أم كلثوم وأنا/ ريم تلحمي

30 ديسمبر 2011

|ريم تلحمي|

كانت خالتي سلام تربكني؛

خالتي سلام التي تحفظ العشرات من مطالع الأغاني العربية، لسبب ما، لا تحفظ إلا البدايات، جملة أو اثنتين من كل أغنية. أذكر ارتباكي من كسلها في ترديد الأغاني، وأنا الطفلة التي شاركتها الغناء دائما، وكنت أعتمد عليها في حفظ الكلمات، لكنها كانت سرعان ما تُنهي القطعة لتبدأ غيرها. فلم أحفظ “إفرح يا قلبي” مثلا.

لا يعلم مَن استمعوا إلى غنائي، أنني أغني أم كلثوم عندما أكون وحدي، وغالباً عندما أكون في الحمام. هل هذا تقليل من شأن أم كلثوم ومكانتها العظيمة؟ بالطبع لا! لكن هذا أمرٌ آخر، فذلكَ الصوتُ الذي يشبهُ قطاراً لا يوقفه شيء، لا يمكنُ المغامرةُ بالغناءِ له أمامَ جمع، على الأخصّ حين يكونُ هذا الجمعُ ذواقاً للموسيقى، وأم كلثوم بهذا المعنى تهديد حقيقي لكلّ من غنى، وربما اختبار حقيقي أيضًا.

من أين يأتي الصوت الكلثوميّ- كما أحبّ أن أسمّيه؟ وكيف يُنتجُ هذا الصوت؟ وما الذي يميّزه عن باقي الأصوات؟ كيف يؤثر الحمّام، ببخار مائه الساخن وبابه المغلق على إنتاج هذا الصوت؟ ولماذا نشعرُ حينَ نسمعُهُ أننا أمامَ صوتٍ آتٍ من بُعدٍ لا يتوفَّرُ في البشرِ العاديّين؟

نشأتُ في شفاعمرو، في الجليل الغربي، شمال فلسطين، في عائلة تحبّ الغناء والموسيقى، ولا توفّر فرصة إلا واستغلتها للترنّم بالموروث الفلسطيني الشعبي، أو اللبناني الأقرب جغرافيا إليها، وكان للموروث المصري القديم نصيب في هذه العائلة الممتدّة. لكنه، في حينها، كان الأبعد أيضا عن أجواء الكنيسة التي تنتمي إليها عائلتي. فلم أنلْ في طفولتي تدريبا على الغناء، بل أصبحت أردد ما أسمعه داخل العائلة وفي الكنيسة، أردد التراتيل والترانيم التي بطبعها لا تنتمي إلى الغناء العربي الشرقيّ (كنيسة الروم الكاثوليك)، وسأفهم فيما بعد أنّ هذه الترانيم تُنتَج أصواتها، وخصوصا النسائية منها، عن طريق الرأس، أو في أبعد تقدير، عن طريق الحنجرة والرأس. بالطبع لم أكن أفهم من أين يأتي الصوت وما هي طريقة الغناء التي يستخدمونها، ومن أيّ صندوق تخرج الجمل الغنائية!

لطالما رافقني الشكّ بأنني سأفقد صوتي إن أنا أطلقته ملء فمي. ولطالما أحسستُ بأنني سأزعج به السامعين إن أطلقتُ له العنان، لذا فقد قضى صوتي المسكين فترة طويلة وهو فَرَسٌ مربوطةُ قوائمها كل قائمتين معا، فتسير بعشر قدرتها على السير، وتركض بربع طاقتها على الركض. لم أفكر بأنّ المسألة قد تتعلق بفكرتي أنا عن الصوت الذي أريد تحريره في لحظة ما، أو أنّ الصوت قد يتبع بالضرورة إحساسا لحظياً ما، وعليه فإنه لا خوف عليّ من تتبع صوتي منذ لحظة تكوّن الفكرة والإحساس، إلى حين خروجه مصحوبا بتلك الفكرة.

كيف أنهي لحظات الخوف من إصدار الأصوات التي أريد؟

فكرت أحيانا، أنه ربما عليّ أن أواصل استخدام صوت الرأس عندي، حتى أتلافى أيَّة مفاجأة في الطريق، ولكنني بذلك كنت قد حكمت على صوتي الكبير الجهوري الممتلئ، بالإعدام خنقا، وكأنني أشبه البخيل الذي لا يصرف من ماله إلا ما يبقيه على قيد الحياة، بينما السوس يأكل بقية المال المخبأ في الأدراج.

وعندما فكرت أن أترك صوتي على سجيّته، يصول ويجول ويجرب، حينها فقط، رأيت الأنفاس تأخذ مسارات أخرى أكثر امتدادا واتساعا، ورأيت الأفكار تنساب بصورة أكبر حجما وكثافة. كان صوتي يتحوَّلُ إلى غابةٍ بأنهارها وطيورها ووحوشها وأشجارها، لكنني بقيت غير مطمئنة لقراراتي تجاه استخدامات صوتي.

وعندما أكون وحدي، أي عندما لا أخشى انزعاج الآخرين من الصوت الصادر من بطني والمتنقل بين صدري وحنجرتي، كنت أترك الفضاء له لينطلق بكامل حريته، أن يتنفس من دون قيد وأن يتمدد من دون حدود، وأن يقفز من دون تردد… عندها لا أستخدم صندوق صوت رأسي، عندها أصيرُ طائراً بجناحين، وعندها فقط أغنّي أم كلثوم!

عندها أفتح صناديق الصدى كلها، أبعثُ ما فيها برسالة إلى الفضاء، ألهو بين الصدر والبطن ثم أرفع الصوت باتجاه الحنجرة وألعب هناك قليلا ثم أعود نحو البطن، أعلو، أهبط، أذهب، أجيء، أطير، أزحف، أسبحُ…

وعندما يقترن كل ذلك ببخار الماء الساخن في المكان المغلق، حيث أنفرد بنفسي ومعها، يسخن الصوت ويصبح تردده عظيما، عظيماً إلى حدّ انسجامه مع حرارة الماء، وكأنه هو ما يحول الماء إلى بخار! وهنا لا أعود أخاف شيئا ويصبح اسمي اسما آخر وهويتي هوية أخرى، وصوتي صوتاً آخر.

*مغنية فلسطينية

1 تعليق على “أم كلثوم وأنا/ ريم تلحمي”

  1. سليم قال / قالت:

    حلو ومعبر
    يسلم صوتك

أضف تعليق