حكايات لزوجتي الأجنبية التي لا تحب أم كلثوم/ محمد فرج

30 ديسمبر 2011

|محمد فرج|

زوجتي العزيزة؛

أعرف أنك لا تحبين أم كلثوم، تشعرين معها بالملل، لا تجذبك الموسيقى ولا الكلمات، ولكن لا بأس، ربما وأنت بعيدة الآن يمكنني الثرثرة معك عنها، أنت الان لن تسمعيها بجوارك، فقط ستستمعين لي، واذا مللت مني، يمكنك التوقف عن القراءة وفعل شيء آخر، وأعدك أنه حال عودتك لن نتكلم حول ذلك الامر.

أذكر المرة الاولى التي سمعت فيها ام كلثوم وأنا معك، كنا داخل تاكسي، وأم كلثوم تغني، ساعتها ظننت انها رجل، وشعرتِ بالملل من الموسيقى البطيئة، وعندما حاولتُ أن اترجم واشرح لكِ معنى ما تغنيه، جاء شرحي خاليا من المعنى، فتأكد عندكِ انها فقط تنوح بنفس الكلمات عن حبيب مهجور.

.

عزيزتي؛

لا يمكنك انكار اني حاولتُ معك كثيرا أن أقربك من أم كلثوم، او جعلها قريبة منك، ولا يمكنني انكار ان حججك ربما تكون منطقية، فبالنسبة لعقلية اعتادت على أن تكرار كلمة في الاغنية يعد عيبا فاضحا، تصبح ام كلثوم آلة تسجيل مكسورة، والموسيقى لن تحرك في داخلك اي شيء، وايضا التاريخ..كيف سأعيد التاريخ لأجعلك تحبين حبيبك الاول مع أغنية لكوكب الشرق، أو تفرحين معها للقاء حبيب غائب، أو تجدين وصفا لحالتنا سويا بعد واحدة من مشاداتنا..مسألة مستحيلة.

أتذكرين عندما وجدنا رواية اللبناني سليم نصيب عن أم كلثوم، ساعتها فرحنا حيث وجدنا الرواية بلغتينا، اذن سنتمكن أخيرا من قراءة كتاب واحد، كلا منا بلغته، والرواية ايضا مترجمة إلى لغتينا، حيث كتبت بالاساس بلغة ثالثة، وساعتها فرحت أنا أكثر اذ ظننت أن الرواية يمكن أن تثير فضولك تجاه “الست” ولكنك أحببت الرواية ولم تحبي “البطلة”، ولم تحبي أيضا رامي، شاعرها المفضل، ومحبها المخلص، بدت لك امراة متكبرة، مستغلة، تبني نفسها من مشاعر الاخرين، وبدا رامي كالابله، لا يتعلم أبدا، وظل يحبها كسراب، ويواصل الكتابة، وهي بلا خجل –كما ذكرتِ– تواصل الغناء…

لن أناقش معك الامر، هكذا رأيتِ ما حدث.. وهكذا وصلت لك الصورة، فليكن، لا اريد الآن أن اقنعك بضرورة أو أهمية أو جمال أم كلثوم.. فقط أريد أن اثرثر معك قليلا، عنها ربما.. لكن عني أكثر.

كنت أكره أم كلثوم وأنا صغير، كنت أقول كلاما طفوليا يشبه ما تقولينه الآن يا عزيزتي، خاصة أن بيتنا ليس فيه مستمع جيد للموسيقى، أبي لا يحب الاغاني، كان يعتبرها مضيعة للوقت، ونحن يجب أن نذاكر، كي نتفوق، والراديو والتلفزيون مضيعة للوقت وبالتالي فلا بد من اغلاقهما اغلب الوقت، أو كل الوقت لو استطاع. وأمي لم أكن أدري هل تحب غناء بعينه أم لا. ونحن -أنا وأخوتي- لم نكن نميل إلى شيء بعينه، ولكن كنا نشعر بالملل من “الست”.

لكنني أذكر أن اول احتكاك بيني وبين أم كلثوم، كان على اعتاب المراهقة؛ كنت في الصف الثالث الاعدادي، ولأنّ تعليمي كان دينيا، كنا ندرس الفقه، وكان مدرس الفقه شابا اكتشفت فيما بعد عندما كبرت انه كان مثارا طول الوقت، كان يستغل كل الاوقات الخالية كي يراجع “باب الزنا” وتعريفه لغة واصطلاحا، وشروط اثباته، و”المرود والمكحلة والقلم والمحبرة”.

كان أحيانا يصمت، ثم يقول: “شوف يا أخي أم كلثوم بتقول ايه: يا حبيبي يلا نعيش في عيون الليل.. ونقول للشمس.. تعالي تعالي… بعد سنة.. مش قبل سنة.. عايزة تخلي الليلة سنة عشان تقضيها مع حبيبها”.

لم أكن اعرف من أيّ اغنية هذا المقطع، وإن كنت تظاهرت أمام المدرس بمعرفته حتى لا يتهمني بالجهل، ولكن ارتبطت في ذهني حسية المرود والمكحلة، بليل أم كلثوم، وظللت أردّد هذا المقطع طويلا، كي يعرف الآخرون أني اعرف أم كلثوم، بل وأدندنها ايضا.

هكذا اذًا يا عزيزتي كانت أم كلثوم هي ألعاب الكبار الخفية التي لا نعلم عن حقيقتها شيئا ولكننا نحاول التظاهر بالمعرفة.

.

عندما أوغلت في المراهقة قليلا كان لا بدّ أن أبين ام كلثوم التي اكتشفتها، فكل اصحابي الاكبر مني يعرفون بعض الاغاني، واصبحت اغاني ام كلثوم علامة النضج وبالتالي علامة انك تحب، وايضا لديك شدّ وجذب في العلاقة، أنت كبير الآن ولا يكفيك عمرو دياب ومحمد فؤاد وبالطبع مصطفى قمر، للبوح بما يعتمل في أعماقك من “الحبّ”.

ولكني لم أكن أحب وقتها، كنت خجولا، لا أعرف كيف اعاكس فتاة مثلما يفعل اصدقائي، وبالتالي ليس لدي فتاة احبها عبر أم كلثوم او غيرها، لذا بدأت أحب التغني بالحبّ.. فكانت “أغدا ألقاك” اللعب بالالفاظ والكلمات، وحالة اللوعة والانتظار من خلال الحواشي اللفظية الكثيرة تناسب مراهقا مثلي، ايضا “هذه ليلتي” أمتلات اطراف كتبي المدرسية بمقاطع وجمل من الاغنيتين، وهكذا اصبحت اسمع أم كلثوم، لأني “كبير”. نعم ليس لدي فتاة ولكن لدي حب واشتياق وجنون ولوعة وظنون وانطلاق كما تقول ام كلثوم.

لكن أم كلثوم ظلت بعيدة يا عزيزتي.كنت احبها غصبا كي أكون كبيرا، لكنها كانت بالفعل بعيدة، ولم تقربها محاولتي العنيفة مني، ولم اقترب انا بل ظللت بعيدًا. إلى أن قالت لي فتاتي الاولى “أنا أحبك”. في الحقيقة لم تقلها هكذا صراحة، ولكن الامر كان معقدا كثيرا، وكانت هي تخاف كثيرا بداية مني وانتهاءً بالمجتمع، ولكنها ذات يوم قالت لي “أنا لما بحب حد بدعيّ عليه… وانا النهارده هروح أدعيّ عليك”!

اخيرا قالتها باسلوبها الملتوي كثيرا، ولكن قالتها. كانت الليلة السابقة على بداية شهر رمضان، والشوارع مزدحمة بالشارين لحاجيات رمضان قبل بدايته، واستكمالا للأمر توقفت خطوط المواصلات الداخلية فتكدست القطارات والعربات بطول طرق الإسكندرية.

لكن ساعتها يا رفيقتي بدأت أفهم ماذا كانت تعني أم كلثوم عندما قالت “كل الناس حلوين.. في عنيا حلوين.. حتى عوازلي أو حسادي”. كنت مبتسما، خفيفا جدا، ركبت قطارا فتوقف، نزلت ومشيت لأخرج على طريق آخر لآخذ منه أوتوبيسا، لم أجد. واصلت المشي سعيدا، طائرا، وجوه الناس جميلة.. كل الوجوه: الطفلة والشابة والمذكرة والمؤنثة، الجميع “حلوين” وكلما زاد الازدحام زاد عدد الحلوين الذين أراهم. فمشيت كثيرا وصوت فتاتي يرنّ في اذني، وأم كلثوم تهندس لي العالم كي يزداد خفة وحلاوة.

وعلى الرغم من أنّ فتاتي قالت لي في اليوم التالي إنها عجزت عن الدعاء عليّ، وعلى الرغم من أنّ القصة كلها انتهت منذ زمان، لكن ساعتها عرفت أن الناس،كل الناس، يمكن ان يكونوا في لحظة حلوين.

.

هكذا اذن يا زوجتي بدأت أؤمن بأم كلثوم. بدأت أؤمن بأنّ أم كلثوم تعرفنا جيدا، وتعرف حالاتنا، وتعرف كيف تعبر عنها بحيث يظن كلٌ منا أنها غنتها له فقط.

مرة يا عزيزتي قابلت فتاة -بالطبع كان هذا قبل لقائنا- كانت المقابلة الاولى وكنا وسط اصدقاء مشتركين، وكانت أم كلثوم في الخلفية، وقالت: “أول عنيا ما جت في عنيه عرف طريق الشوق”. في هذه اللحظة بالضبط التقت عينانا، وعرفت انه سيكون شيء بيننا، وقد كان.

رفيقتي الجميلة،

مرة قالت لي أمي: “إسمع أم كلثوم زمان.. مع زكريا احمد، والقصبجي… عبد الوهاب رقّص أم كلثوم وهي مش بتاعة رقص.. إسمع رقّ الحبيب”، وسمعتها، واستعذبت الانتظار الحلو والموسيقى الهادئة القديمة القادمة من زمن آخر يبدو رائقا، وتبدو الاحبة فيه تستغل كل التفاصيل كي تبرهن على حبها. أم كلثوم تغني في عالم آخر، وأمي سمعتها في عالم ثانٍ، وأوصتني بها في عالم ثالث، وكلنا نستمتع، أنا وامي وأم كلثوم تنتقل بيننا لا تعبأ بشيء إلا بالتعبير عن لوعة انتظارها.. عن لوعتنا جميعا.

زوجتي الغالية،

لست غاضبا عليك لأنك لم تحبي أم كلثوم، كنت أتمنى لو سمعتِها وهي تقسو علينا بصوتها عندما تقول: “كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله”، وعندما تعاتبنا: “خاصمتك بيني وبين روحي.. وصالحتك.. وخاصمتك تاني”.. وعندما تتدللنا “شعر ايه! ده الكلام اللي في عنيك.. خلى أحلى كلام يغيب”، وعندما وعندما وعندما…

عزيزتي،

لست غاضبا عليك.. وأرجو ألا أكون قد ثرثرت كثيرا.. نامي يا غالية.. أتمنى لك نوما مريحا.

تصبحين على خير…

*كاتب وصحفي مصري

3 تعليقات على “حكايات لزوجتي الأجنبية التي لا تحب أم كلثوم/ محمد فرج”

  1. سعيد حسين قال / قالت:

    المقال رائع وجميل . ولكى تعرف أم كلثوم أكثر يجب أن تستمع إلى “سلوا كؤوس الطلى -أغار-أهل الهوى-وشبيهاتها”وفى ساعات وحدتك أو حزنك – لا أراك الله إحداها-..ساعتها سوف تعى لماذا بعث الله أم كلثوم

  2. بلان قال / قالت:

    لا شك ان ام كلثوم ستبقى كوكبا في سمائنا وقلوبنا ،كل منا احب الشعر القمر والحبيب ، والموسيقى التقى بها وبقيت معنا وفينا ذكرايات تدفئنا .
    ستبقى خالده كوكب الشرق .

  3. الياس سمعان قال / قالت:

    يا سادتي ام كلثوم عالم بحد ذاته وثقافة أزلية ان شئت ودخلته فقد حظيت بالسعادة الأبدية فهنيئا لمن دخل ذلك العالم. ومهما تكلمنا عن ام كلثوم فلا ولن نستطيع ان نوليها ما تستحق. أنا شخصيا لو كانت هموم الدنيا كلها عندي وحين اسمع رباعيات الخيام، تنجلي الامور ويروق المزاج. وشكرا للصديق رياض الذي لفت انتباهي الى هذه المقالة. جزاه الله خيرا. أني اقاسم الكاتب نفس المصير منذ ٣٠ عاما لكني استسلمت قبله لانه لا امل في احياء الأموات ولا في إقناع أجنبية باعتناق ام كلثوم.

أضف تعليق