الغرق اللذيذ/ هدى بركات

في الصباح يكون رأسي مرتاحا، كأن مفرّغا لاستقبالها، لتمتلئ بالصوت حواسي كلّها. وتساعدني أم كلثوم كثيرا في ترتيب إيقاعي الداخلي في مواجهة ركض النهار وتشنّج مفاصله اللاحقة

الغرق اللذيذ/ هدى بركات

|هدى بركات|

كنت مولعة بالأغاني الأجنبية وبالموسيقى الأجنبية… إكتشفت أم كلثوم متأخّرة من ضمن أمور كثيرة أخرى…

أعتقد أنّ لهذا الاكتشاف المتأخّر حسنات لا تحصى. فهو يجنّبك غفلة العادة، ولا تشعر أنّ غرض الاكتشاف معطى بديهيّ، فتنام حواسك على كسل السهولة في ما هو موجود من دون جهد أو بحث. أكثر من هذا: فقد كان جيلي في اتجاه حثيث لرفض “الموروث “(ومنه أم كلثوم) واعتباره في أقلّ تعديل مُضجرًا إن لم يكن ضارّا ومفسدا للمجتمعات العربية، فيما أنا في ذهول الإكتشاف ومتعة السماع العارمة، ومحاولة نسج العلاقة الشخصية لهذا السماع في إيقاع الحياة اليومية. أيّامها لم أكن أستطيع أن أدافع عن تلك المتعة بوجه “حملة التثقيف” تلك… ومع تهمة خفيفة بالذائقة الرجعية، كنت كالذاهب إلى الحج والناس راجعة- كما نقول عندنا.

منذ دخلت أم كلثوم حياتي وأنا أستمع لأغانيها صباحًا، لا ليلا كما أعرف عن الآخرين. ذلك -على ما أعتقد- يعود إلى كثرة إنشغالي وتوزّعي في النهار بحيث أشعر ليلا بامتلائي بـ “خرضوات” العالم الخارجي المرهقة، فلا يتبقّى مكان للسماع. وأنا شخصيا لست من النوع الذي يرتاح أو يبدّد تعبا بواسطة الموسيقى أو الأغاني، إلاّ تلك الخفيفة جدا والتي تبقى على السطح -كموسيقى المطاعم- فتنساها أذناك وأنت منصرف إلى أشياء أخرى.

في الصباح يكون رأسي مرتاحا، كأن مفرّغا لاستقبالها، لتمتلئ بالصوت حواسي كلّها. وتساعدني أم كلثوم كثيرا في ترتيب إيقاعي الداخلي في مواجهة ركض النهار وتشنّج مفاصله اللاحقة، خاصّة هنا في الغرب، حيث أضع السمّاعات الصغيرة في المترو فيختفي تماما صرير عجلاته الجارح، ولا أعود أرى ركض الناس وأنا مغمضة العينين. أدسّ الآلة المسجّلة الصغيرة في جيبي وأكمل الغرق اللذيذ في الصوت. بأل التعريف.

في روايتي “أهل الهوى” كتبت مقطعا في صوتها، محاولة الإقتراب من معجزته ومن تأثيره الحسي فيّ، وأيضا في خروجه واستعصائه على التصنيف. وفي الرواية التي سبقتها –حجر الضحك- بدأت بعض الفصول بمقاطع من أغنيتها “أنا في انتظارك”، ربما في استعمال سردي لكبح إيقاع الموت وتمهّل تدفّق القبح على المدينة المضروبة بتحلّلها اليوميّ.

أنا لا أحبّ لعبة الإختيار، لكني سأخضع لشروط لعبة قديتا. وعلى سيرة أغنية “أنا في انتظارك”، سأختارها أغنيتي المفضّلة وأهرب من العذاب…

*روائية لبنانية

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>