند الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الأندلسي/ فرعون حمو”

  1. salman قال / قالت:

    رائع

أضف تعليق